محمد بديع فكر متشدد وخطاب لم يطمئن المصريين

الجمعة 2013/08/23
اعتقال محمد بديع ضربة قاصمة لإخوان مصر

على إثر صعود الإخوان إلى الحكم توهم البعض أنهم سيحققون مطالب الثورة ويخرجون مصر من أزماتها المتعددة، ذلك ما أظهره خطاب مرشدهم الذي كان يرسل الابتسامات هنا وهناك والتي لم يقدر البعض على تفسيرها هل كانت تفاؤلا بالمستقبل أم فرحة بالكرسي والسلطة، والذي وعد أن يتعامل وفق منهج إصلاحي متدرج كما وعد رئيسه المعزول محمد مرسي بأنه سيكون رئيسا لكل المصريين.

لكن الأيام أبانت عجزهم على جميع المستويات فلا مطالب الثورة تحققت ولا الأزمات وقع حلها، مما جعل الشعب المصري ينفض يده من الإخوان ويزيحهم من المشهد السياسي.

ويمكن اعتبار اعتقال محمد بديع البداية الفعلية لمحاصرة الخطر الإخواني والحد من طموحات قيادييهم الذين كانوا يحلمون بالتمكين وبأخونة الدولة.

وقد جاء اعتقال بديع أيضا بعد يوم من توجيه النيابة العامة اتهامات إلى الرئيس محمد مرسي بالاشتراك في القتل والشروع في قتل متظاهرين أمام القصر الرئاسي نهاية العام الماضي. واعتبر البعض أن القبض على بديع عملية مهمة تؤكد نجاح وزارة الداخلية في فرض سيطرتها الأمنية، ونجاح جهودها في استعادة الأمن والأمان إلى الشارع المصري بعد الأعمال الإرهابية التي قامت بها الجماعة.

ونظرا لما أحدثه اعتقال مرشد الإخوان من ردود فعل في الساحة الدولية عدنا لمعرفة تفاصيل أكثر عنه وعن طبيعة تفكيره ومواقفه وتوجهاته.

يعد محمد بديع المرشد الثامن لجماعة الإخوان بعد انتخابه في يناير مكان محمد مهدي عاكف أحد أقطاب الحرس القديم للإخوان.

ولد بديع عام 1943 بمدينة المحلة الكبرى، وهو حاصل على الدكتوراه في الطب البيطري، وانضم إلى مكتب الإرشاد بالجماعة في مصر منذ العام 1993.

صدرت بحقه مذكرة ضبط وإحضار بعد الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو الماضي. وفي قضايا سابقة حكم عليه عام 1965 بالسجن 15 سنة حيث سجن مع سيد قطب، قضى منها تسع سنوات وراء القضبان، كما سجن لمدة 75 يوما في قضية جمعية الدعوة الإسلامية ببني سويف عام 1998. وحكم عليه عام 1999 بالسجن خمس سنوات في قضية النقابيين.

وسبق لمحمد بديع أن سجن مرتين، الأولى عام 1964 لمدة تسع سنوات بعدما اتهم بالتورط في مخطط للانقلاب على السلطة، والثانية في العام 1999 حين حكم عليه بالسجن لمدة تسع سنوات قضى منها أربع سنوات تقريبا في السجن.

عمل محمد بديع أستاذا مساعدا في الطب البيطري بجامعة الزقازيق ثم أستاذ طب بيطري بجامعة القاهرة فرع بني سويف ورئيس قسم الباثولوجيا بكلية الطب البيطري بني سويف سنة لدورتين. كما عمل وكيل كلية الطب البيطري بني سويف لشؤون الدراسات العليا والبحوث سنة لدورة واحدة.

ثم تولى منصب رئيس مجلس إدارة جمعية الباثولوجيا والباثولوجيا الإكلينيكية لكليات الطب البيطري على مستوى الجمهورية. ثم رئيس هيئة مجلة البحوث الطبية البيطرية لكلية الطب البيطري بني سويف لمدة 9 سنوات. ورئيس مجلس إدارة مركز خدمة البيئة بكلية الطب البيطري بني سويف .

وكان يعمل قبل اعتقاله أستاذا متفرغا بقسم الباثولوجيا بكلية الطب البيطري جامعة بني سويف. أما العمل النقابي فقد كان أمين عام النقابة العامة للأطباء البيطريين لدورتين، وأمين صندوق اتحاد نقابات المهن الطبية لدورة واحدة.

يرى فيه محبوه أن هيئته تستدعي للذاكرة صورة المرشدين التاريخيين.. لحية خفيفة ووجه نحيف ونظارة، وهو صاحب فقه ودين.

