محمد بريش مفكر مغربي يتنقل ما بين هندسة المدن وهندسة المستقبل

الأحد 2017/07/09
لا مستقبل للتيارات الإسلامية السلفية

باريس - “أنظمة العالم العربي والإسلامي اليوم تدار بنظام كوارثي. لا تنسيها الكارثة الأولى إلا أخرى، فيصاغُ لهذا العالم مستقبله بدلاً عنه”. هذه الرؤية الحالكة لباحث المستقبليات محمد الرجراجي بريش لم تمنعه من الخوض والعمل لسنوات في مجال التخطيط والدراسات الاستشرافية الخاصة بالعالم العربي والإسلامي بناء على قواعد تخطيط ومنهجية إسلامية.

حاجتنا إلى علوم المستقبل

ولد بريش في حي “الصاغة” ببلدة الصويرة المغربية عام 1952 لعائلة متواضعة تقطن الحي اليهودي. تاريخ ميلاده وضعه مع أبناء جيله ضمن خطة حكومة الاستقلال باعتبارهم نواة للدولة المغربية القادمة، فكان التعليم، حينها، أمراً مطلوباً ومرغوباً، ما سهّل دخوله إلى المدارس من الابتدائية وحتى الثانوية، ومن ثم كلية الهندسة المدنية التي تخرج منها عام 1975 ليعمل في شق الطرق والجسور في ضواحي مدينة الدار البيضاء التي انتقل إليها مع عائلته صغيراً بعد هجرة اليهود إليها من الصويرة.

تابع تخصصه الدراسي في الهندسة التي اختارها حباً في الرسم والفن وفهماً للرياضيات، فنال درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية وتقلد عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة في المغرب.

لكن تلك الدراسة لم تبعده عن الكتاب الذي دُفع إليه نتيجة ظروف شخصية منها زيارته الدائمة لمنزل أحد القضاة في الدار البيضاء، يوم كان صغيراً لإيصال أجرة منزل أهله لصاحبه.

لاحظ غرق الرجل في الكتب والبحث والقراءة وهو من أهداه أحد كتب التفسير ومنها بدأت رحلة القراءة والبحث بحسب حديثه. أما دخوله في عالمه الموازي؛ المستقبليات والاستشراف، فجاء نتيجة لتفكيره بكل ما سبق وتأمّله المجتمعات وردود فعلها. ليعمل بعدها أكثر من أربع سنوات مديراً ثقافياً بالمركز الإسلامي والثقافي في بروكسل، وخبيراً غير متفرّغ بالمجموعة الأوروبية إلى جانب كونه منسقاً للعمل الثقافي بأوروبا لوزارة شؤون الجالية المغربية بالخارج.

يعمل بريش حالياً مديراً لمشروع تطوير التعليم الديني بوزارة التربية والتعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة، له عضويات كثيرة في مراكز وهيئات وجهات استشارية وعلمية وعملية، له العديد من البحوث والدراسات منها “حاجتنا إلى علوم المستقبل”، “دراسة موسعة في مفهوم وموضوع علوم المستقبل”، “استشراف مستقبل التربية”، “دراسة حول مفهوم علوم المستقبل وموضوعها والحاجة إليها من خلال نموذج التربية”، “في سبيل استشراف مستقبل محكم للثقافة الإسلامية”، “حصيلة الدراسات المستقبلية حول العالم العربي”.

جميع أعماله الاستشرافية لا تصدر عن رؤية إسلامية لا سلفية ولا صوفية. ومن يعرف المفكر الجزائري مالك بن نبي يتلمس مبادئ الرجل في أقوال وكتابات محمد بريش الذي يكثر الحديث عن سنن الله في الخلق والحركة والتغير، وضرورة الفعل لنيل رد فعل، ولا مجال لانتظار المستقبل ومتغيراته دون تطعيم الحاضر بأفعال وتحركات تحصد نتائجها مستقبلاً.

طريق السلفية المسدود

من هنا يرى بريش أن السلفية كتيار فكري في العالم العربي والإسلامي قد حقق بعض النجاح وخاصة في مواجهة الاستعمار وكان فعالاً في تحريك الجماهير ضد الغزاة، إلا أنه سيفقد الأرض ويتراجع عن الواجهة وتنحسر مدارسه، وينتفي عنه السند الرسمي تدريجياً ما يدفعه لمراجعة أفكاره وتحركاته ويعيد تعبئة نفسه من جديد.

