محمد برهـان: الرواية تحقيق صحفي موسع

الخميس 2015/02/12
محمد برهان: الحاضر ما هو إلا نتيجة للماضي الذي عشناه

دائما يسعى الروائي إلى البحث عن نبع لحكاياه وفصول لها، وغالبا ما يكون ذلك النبع متجسّدا بالمجتمع القريب أو البعيد، ومن هنا يمكن القول إنّ التاريخ البشريّ المدوّن فوق هذه الأرض، والذي ربّما يربو على خمسة آلاف عام بكل ما فيها كنز حقيقي للحكايات، والحكاية كما يقول ضيفنا هي جوهر النص الروائي وعموده الفقري، لذلك نراه يذهب إلى التاريخ في أعماله ليدرس ويقارن ما يحدث بما حدث في محاولات لاستقراء المستقبل القادم ليصل دوما إلى أنّ التاريخ يعيد نفسه، لكن فقط بالنسبة إلى أولئك الذين لا يفهمونه جيّدا.

محمد برهان روائي وصحفي سوري ولد في الزبداني بريف العاصمة دمشق ودرس الإعلام والاتصال الجماهيري في جامعة دمشق وساهم في إنشاء العديد من المشاريع الإعلامية، وهو يشغل اليوم مديرا تنفيذيا لقناة CNBC الفضائية، صدر له كتاب الدراما التاريخية كدراسة أكاديمية عن جامعة دمشق ونصوص ناقصة عام 2004، ثم تمّ ترجمتها إلى الأنكليزية حيث صدرت عن دار ترافورد في نيويورك، ثم أتبعها برواية كاهن الخطيئة بالأنكليزية لتصدر في نسختها العربية من بعد، ومؤخرا صدرت له باللغة العربية رواية عطّار القلوب.


المقاربات التاريخية


لجوؤه إلى الكتابة عن التاريخ بمقاربات واقعية تعود جذورها كما يكشف محمد برهان إلى رسالة تخرّجِه الأكاديمية والتي تناول فيها دراما الواقعة التاريخية، فقاده البحث في هذا الحقل إلى إنجاز هيكل كامل لبناء الرواية التاريخية بكل المخططات اللازمة، فوضع اللبنة الأولى عربيّا لأول بحث أكاديمي في هذا الصدد فكوّن خلفية واسعة ساعدته في منهجية أعماله الروائية لاحقا.

فالزمن يأخذ عند برهان أبعادا فنيّة وجمالية من خلال توظيفه في الكتابة السردية، أي التوظيف السردي الذكي لحكايا من التاريخ المظلم والدموي، من خلال الخطاب السردي في سياق الرواية التاريخية لسرد وقائع الحاضر باللجوء إلى التاريخ في تركيبة أدبيّة تفرّد بها محمد برهان سوريّا.
برهان: الطريقة الدائرية في السرد فرضت نفسها من خلال طبيعة العمل الأدبي

يرى محمد برهان أنّ الطريقة الدائرية في السرد فرضت نفسها من خلال طبيعة العمل الأدبي، ففي روايته “عطار القلوب” تدور كل أحداث الرواية تحت الطاولة أثناء موجة قصف وفي الزمن الحقيقي للرواية، ومن خلالها يمضي الراوي بعيدا في الذاكرة لتقوده التداعيات نحو أزمنة أخرى، لكنه مرتبط بقسوة اللحظة ورعبها، ومشدود إلى عائلته التي تشاركه مكان الاختباء الضيق، أما في عمله “كاهن الخطيئة” فالرواية هي مخطوط قديم وزمنها هو الزمن الذي تستغرقه قراءة هذا المخطوط.

هذه الطريقة التي انتهجها محمد برهان في أعماله أضفت على منجزه الإبداعي بعدا واقعيا نقل الماضي إلى صيغة الحاضر فكان للمضارع اشتغالاته المؤلمة برائحة الماضي الذي مرّ أيضا على هذه الأرض التي تدور عليها الحكاية، ففي عمله الأوّل كاهن الخطيئة تنتقل الحكايات كلّها من الماضي إلى الحاضر عبر مخطوط ،وهذا نابع من إدراكه وإيمانه بأنّ ما وصلنا من التاريخ لا يعدو أن يكون إلّا وجهة نظر، ويستشهد هنا بما يجري في سوريا والروايات المختلفة للأحداث، إنها مختلفة حدّ التناقض رغم معايشتنا لها، ليتساءل ماذا ستكون الرواية فيما لو تحوّلت هذه الأحداث إلى تاريخ، برغم كل ما سبق، إلا أنّ برهان يقرّ أنّ التاريخ لا يفقد قيمته كخزان للعبر والتجارب إذا ما نظرنا إليه بعين التحرّي والتدقيق وأخضعناه لمنطق صائب، هو في النهاية كما الكنز الثمين، علينا ألّا ننخدع بالخرائط المزيفة التي رسمت عن مكانه وألّا نسأل عنه القراصنة، فهؤلاء جلّ هدفهم أن نضل الطريق إليه، يتابع ضيفنا “ابحث بنفسك ووفقا لمنطقك”.