في عام 1959 تعرف محمد بديع على أحد أعضاء الإخوان المسلمين السوريين، وهو الدكتور محمد سليمان النجار الذي دعاه إلى الانضمام إلى جماعة الإخوان، فاقتنع الشاب وتحمس للفكرة رغم أجواء الخوف التي كانت تثار عند ذكر كلمة الإخوان، وترك النجار أثره على بديع في إخلاصه لدعوته وبذله الجهد والوقت من أجلها، وقد قال بديع عنه إنه هو الذي تابعه بالتربية والتنشئة وعلاج الثغرات وسد النقائص. في نفس العام بدأ الشاب في حفظ الجزء الأخير من القرآن وبعد إتمامه رتبت له تصاريف القدر موعدا مع سيد قطب، حيث أهداه داعيته سليمان النجار الجزء الأخير من "في ظلال القرآن" فشعر بديع كما يقول بأن جسده قد دبت فيه الروح وأنه لم يذق حلاوة القرآن قبل ذلك.أما مقالات بديع المعدودة فحملت معظمها عناوين علمية طبية بيطرية وتربوية.


مواقف أبعدته عن شعب مصر


اختار مرشد الإخوان منذ البداية خطابا مراوغا لا يراعي قناعاته ولا أفكاره، بل ما تقتضيه المصلحة وما تستدعيه تطورات الأحداث.

ورغم أنه وعد بعد انتخابه بأنه سيركز على التدرج في الإصلاح وأن ذلك لا يتم إلا بأسلوب سلمي ونضال دستوري قائم على الإقناع والحوار وعدم الإكراه، إلا أن ذلك لم يتحقق على الأرض. فلا حوار ولا أسلوب سلمي بل هي أوامر يجب أن تنفذ وخطط يجب أن تتبع.

وقد أبان بديع عن وجه آخر هو لمن يعرف الإخوان وجههم الحقيقي، عندما اعتلى منصة رابعة العدوية وأخذ يرسل الكلام في حالة من الانتشاء الهستيري، لكنها نشوة لم تدم له طويلا. فقد توعد بأن المرابطين في الميادين سيواجهون من يقوم بفض اعتصاماتهم بصدور عارية وأن احتجاجاتهم سلمية لكنها لم تكن كذلك البتة بعد الفض فقد حاولوا إحراق مصر لولا تدخل قوات الأمن والجيش.

طالب بديع في خطابه أمام المتظاهرين بإعادة مرسي إلى منصبه، مشددا على أن المتظاهرين سيبقون في ميادين الاحتجاج إلى أن يتحقق مطلبهم، معتبرا أن عزل الرئيس وكل الإجراءات التي تلته باطلة.

وأكد مرشد الإخوان حينها على سلمية المظاهرات قائلا إن الإخوان بصدورهم العارية أقوى من الرصاص، وسلميتنا أقوى من الدبابات.

وقد رأى المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أن فض اعتصامي رابعة والنهضة جريمة ترقى إلى جرائم الحرب، مشيرا إلى أن ما تتعرض له الدولة المصرية هو هجمة شرسة من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، مؤكدا أن إعلام مبارك زرع الفتنة والكراهية.

وتناسى أن ما قام به الإخوان من ردود فعل داخل المجتمع المصري وضد الأقباط هو الذي ولد الكراهية والاقتتال ووضع المصريين في دوامة من العنف المتبادل.

كما أكد بديع أنه لولا إعلام ما قبل 25 يناير الذي استمر بنفس تمويل رجال مبارك، لما حصل الذبح والتقتيل، مشيرا إلى أن جماعة الإخوان تعول على وعي ويقظة الشعب المصري ولا تعول على المواقف الدولية، وإنما على أحرار وشعوب العالم. وأوضح أن الإرهاب الذي يلصقونه بجماعة الإخوان معروف من أين يأتي، من البلطجية ومن وزارة داخلية الانقلاب، واصفا أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بـالجريمة التي ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقال بديع إن ما حدث فاق كل ما قام به المتوحشون في التاريخ -حسب تعبيره- مشيرا إلى أن هدف ما سماه بالانقلاب العسكري لم يكن استبعاد محمد مرسي من الحكم، ولكن سيطرة العسكريين على السلطة وإقامة دولة عسكرية بوليسية.