الدعم الرسمي للسلفية سيناله تيار الصوفية الذي يتقدم ويتمدد على حساب انحسار السلفية، خاصة مع الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة. ففي حالات القهر والمصاب الكبير تلجأ الجماهير إلى الصوفية كملجأ آمن، وهذا ما سيعيد الصوفية إلى الواجهة بقوة حتى على حساب التيار الحركي الذي لا يخلو من سلفية، ولكنه سياسي أكثر وعملياتي أكثر من التيار السلفي، ودخل في الاحتجاج والعنف وغلب فيه الجانب السياسي على الدعوي، وحقق حضوراً في المجال السياسي، وهو يتبنّى الديمقراطية، وسيزيد من ذلك التبنّي لكسبه المزيد من المصالح، وسيصير أكثر واقعية، والانتقادات التي تتم بداخله تعينه على المراجعة مع استمرار التقدم.

المستقبل، وفق رؤية بريش لن يكون للمسلمين لأنهم لم يستثمروا فيه شيئا، والله لم ولن يبطل سننه لأحد إطلاقا. ما تفعله اليوم تحصده غدا، وزوال اليهود والنصارى بحسب دعوات الأئمة في المساجد كل يوم لا يعني تقدم المسلمين أبدا، فالدعوة أن يهدنا الله الصراط المستقيم لا أن يريحنا من اليهود والنصارى

التيار العقلاني الليبرالي ولد داخل التيار الحركي، لذلك يرى بريش الاستفادة من النتائج الفكرية الجديدة أمرا ملزما لذا يجتذب اليساريين والعلمانيين التواقين للفكر الإسلامي، بحسب تعبير بريش، ويسلط الضوء على الجوانب الحضارية في الرسالة الإسلامية ويميز دور العقل على النقل ويسعى لإنشاء العلاقات مع كافة الأطراف ويزداد انتشاره مع الوقت برأي بريش الذي يختم بحثه عن مستقبل التيارات الفكرية في العالم الإسلامي بأن هذا الأخير لا مستقبل له، فالمسلمون لم يزرعوا الخير في أولادهم علمياً لذا لن يكون لهم مستقبل.

المستقبل لن يكون للمسلمين لأنهم لم يستثمروا فيه شيئاً والله لم ولن يبطل سننه لأحد إطلاقاً. ما تفعله اليوم تحصده غداً وزوال اليهود والنصارى بحسب دعوات الأئمة في المساجد كل يوم لا يعني تقدم المسلمين أبداً، فالدعوة أن يهدنا الله الصراط المستقيم لا أن يريحنا من اليهود والنصارى، نحن نهتم بزرع الآخرين أكثر من زرعنا، نتناول كل ما يجري في الغرب ولا نعرف عن حالنا إلا ما ندر.

ماذا عن مستقبل للعرب

غياب الزرع العربي والإسلامي في الحاضر أي الغياب عن المستقبل، أبعده عن دراسات الاستشراف العالمية إلا كمفعول به لا أكثر. وفتحت ساحة التوقعات لصعود قوى جديدة على المستوى العالمي مع أفول بعض القوى الحاضرة كلما اقتربنا من عام 2040. حيث تتوقع الدراسات المخابراتية الاستراتيجية والاستشرافية كحال دراسة وزارة الدفاع الفرنسية، بأن دولا كالبرازيل وتركيا وروسيا والهند والصين مرشحة لنيل أدوار أكبر في قريب الأيام، وتغيب أميركا عن المركز الأول بالقوى الدولية، وأوربا تغرق بالمزيد من الشيخوخة، كذلك حال اليابان وبريطانيا، ومن المتوقع أن تعاني هذه البلاد مخاطر ديمغرافية شديدة خاصة مع موجات نمو الجاليات المهاجرة إليها، وغياب الإنجاب للشعوب الأصيلة أو انخفاض معدلات الإنجاب لمستويات قياسية.