طريق الآلام السوري


يحاكي محمد برهان الموت السوري بقصص مشابهة جرَت في زمن مضى بطريقة التلميح، واثقا فيما يقول ليبني على الحكاية ارتكازات الحياة والموت معا، في هذا الاتجاه يقول الروائي السوري إن الهول الذي عاشته سوريا في السنوات الأربع الماضية لم يقتصر على قسوة ومباغتة الموت المجاني أو الخراب الذي حل بالبلاد، بل في هذه اللامبالاة الإنسانية تجاه ما يجري والذي جعل كل سوري يعيد النظر في تقييمه لمفهومه الإنساني. ثم يؤكد أن هذا الحاضر ما هو إلا نتيجةً للماضي الذي عشناه، لذلك عاد محمد برهان إلى الماضي ليرى كيف تعامل العالم مع أزمات المنطقة وشعوبها، يصف ضيفنا المشهد بأنّه مهول فلا يمكن أن ننظر إليه اليوم بهذا القرب لأننا لن نعي حقيقته قبل أن ينقشع غبار الحرب وندرك حقيقة ما خسرناه من إنسانيتنا.

مع تنوّع أساليب الموت السوري في طريق الآلام الطويل الذي لم ينته بعد، يؤكّد محمد برهان أنّ الصمتَ والالتزام بعدم تقديم موقف سياسي -أيا كان هذا الموقف- هو شكل من أشكال البلادة، لا تتفق مع روح الإبداع ورسالة الأدب، فالوقوف على الحياد من قبل روّاد الكلمة والعمل العام في هول المحرقة السورية هو تقاعس لن يغفره التاريخ.

برهان ينقل واقع أبشع مخترعات الإنسان الحرب والسلاح

في روايته عطار القلوب بدأ الزمان في دمشق، فكان الفضاء مكانا لعصفور وقذيفة بحوارية مذهلة اختصرت جدلية الحرب برشاقة فائقة النظير، ليسألَ العصفور القذيفةَ والقذيفة العصفور عن سرّ قدوم كلّ منهما، في دلالة رمزية تشير إلى الموت القادم من كل مكان، في تلك الحوارية تنتصر القذيفة لتكمل مهمّتها بينما يفقد العصفور طريقه في رحلة الموت ولا يعود إلى عائلته التي تنتظره، تلك الإشارات المفصلية كانت اختزالا لكل ما حدث ويحدث.

يقول برهان “إنّ الحرب هي أبشع ما اخترعته البشرية، وأيضا السلاح هو أقذر منتجات الإنسان في تاريخ وجوده على وجه الأرض، ومن هنا كانت البداية في عطّار القلوب بحوارية الخبث والبراءة، البشاعة والجمال، الموت والحياة، العصفور الذي يهرع بفتات الخبز المبلل إلى فراخه والذي ينوي بناء عش جديد من القش، وبين القذيفة التي تحمل البارود والنار، والذاهبة لتدمير الأعشاش والأكواخ والبيوت، إنها جدلية الحب والحياة”.

أمّا روايته الصادرة مؤخّرا فتبدأ أحداثها في حيّز مكاني ضيّق “تحت الطاولة” لتكون منطلقا لأماكن وفضاءات رحبة، وكأنّه يحاول اختزال المشهد الحقيقي في الشارع السوري.

في أعماله يلجأ محمد برهان إلى أسئلة يطرحها عن تحوّل التفاصيل الصغيرة إلى أبطال حكائية، فنرى قذيفة الدبابة والعصفور والطاولة وكأس الماء، تلك التفاصيل التي تحوّلت إلى المتن في المأساة السورية.

محمد برهان قادم إلى الأدب من عالم الصحافة وهذا يتجلّى بشكل واضح في أعماله من خلال تقنية الصورة التي يستخدمها بسلاسة الانتقال من مشهد إلى آخر، فالرواية عنده كما يقول هي تحقيق صحفي موسّع وإن كان مختلفا في اللغة، بهذا التفكير البنيوي يشرع برهان بالعمل فيضع مخطّطا للفكرة الروائية ليبدأ باستجلاب تفاصيلها شيئا فشيئا وفق بناء مدروس، فدراسته للصحافة وممارسته لها على مدار عشرين عاما أضفت على تقنياته الكثير من التأثير، لذلك فالرواية بقلمهِ هي أقرب إلى الصحافة الاستقصائية، من ناحية أخرى إنه يحرص أن يولي اهتماما خاصا بالمشهدية.

15