محمد برادة الباحث عن نقد المجتمعات والثقافة والحياة

السبت 2015/09/12
الكتابة عند محمد برادة مقترنة بالارتحال

النسيان كلمة بحجم الحياة، ذلك ما تنفذه إلى مساغنا مجازات محمد برادة، بل إن النسيان يغدو رديفا لمكابدة الوجود، الذي تنجاب أطواره -كما البرق- في مسيرة العمر، فيتخايل المنسي كالظل الوارف، طاقة للذاكرة، مثلما هو الصمت طاقة للكلام. لكن نسيان ماذا؟ أو نسيان من؟ نحن لا ننسى إلا اللحاء الخارجي، شكل الأشياء، بينما الجوهر راسخ، منغرس في خلايا الذهن، نستحضره دوما بتشبيهات ومجازات شتى: فما مضى هو دوما مثل قيمة نعقلها، وإن تاهت عنا صورتها، هو مثل صيف، ومثل ليل، ومثل امرأة، ومثل مدينة، لن تتكرر قطعا، لكنها خلدت أثرها كما الوشم في مسام الجلد.

"أنا أعلى" للجيل

محمد برادة الذي ولد في الرباط في العام 1938، ثم سافر إلى القاهرة، لدراسة الأدب العربي، وعاد ليحصل على الدكتوراه من السوربون في العام 1973، حياته حافلة بالمنجز الأدبي والنقدي والنظري، شخصياً لا أستطيع أن أسترجع التفاصيل الكاملة للحظات اكتشافي لـ”محمد برادة”، ما أعرفه أنني تآلفت دوما مع هذا الاسم، كجزء من ذخيرتي الشخصية، وعلامة في تراثي الرمزي المشترك، وما أذكره بالتحديد، هو لحظة منفلتة من مطلع الثمانينات، حين أمدتني أختي “ثريا”، بنسخة بحثها للإجازة، وقد كتب تحت خانة الأستاذ المشرف اسم: “محمد برادة”. بعدها بسنوات سأقرأ مقدمته للترجمة التي أنجز لكتاب “الدرجة الصفر للكتابة” لرولان بارت، استعدت بقوة خطابها وعمق ما تنطوي عليه من وعي جديد بماهية الأدب ووظائف التعبير، وقيم الكتابة، مقدمة “طه حسين” للأدب الجاهلي، لم تكن الكلمات والمضامين متشابهة، ولكن قوة الوعي الكامن، وبلاغة الكلمات كانت هي ذاتها، يلتبس فيها الحاضر بالكثير من سمات الغائب.

وذات يوم سأقرأ ضمن ما كتب محمد برادة وصفا للزعيم “المهدي بن بركة” بـ”الأنا الأعلى التاريخي” لجيله، وفجأة يلتمع المعنى الغامض الذي مثله برادة لجيلي أنا، والذي كنت أحار في تسميته وتمثيله، مزيج من عمق الروائي، وسحر الناقد، وغواية المناضل، والمتعاطف الدائم مع الأدب وصوت الثقافة وعوالم المهمشين والمنفيين، سيتمثل لي ولجيلي كـ”أنا أعلى” جديد، لزمن آخر.

المجتمع الحلم

وأذكر في هذا السياق تحديدا أن أول مرة شاهدت فيها صاحب “لعبة النسيان” أواخر الثمانينات، كانت ذات صبغة مقترنة بمجال “الضمير المبدئي” الذي مثله، كنّا مجموعة من حديثي الانتساب لمنظمة الشبيبة الاتحادية، نحضر أشغال إحدى الملتقيات الوطنية، وكان محمد برادة من ضمن الكوادر الحزبية المنتدبة للحديث إلى الشباب، أذكر أن الأستاذ تحدث في محاضرته عن مفهوم “الحزب”، واستدعى طويلا أطروحات “أنطونيو غرامشي”، وانغمر في تحليلات معقدة للمجتمع والمؤسسات المدنية والدولة، كانت نبرات صوته تشي بصلابة الاعتقاد بالنموذج المجتمعي الذي حلم به، والوفاء للعقيدة السياسية التي آمن بها، كنت أول مرة ألتقط فيها مصطلحات من قبيل “المجتمع المدني” و”الوعي الجمعي”.

والظاهر أني تمثلت محمد برادة بعد تلك المجابهة الحسية، كمزيج من الوجود الواقعي الملتبس بتهويمات الذاكرة، ومجازات الكتابة، استوعبته كأفق لما ينبغي أن يستبطنه الخطاب الضدي، والمتخيل النقيض.