ويخلص تقرير حاضر حوّله بريش إلى أسئلة مفتوحة أبرزها؛ هل ستبقى أميركا البلد الأول لعام 2040؟ هل أوروبا قوة منافسة؟ أفريقيا، لمن ستكون أرض المنافسة هذه؟ ماذا عن مستقبل أميركا اللاتينية وبالذات الأرجنتين والبرازيل؟ هل الشرق الأوسط دائم التوتر؟ هل سيستمر انقسام العالم مع الوقت؟

يرى بريش أن أميركا لن تكون القوة الأولى في العالم وأن أوروبا لن تكون قوة منافسة إلا إذا تنبهت لمواقع الخلل اليوم وبدأت علاجها إلا أن الخطر الديمغرافي لا علاج قريب له.

وعن تطور أدوار الدول المرشحة يرى بريش أن وصول تركيا إلى مواقع متقدمة يعلن الخطر على مقياس الحذر الأوروبي، فهذا البلد ذو المرجعية التاريخية الكبيرة لا يصل إلى المقدمة وحيدا دون ماض، إنما يصل المستقبل محملا بتاريخه وميراثه الإسلامي الذي يعني الكثير بكافة مقاييس المنافسة والصراع.

أعمال بريش الاستشرافية لا تصدر عن رؤية إسلامية لا سلفية ولا صوفية

يغيب العالم العربي عن خارطة القوى المتوقعة للأسباب التي ذكرت سالفاً ولعدم بحثه بشكل جديّ مسألة الدراسات المستقبلية التي ولدت بشكلها الممنهج بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها بقيت حبيسة نشأتها في المؤسسات الغربية كأميركا وفرنسا وبريطانيا.

الحرية بوابة المستقبل

كانت المدرسة الأميركية سباقة من خلال ما يسمّى بخزنات الأفكار التي يسميها بريش “مقاولات تسويق الأفكار وصناعة القرار” التي بدأت تنظر لنوع من المستقبلية على أساس أن تخدم السياسة الخارجية، وأن تخدم هيمنة المقاولات العابرة للقارات التي كانت تريد أن تكون عندها إمكانيات معرفة ماذا يجري في العالم؟ ما هي إمكانيات الهيمنة؟ ما هي إمكانيات تسويق الأفكار؟ تسويق البضاعة؟ التأثير على الساسة؟ والكلام لبريش الذي يشير إلى أن “عالمنا العربي الإسلامي بدأ الاهتمام بهذه الدراسات في ستينات القرن العشرين، لكن لم تبرز مشروعات كبيرة للاهتمام بمصير العالم العربي إلا بعد الثورة الإيرانية، وبعد سنة 1979، وبدأ مركز دراسات الوحدة العربية بمشروع استشراف لمستقبل الوطن العربي من بداية ثمانينات القرن الماضي وأنهاه في سنة 1988”.

ومن ثم “قام منتدى العالم الثالث في الشرق الأوسط بالقاهرة بدراسة مشروع سماه مشروع المستقبلات البديلة”، لكن بقي كل ما سبق مرهون بعوامل القوة الاستراتيجية الأربعة برأي بريش الذي يضيف “أولا: أن تستطيع الفعل. ثانيا: أن تستطيع الامتناع عن الفعل. ثالثا: أن تستطيع أن تدفع غيرك للفعل. رابعا: أن تستطيع منع غيرك من الفعل. فإذا ما تجلت هذه القوة، ولو في بعدين استطعت أن يكون لديك مشروع مستقبلي”.

يطالب بريش في كل محاضراته ومقالاته بضرورة “صياغة فن مستقبلي إسلامي وعربي” يستجيب لخصوصية العالم العربي والإسلامي. وهذا يعني البدء من الجامعات والمؤسسات العلمية ليصير لدى هذا العالم محللون على مستوى القدرة والكفاءة يقدمون نوعا من التصور إلى رجال القرار، لكن هذا بطبيعة الحال يحتاج إلى الحرية والنقد والإبداع.

وبحسب رأيه فإن “المجتمعات المكبوتة غير قادرة على ما سبق لميلها إلى سياسة سد الذرائع”. حالنا الكارثي اليوم يعني بقاء العالم العربي والإسلامي خارج قاطرة الركب الحضاري والتي يعرف قائدها الحاجة إلى الدراسات المستقبلية لضرورة نيله شواهد الطريق والإشارات للمستقبل المنتظر والمتوقع حتى لا يفاجأ بالقرار، أما بقية ركاب القطار كحال العالم العربي فلا شأن لهم بالدراسات المستقبلية ولا هي تهمهم في شيء.

9