محمد بكري: أن تبدأ من المستقبل

المخرج الفلسطيني سيواجه محاكمة جديدة بعد سبعة عشر عاماً لأنه روى بكاميراته، من وجهة نظر المقموعين، المذابح التي وقعت في «جنين» في الضفة الغربية”.
الأحد 2018/12/30
في واجب وغيره من الأفلام.. السينما قضية تتجاوز الصورة إلى المعاني الكبرى

في غضون ذلك منحت مدينة نابولي الإيطالية محمد بكري لقب «المواطنة الفخرية» “كسفير وبنّاءٍ للسلام وللمساواة في أرض مُمزّقة”، وقال عمدة المدينة لويجي دي ماجيستريس في بيان بهذا الصدد “أضمّ صوتي، كإنسان وكعمدة لنابولي، إلى النداء الذي أطلقته لويزا مورغانتيني وجمعية السلام لفلسطين. ووقعه العديد من رجالات الثقافة للتضامن مع الممثل والمخرج محمد بكري الذي سيواجه محاكمة جديدة بعد سبعة عشر عاماً لأنه روى بكاميراته، من وجهة نظر المقموعين، المذابح التي وقعت في «جنين» في الضفة الغربية”.

 وأعرب دي ماجيستريس وقوفه إلى جانب “جميع الذين يتعرّضون إلى المحاكمات بسبب نضالهم ضد الظلم وضد التمييز وغياب العدالة”، وأضاف “نابولي، المدينة المكافحة، ملتزمة بدعم وتدعيم حقوق الإنسان على الصعيد الكوني، وتمنح محمد بكري لقب «المواطنة الفخرية» باعتباره سفيراً وبنّاء سلام ومساواة في أرض ممزّقة”.

 عن المحاكمة المُنتظرة يقول محمد بكري بأنّ “هذا الكابوس يتواصل لأنني امتلكت الشجاعة لرواية قصة تختلف عمّا رَوَوْها هم، إنها حكاية «جنين» التي ينبغي أن تُروى من جميع زوايا النظر، دونما حظر أو رقابات”.

 وهي الشجاعة نفسها التي يواجهني بها محمد بكري في مدينة مالمو السويدية التي حصل في مهرجانها للفيلم العربي على جائزتين لفيلم “واجب” الذي أخرجته آن ماري جاسر وأدى فيه محمد بكري بطولة الفيلم إلى جانب ولده البكر صالح بكري.

 محمد بكري تحدّث عن عمله الفني وعن عائلته وأولاده وعن وطنه فلسطين، وكأنّ محاكمة الثالث من يناير المقبل ليست إلاّ واحدة من فعاليات الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية إزاء احتلال يهاب الصورة التي تنقل وحشيته وهمجيته في تدمير فلسطين وشعبها.

 أعرف محمد بكري منذ عام 1984 عندما حضر إلى مهرجان فينيسيا مع فيلم “خلف القضبان” للإسرائيلي أوري بارباش، وتواصلت لقاءاتي به في السنوات اللاحقة وأُتيحت لي فرصة إدارة أربع جلسات حوار في مهرجان دبي السينمائي الدولي حول فيلمي “زنديق” لميشيل خليفي و”واجب” لآن ماري جاسر، والذي فاز به محمد وصالح بكري بجائزة أفضل أداء رجالي بالتشارك.

نبدأ من المستقبل

وحين أسأل محمد بكري ما إذا كان علينا أن ننطلق من البدايات، أم من استعداداته للعرض الجديد لمسرحية «المتشائل» للراحل إميل حبيبي باللغة الإنجليزية في الولايات المتّحدة، يُجيب “فلنبدأ من هذا لأنّني أحب الحديث عن المستقبل والقادم من الأيام”. ويُضيف “فكرة تقديم المسرحية باللغة الإنجليزية خطرت ببالي قبل وقت قصير. لقد قدّمتها المئات من المرّات، وباللغة العبرية حتى لحظة التحوّل عندي بعد فيلم «جنين جنين» حيث قاطعت المؤسسة الإسرائيليّة وقوُطعت من قبلها، وواصلت تقديم المسرحية باللغة العربية فحسب ودرت بها في أصقاع الأرض. ومؤخّراً تساءلت حول إمكان تقديمها بالإنجليزية، فهي لغة عالمية ويعرفها الملايين”.

 هكذا ابتدأت حكاية هذا العرض،الذي سيُقدّم في شهري يناير وفبراير المقبلين عروض في مسرح «Cafè LaMaMa»، وهو مسرح مهم للغاية من تيّار «أوف أوف برودواي» أسّسته في نيويورك سيّدة عظيمة هي الراحلة إيلين ستيوارت في عام 1961 وصار عبر السنين محطّة هامة من محطات المسرح في الولايات المتّحدة.