كان تشخيصا حيا للمثال الأدبي النائي، الذي لم أكن ألتقيه إلا منجّما عبر كلمات مرسومة على صفحات: “المحرر” و”آفاق” و”المشروع” و”الآداب” و”فصول” و”الكرمل”، كتابة تصادر سمت الوجود الحسي، وتجعل من لحظة اللقاء ظرفا مؤقتا موغلا في الرصانة.

محمد برادة يستدعي عميقا أطروحات "أنطونيو غرامشي"، منهمكا في تحليلات معقدة للمجتمع والمؤسسات المدنية والدولة، في أعمال فكرية تظهر صلابة الاعتقاد بالنموذج المجتمعي الذي حلم به طويلا، والوفاء للعقيدة السياسية التي آمن بها، مرددا على المسمع العربي مصطلحات من قبيل "المجتمع المدني" و"الوعي الجمعي"

الخروج الجذري على التخلف

في مطلع التسعينات، سنحت لي فرصة أخرى لأن أرى محمد برادة، وأتابعه عن قرب، ودون وسائط، كنت في زيارة عابرة للرباط، وقادتني ظروف البحث عن صديق قديم، إلى كلية الآداب، انتهزت فرصة إلقاء “الأستاذ” لأحد دروس مادة الرواية، لأحضر الحصة مع الطلبة. كان بصدد الكلام عن “روني جيرار”، وتصوراته بصدد المغامرة الروائية، متنقلا بين عوالم “بروست”، و”ستندال” و”نجيب محفوظ” و”صنع الله إبراهيم”، في سلاسة أخاذة. لحظتها أدركت كم هو استثنائي، ومثير، أن تستمع إلى هذا المارد النقدي. وحين قرأت بعد سنوات، من ذلك الموعد، خبر إحالة الأستاذ على التقاعد، ظللت للحظات عاجزا عن استيعاب الخبر، كان الصمت الاستجابة اللحظية للنبأ، وكان أكبر من الحزن والدهشة والاحتجاج.

ينطلق برادة في سفر مطّرد، وتتوالى الإصدارات: “مثل صيف لن يتكرر”، “امرأة النسيان”، “سياقات ثقافية”، و”فضاءات روائية”، وغيرها من النصوص والكتابات. غير أن نص محكياته عن مصر الخمسينات والستينات، والحراك السياسي الفريد في القاهرة، وتحولات الأفق النقدي والإبداعي في كلية الآداب، ونجوم الفن والطرب والصحافة، مثّل لحظة جمالية لا تتكرر، وشكل ذروة التعرف على التكوين الداخلي لذات محمد برادة العميقة. لم تكن قراءاتي لهذا النص -التي ناهزت اثنتي عشرة مرة- حدثا عاديا، كانت لحظة ارتحال ذهني خارق، بين عوالم تشوّفت دوما إلى التغلغل في تفاصيلها، عبر تنويعات جمالية شتى، منذ اللحظة التي اكتشفت فيها روايات: “خان الخليلي” و”القاهرة الجديدة”، و”بين القصرين”، وأظن أن إدماني لهذا النص الفاتن ينطوي على دافع أعمق، يمكن أن أسميه “تذاوتا”، حيث يحقق التخييل الاحتمالات القصوى للرغائب الأصلية المشتركة بين الراوي والمتلقي، وذلك عبر سيرورة من الجدل المتنامي بين صيغ التذكر والتخيل والاستدعاء والنسيان، ثم مفارقة التجارب الأصلية والوقائع التي أثرت في ذواتنا العميقة عبر الزمن، والاستعاضة عنها بالقيمة الذهنية المستخلصة كما الرحيق من باقة الزهر.

في إحدى مقالاته عن “الكتابة والحرية ومواجهة الانهيار” تحدث محمد برادة عن مجموعة من الحوافز التي جعلت “التجاءه” إلى العوالم الممكنة للإبداع ضرورة مصيرية، دونها الاختناق؛ ومن ضمن ما ذكره أستحضر تلك العبارة الدالة التي تختصر كل شيء “يبدو الواقع مغلقا، محدودا، ونحن داخله بمثابة مصائر منتهية تمضي لمستقر لها” من مثل هذه الصورة يمكن فهمُ طبيعة العالم/الحلم الذي يتشوف الكاتب إلى تشييده غبر الكتابة، وتلمس معنى الحرية المختلجة بالمباهج، التي تنطق بها تعبيراته الروائية والقصصية، حيث تبدو الكلمات متوفزة بالحياة، وتتجلى الصور اقترابا من مدارات المستحيل، تنجاب عن المألوف والممكن إلى الخارق والمحتمل.