هذه التصريحات يعدها الجميع من قبيل المغالطات فعندما ينقل الإعلام ما يقوم به الإخوان من فضاعات وما يرسمونه من مخططات ضد الدولة المصرية هل يعد ذلك مساهمة في الذبح والتقتيل، وعندما يسكت الإخوان عما تقوم به الحركات المتشددة التي نمت وظهرت للعلن في ظل حكمهم ألا يعد ذلك تغطية عن الإرهاب بل مشاركة فيه بالصمت عليه.

ويؤكد بديع أن استمرار المظاهرات في سائر محافظات البلاد تقطع بأن الشعب المصري لن يفرط في ثورة الـ25 من يناير ويتمسك بالمقاومة السلمية.ويتساءل العديدون هل أن إحراق الكنائس ومؤسسات الدولة وترويع الأهالي وقطع الطرق يدخل في باب المقاومة السلمية. لكل هذه المواقف المراوغة اختار الشعب المصري أن يعري نفاق الإخوان وتلونهم وازدواجية خطابهم، من خلال الوقوف ضدهم وضد مخطــــطاتهم ومشاريعهم مما يجنب مصر مآسي عدة خاصة منها جر البلد إلى حرب أهلية.

لذلك اعتبر عضو جبهة الإنقاذ حسام أمين أن ما تقوم به جماعة الإخوان عمل إرهابي تريد به جر مصر إلى حرب أهلية وهدفها مصلحة الجماعة فقط، مؤكدا أن مصر في حالة حرب على الإرهاب. وأشار أمين إلى أن الشرطة قامت بفض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر بطرق سلمية وأن حركة تمرد طلبت منع التجمع للحفاظ على الهوية المصرية. وقد كشفت تحريات جهاز الأمن الوطني حول أحداث ميدان النهضة، عن تورط قادة مكتب الإرشاد وكافة الأعضاء في التحريض على أحداث ميدان النهضة وبين السريات، التي راح ضحيتها 23 قتيلا وإصابة 267 آخرين.

و قد أكدت التحريات أن مكتب الإرشاد بكامله بداية من المرشد محمد بديع والمهندس خيرت الشاطر إلى أصغر الأعضاء سناً واشتراكا في المكتب اشتركوا في التحريض على الأحداث، حيث إن التحريات وردت بها أسماء لشباب من جماعة الإخوان.وأضافت التحريات اشتراك باسم عودة وزير التموين السابق، في أحداث شارع البحر الأعظم بمنطقة "الهرم" التي أدت إلى مقتل 7 أشخاص.

كما أكد تقرير جهاز الأمن الوطني حول أحداث الحرس الجمهوري المصري تورُّط عدد من قيادات الإخوان المسلمين في تحريض المعتصمين بمنطقة رابعة العدوية على اقتحام دار الحرس الجمهوري لتحرير الرئيس السابق محمد مرسي وأخذه من داخل الدار.

وأكد التقرير أن محمد بديع وسعد الكتاتني وخيرت الشاطر ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي وراء عمليات التحريض.

ذاك التحريض وتلك المواقف التي تبناها مرشد الإخوان والداعية إلى العنف والاقتتال والتمسك بالسلطة هي التي جعلت الشعب المصري يبتعد كثيرا عن مقولات الإخوان ووعودهم ووقف بكل صرامة ضد تمريرها لأن الحقائق أثبتت زيفها.


الخطاب المعادي والفشل


واجه الإخوان المصريين بخطاب معاد لم يسع إلى الحفاظ على المشترك بل حاول فرض منوال محدد للحياة من خلاله يحكمون على الناس ويصنفونهم معي أو ضدي.

ذاك الخطاب بعينه هو الذي كان يحرك مرشدهم ويشده إلى آليات تفكير لم تقدر على قراءة الواقع الجديد وتحديد متطلبات المرحلة الجديدة مع ثورة شبابية حالمة بالتغيير منفلتة من ثقافة الوصاية والإرشاد.

وانحصرت اهتماماته في دفع مصر نحو الأخونة الحقيقية مكرهة يحركه في ذلك فكر يمتح من معين أفكار السيد قطب التي أصبحت غريبة عن واقع المصريين الجديد.

القراء ة المتشددة للدين هي التي انعكست على شخصية بديع، فلم يقدر على مسايرة شعب أراد أن يصنع حياته برؤية منفتحة على العالم لا ترى في التشدد والتعصب سبيلا لها.

وقد أعمى الفوز في الانتخابات بصائر الإخوان ومرشدهم وظنوا أن الساحة تركت لهم ليرتعوا فيها كما يشاؤون، لكنهم ضلوا الطريق حيث أنهم لم يستمعوا جيدا لصوت المهمشين و المفقرين من الشباب الذين لا يمكن أن توفر لهم مقاربة الإخوان للدين وللحياة وللاقتصاد ما يمنون النفس به وما يتطلعون إليه بعد ثورتهم المجيدة.