محمد بكري يتبع مسار ستانسلافسكي حين يجلس في العرض مُشاهداً
محمد بكري يتبع مسار ستانسلافسكي حين يجلس في العرض مُشاهداً

 يقول محمد بكري “سبق لي أن عرضت في هذا المسرح قبل 32 عاماً، في أيام الشباب، وكنت حينها برفقة الراحل إميل حبيبي، لكنّ هذه هي المرّة الأولى التي سأعرض فيها مسرحية طويلة كـ«المتشائل» باللغة الإنجليزية. سبق لي أن أدّيت أدواراً باللغة الإنجليزية وشاركت في أفلام بهذه اللغة، لكن كما تعرف فإن الوضع مع السينما مختلف عنه في المسرح، فهناك تشتغل على اللقطة الواحدة وبالإمكان الإعادة، لكن في المسرح، على الخشبة، فأنت لوحدك في مواجهة الجمهور، وهو أمرٌ في غاية العسر لأنّ النص مُعقّدٌ للغاية”.

ابني آدم

 حين التقيت محمد بكري بعد العرض الرسمي لفيلم «عمر» للمخرج الفلسطيني هاني أبوأسعد، وكان الفيلم من بطولة آدم بكري، رأيت كف محمد ملفوفة بقماشة بيضاء مضمّخة بالدم، وحين سألت عن السبب قال لي بأنّه جرح نفسه لأنّه غرز أظفره في الكفّ خلال العرض بسبب التوتّر وهو يُشاهد الفيلم. كان محمد بكري حينها كما الملاكم الذي هبط من الحلبة منتصراً بعد أن واجه خصماً عنيداً، كان جذلاً، فرحاً وآثار الدموع صبغت بياض عينيه بالحُمرة، وآثار ما تلقّاه من ضربات بادية عليه، وكانت ليلى، أم صالح، كعهدها، ثابتة الخطو ساندةً لأبي صالح. حينها سألت آدم بكري عن مشاعره وهو يشاهد الفيلم للمرّة الأولي برفقة والده أجابني “.. حين نظرت إلى عيني محمد بكري، ارتحت، لأنّني أدركت بأنّني أجدت الدور..”.

 يبتسم محمد بكري إذْ يتذكّر ذلك اليوم “آه! جرحت نفسي حينها لأنّني كنت متأثراً ومتوتّراً.. كنت في غاية التوتّر والقلق على ابني”، ويُضيف “هناك أمور ينبغي معرفتها، في مقدّمها العذاب الذي تعرّض إليه آدم في فيلم «عمر»، والجهد الجسدي الكبير الذي بذله في الحركة والعدو والصراع والمطاردات، وما تعرّض إليه من ضرب كمُمثّل في فيلم مليء بالحركة والتوتّر.

 كلّ ذلك ذكّرني بنماذج ومراحل من حياتي أنا في تحقيق أُجري معي في عام 1968 وأنا في الخامسة عشرة من العمر لمجرّد أنّني كنت أسير في شارع بضواحي تل أبيب. أمسك بي البوليس السرّي، وتعرّضت إلى ضربٍ مُبرح. تعرَضت إلى كلّ ذلك لمجرّد أنّني عربي، ولم يكن هناك أيّ سبب آخر. تذّكرت هذا الأمر خلال مشاهدة فيلم «عمر»، وبالذات في المشاهد التي كان يخضع فيها آدم إلى التحقيق أثناء الاعتقال. عاد كل شيء أمام ناظرَيّ لأنّني وجدت نفسي في ابني”.

 وأعادت مشاهدة فيلم «عمر» إلى ذهن محمد بكري مسرحية أيرلندية كان شاهدها على خشبة مسرح المدرسة التي كان يرتادها ابنه صالح، ويعتقد أن عنوان المسرحية كان «ما فيش دين» أو ما شابه ذلك، وكانت تروي عن شاب ايرلَندي يمرّ بذات التجربة بعد اعتقاله وتعرّضه إلى التعذيب والتحقيق معه من قبل البوليس البريطاني حول جُرمً لم يقترفه. وكان واضحاً بأنّه كان بريئاً ولم يأتِ بالفعلة التي اعتُقل بسببها إلاّ ليحصل على الدواء لإنقاذ ولده من الموت، إلاّ أنّ الشرطة اتّهمته بالتخريب والإرهاب.