بدا محمد برادة في إلحاحه على الخروج من ثبات الواقع مصرّا ليس فقط على ولوج عالم الحلم الكبير، الحقيقي، المليء بعوامل الإمتاع، ولكن أيضا دخول تجربة السفر الدائم، وارتياد الآفاق البعيدة، والتطويح الحسي والمعنوي، بين جوانح العالم ولغاته ومرابعه وأعراقه. من ثمة اقترنت الكتابة لديه بالارتحال، والإبداع بمفارقة مدارات الألفة الثابتة: الوطن واللغة. وبذا لم يكن صعبا عليّ تفسير تلك اللمحة الفريدة من الانحياز الوجداني، في نصوصه، لمبدعين من طينة: “غالب هلسا”، و”هاني الراهب” و”غائب طعمة فرمان”، و”عبدالرحمن منيف”، و”الطيب صالح”، فقد كانوا جميعا رحالة، ومنفيين، وجوّابي آفاق، وخارجين جذريين على واقعهم ومجتمعاتهم وتقاليدهم المحنطة.

في تكريم أقيم لإدوارد سعيد، في بيروت، قبل عقدين من الزمان، اختار محمد برادة، خرق مقتضيات العادة؛ لم يتحدث عن الإنجاز الاستثنائي لصاحب “الاستشراق”، ولا عن سجاياه الشخصية، تجاوز حصرية التجربة عن قصد، ليتماهى مع نموذج الوعي الجذري الذي استبطنته ممارسات المفكر الفلسطيني. تحدث بمفردات واضحة، وبحماس لا يداري مرارة الخيبة، عن الوظائف الغائبة/المفترضة لـ”الناقد العربي”، منبها إلى خطورة الانجرار إلى سحر “العادة”، ومجافاة الجدل الدنيوي الخصيب يبن “النص” و”السياق” الحاضن، بين الأدب ومخاضات التكوين.

الكتابة عند برادة تقترن بالارتحال، والإبداع بمفارقة مدارات الألفة الثابتة: الوطن واللغة. وبذا ليس صعبا تفسير تلك اللمحة الفريدة من الانحياز الوجداني، في نصوصه، لمبدعين من طينة "غالب هلسا"، و"هاني الراهب" و"غائب طعمة فرمان"، و"عبدالرحمن منيف"، و"الطيب صالح"، فقد كانوا جميعا رحالة، ومنفيين، وجوابي آفاق

محمد برادة كان منسجما أشد الانسجام مع طبيعة روحه المتوثبة القلقة، النازعة بقوة إلى تخطي الأفق الشخصي “المحدود”، لأيّ نموذج نقدي دال، إلى الفضاء الرحيب للوعي النقدي الشامل، الذي بقدر ما أخصبته طاقات فردية استثنائية، ظل أسيرا لمساراتها الخاصة، دون أن يتخطى ذلك إلى مراكمة وعي جماعي، يعد بنوع من “التراكم” المؤسس لدينامية “التجاوز”.

كان برادةـ الناقد، يتحدث بالنبرة ذاتها التي تحدث بها دائما، منذ أزيد من أربعة عقود، وباللغة الحادة نفسها التي صدعت بها مقالاته الأولى، عن تجربة عربية راكمت اختلالات درامية عديدة في استجابتها لواقع النصوص، غير أنه سرعان ما يشرع في التمهيد لاستيعاب “مقصد” أساس للناقد العربي، تضع أدواره الفكرية في الدرجة نفسها من الأهمية مع الخطاب الإبداعي. تلك المتعلقة، بتحرير “الرؤى”، والتمرد على “التنميطات”، ونزع القداسة عن “القيم” و”الذاكرة”. هل نقول مآرب “الحداثة المنكسرة” التي باتت قدر أجيال متعاقبة، لا جيل الكاتب وحده، الذي نعت ذات يوم بـ”الجيل الموتور”(1)؟.