الشباب الذي تجاهله بديع ولم يضعه في المكانة التي يستحق هو الذي أزاح رئيسه مرسي من الحكم وهو الذي كان السبب غير المباشر في اعتقاله.

نظرة بديع المتعالية التي كانت تهزأ بما يدور من غليان ضد توجهات الإخوان، والمقربون منه الذين كانوا يزينون له المشهد رغم قبحه وسوداويته، هما اللذان أسقطا الإخوان وأخرجاهم أذلاء من المشهد السياسي المصري.

كما يرى عدد من المراقبين أن المتشددين هم من كانوا يرسمون سياسات الإخوان ويوجهونها و أن بديع سلّم التنظيم إلى خيرت الشاطر ومحمود عزت اللذين يديران الجهاز الخاص ولا يؤمنان بغير العنف لإسكات الخصوم.

العنف الذي أدى إلى نفور المصريين من الإخوان ومن أفكارهم التي كانت تقوم بهدم المجتمع المصري عوض العمل على بنائه. كما يرى المتتبعون للمشهد المصري أن الصقور داخل الإخوان هم الذين كانوا يتحكمون في مرسي ويحاصرونه بمطالبهم و بتوجهاتهم مما كان نتيجته أن أصبح الرئيس الإخواني عرابا للمرشد لا يرى في مصر إلا ما يراه له بديع.

فلو أن مرسي تخلص من سيطرة المرشد ونائبه وكان حقا رئيسا لكل المصريين لما عزله الشعب المصري ولوجد من يناصره في محنته. لكن ضغط الصقور كان قويا مما جعله ينصاع إلى رغباتهم ليفقد بذلك كل شيء ويجد نفسه في السجن وحيدا.

بديع كشف إذن عن وجه الإخوان الحقيقي وكانت بعض الكتب أيضا أشارت إلى بعض حقائقهم خاصة كتاب "تجربتي في سراديب الإخوان" للقيادي السابق في جماعة الإخوان سامح عيد والذي كشف ما لا يعرفه الكثيرون عن العمل السري للجماعة.

فقد أكد سامح، أن التنظيم ليس كما يتصوره المصريون، مشدداً على أن المرشد ليس القائد الأول، فهناك بحسب قوله قيادات علنية وأخرى سرية، إذ يوجد دوماً زعيم خفي يحمل الرقم صفر. وإذا تحدثنا عن المرشد الحالي وهو محمد بديع نجد أن هناك مَنْ يسبقه في التنظيم وهو محمود عزت، فهو وفقاً للتنظيم المسؤول عنه، وبالتالي فالمرشد الحالي ليس هو مَنْ يدير الجماعة، ولكن الحاكم الفعلي هو محمود عزت.

الكتاب كشف الكثير من الحقائق التي أكدتها الوقائع الجارية في مصر الآن ومفادها أن تنظيم الإخوان متعدد القيادات وهم يحملون نفس الرؤيا المتشددة تقريبا لكيفيات التعامل مع الوضع المصري.

وها أن الجماعة تعلن بعد اعتقال بديع عن تولي محمود عزت إبراهيم، منصب المرشد العام للجماعة بشكل مؤقت، خلفاً له. وذكر الموقع الإلكتروني لحزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، أنه "تم رسميا اختيار نائب المرشد العام للجماعة محمود عزت، مرشدا عاما للجماعة بشكل مؤقت".

ويذهب مراقبون إلى أن بديع قد أدخل الجماعة في أزمة حقيقية بخطابه المتشدد الذي لم يترك مجالا لفرقاء السياسة ليجدوا حلا معه للأزمة السياسية في مصر بعد عزل الرئيس مرسي مما أدى إلى ذاك الفشل الذريع للجماعة وأنصارها. وقد حددت محكمة استئناف القاهرة جلسة 25 أغسطس الجاري لبدء أولى جلسات محاكمة بديع والمتهمين الخمسة الآخرين وهم خيرت الشاطر ومحمد رشاد بيومي نائبا المرشد العام لجماعة الإخوان، ومصطفى عبد العظيم البشلاوي ومحمد عبد العظيم البشلاوي وعاطف عبد الجليل السمري. فهل يستطيع حمائم الإخوان التضحية بصقورهم وإعادة تبني خطاب مغاير يتصالح مع المصريين ويؤمن بالاختلاف ويؤسس لحوار حقيقي دون شروط ودون وصاية على الشعب؟.

12