ليس من شك أن محمد برادة، عبر تنويعاته النقدية المتباينة، التي يتداخل الشفاهي فيها بالمكتوب، كان يبحث، باستمرار، عن الأسباب الكفيلة بمواجهة “التبسيط النقدي”، والنزعة المدرسية، والانغلاق المفهومي، المفضي إلى خطاب “العادة” و”التقليد”. وذلك بإبراز الجدل الخفي بين الواقع والذاكرة، والتعبير الأدبي، وبين الكائن والمتخيل وملكة التمثيل.

وهو شغف وازعه، فيما أحسب، بناء عوالم ثقافية وجمالية، تنزع هالة الغموض والتعالي عن النصوص وتثبتها في الزمن والفضاء. إنه الولع الوجودي نفسه الذي جعل خطاب مبدع “لعبة النسيان” يبدو على الدوام نابعا من عمق “شخصي” وحول الصلة بالآخر والعالم، وداخل أعطاف “الدنيوي” المتغاير.

لا جرم من ثمة أن يتجلى النقد، بحسب هذا الفهم، لعبة “استهواء” خفية، كتابة تحاكي قدرة الغواية الأصلية للفن والأدب، وتمتلك كل مواصفات التخييل، من مواجهة مع المجتمع والهوية واللغة، واستشراف لـ”قيم مضافة”، توازي تلك التي يستبطنها النص المنقود. مع انحياز ظاهر إلى هشاشة الذات الإبداعية، في مكابدتها لأجواء الرتابة، ومجابهتها القدرية للعقم واللاجدوى. ولذا لم ينجرّ الناقد الذي مثله يوما إلى ساحة الشكلانية الصرف، ولا إلى غوايات التنظير، والتباسات التحليل الهندسي للنصوص؛ كانت كتاباته نوعا من “أنسنة” الأنماط، والقوالب، والمقولات، ونزوعا إلى تثوير خطة النقد ضد “التعوّد”، وفي مواجهة صمت التحليل، ومع “التحول” و”التجاوز” و”النفي”.

تماهت وظيفة النقد عند محمد برادة بوعي مآزق “الثبات”، والاعتقاد في دينامية الأدب، وانقياده الأصيل لرغبة المقاومة، مع ما يلزم عن ممارستها من تشوّف للخروج من دائرة “المؤسسة” الساكنة، إلى الهوامش المتقلبة، ومن ضغوط “القواعد والأصول”، إلى رحابة “حرية الخلق”، ومن “رصانة النظرية” إلى “سخرية الذوق”.

ولعل هذه السمة الأخيرة هي ما يفسر تلك النظرة السادرة في الأفق، المتأملة، الموحية بالجد، المبطنة لظلال الابتسام، التي ترافق سحنة “ناقدنا” على الدوام، وتسم صورته بحال برزخي غامض من الانهمام والحبور، تركيب مجازي لطيفي “طه حسين” و”صلاح جاهين”.

نزع القداسة

يخيّل إليّ أنه بغض النظر عن وضع المعارضة والصدامية التاريخيتين، اللتين ميزتا حال الأستاذ والناقد والسياسي الذي مثله، في تجربته مع المؤسسات الأدبية، والحزبية، والمجتمعية، ثم الارتحال الجسدي المسترسل خارج مدارات ألفته الشخصية؛ فإن مناقضة “العادة” لديه ما فتئت تكتنـز بشرطَـيْ “الحرية” و”الالتزام” بوصفهما محصلتين رمزيتين حاضرتين على جهة اللزوم في أيّ صوت نقدي يمتلك هذه الصفة في العمق، ولعل هذا الافتراض هو ما يفسر ذلك الإصرار المطّرد في مجمل كتاباته، على تكرار عبارات “التحرر” و”نزع القداسة”، و”كسر الرتابة”، و”نقض التقليد”، و”الممانعة”.

من هنا يمكن فهم ذلك التوقد الذهني الدائم في كتاباته النقدية، بدءا بكتابه عن “محمد مندور” الذي بات اليوم بمثابة تصفية حساب مع عوالم النظرية، مرورا بـ”أسئلة الرواية.. أسئلة النقد” و”فضاءات روائية” و”سياقات ثقافية”، وعشرات المقالات المنجمة في الصحافة المغربية والعربية، حيث تكتسي خطوات التحليل والاختيارات النصية، والمفاهيم، سمت المجابهة المسترسلة مع التحليل الرمادي المحايد، ونزعة الوصف السطحي، واللغة الاصطلاحية المتعالمة، مستعيضا عنها بالكتابة القلقة المتسائلة، ذات الوظيفة السجالية، التي تجسر أسئلة الإبداع بهواجس الانتماء.

13