 “حضرت هذه المسرحيّة، يا سيّدي، لثلاث عشرة مرّة. وقد حدث لي ذات الشيء في مسرحية «جنون» التي أدّى بطولتها صالح. شاب يُصاب بالجنون لأنّه يتعرّض إلى الاغتصاب، ويقضي جُلّ وقته إمّا غاطساً في مياه البحر وإما متسلّقاً فوق ذؤابات الشجر. الممثلة التونسيّة الرائعة جليلة بكّار هي من كتبت ذلك النص الجميل. في حالات مثل هذه تدخل شخصية الأب وليس الممثل أو المخرج. أنا أُحبّ أبنائي وأخاف عليهم، لذا أنسى نفسي بأنّ ما يفعلونه في تلك اللحظة ليس إلاّ تمثيلاً فأندمج مع ما يجري أمامي.. وأجرح نفسي”.

 وإذاً فإنّ محمد بكري بريختي في أدائه، لكنّه يتبع مسار ستانسلافسكي حين يجلس في العرض مُشاهداً؟ “دائماً أحاول جهدي أن أكون مهنيّاً وحرفيّاً” يبتسم بكري ويقول “لكن ذلك صعب للغاية في حياتي، لأنّني أبٌ، وكأب أظلّ دائماً كما أنا في الواقع، وأنسى بأنّني ممثل وأنسى بأنّ ما يفعله أبنائي هو عبارة عن عمل وتمثيل ومسرح وسينما. نحن بشرٌ ولسنا إلّا كتلة مشاعر، لحمٌ ودمٌ في نهاية المطاف”.

لقاء جيلين

 المتابع لعمل محمد بكري طوال العقود الخمسة الماضية، سواءٌ على خشبة المسرح أو على الشاشة، يلحظ تصاعداً متواصلاً في الأداء، سواءٌ على الصعيد النفسي أو على صعيد قدرة إيصال الفكرة أو الصورة التي يُريدها نصٌ ما أو المخرج، لكنّ أداءه في عملين سينمائيّين بالذات شهدا من محمد بكري مستوىً عالياً في الأداء، وهذان الأداءان هما: «المواطن ميم» في فيلم «زنديق» لميشيل خليفي، و«أبوشادي» في فيلم «واجب» لآن ماري جاسر.

وبالذات في «واجب»، الذي أَعتَبِر أداء بكري فيه القمة في أداءاته، إذْ يختزل عبر دور «أبوشادي» في ساعة ونصف من الزمن أكثر من جيل. تُرى كم استعان بكري بكل الخزين الشخصي والتاريخي الذي لديه لبلوغ ذلك، وكم كان وجود نجله صالح إلى جواره مؤدّياً دور الابن، في تحفيز ذلك التواجه، وليس التجابه، ما بين جيلي الآباء والأبناء؟ فنحن لم نشهَدْ مجابهة ما بين جيلين، بل مواجهة ومحاولة لفتح صفحات ما كانت لتُفتح لولا تلك المواجهة.

مشهد من فيلم واجب
مشهد من فيلم واجب

 يقول بكري “سُئِلتُ هذا السؤال بطرُق أخرى، وليس كما طرحته عليّ الآن أنت. أي أن الآخرين سألوني عن سرّ نجاح فيلم «واجب»، والذي حصد حتى الآن ما يربو على 34 جائزة. أنا اجتهدت من أجل الجواب، وكان جوابي صادقاً. والصدق بالذات، برأيي، هو سر نجاح هذا الفيلم؛ الصدق والبساطة في الطرح. وجود صالح إلى جواري في الفيلم جعلني أَصْدَقَ بكثير، لأنّ أوراقنا، هو وأنا، مكشوفة، علاقاتنا واضحة في الحياة، فهناك حبٌ كبير واحترام متبادل، وثم هناك استقلاليّة كاملة لشخصينا، أنا لا أدخل حيّزه وهو لا يدخل إلى حيّزي أنا؛ كلٌّ منّا يحترم حيّز الآخر، والحيّزان، معاً، عبارة عن عوالم متداخلة. وأنت في وضعٍ مثل هذا، إنّما تشتغل على ذاتك ومع روحك.

إنّه، صالح، ابني الذي أعرفه حتى قبل لحظة ميلاده، أتذكّر كيف حملته لأولّ مرّة، كيف بكى، وأذكر لون القماط الذي لُفّ به، وأتذكر ما كان يُحب، شعره ولون عينيه وأذُنيه الصغيرتين، منخاره وفمه المفتوح، أتذكر ريحه وعطره، وألف تفصيل وتفصيلا آخر. كلّ هذا موجودٌ في العمل الذي يجمعنا ويمنح العمل بعداً آخر، وعمقاً لم يكن ليتواجد لو كان هناك أيّ شخص آخر في موقع أيٍّ منّا، وبالذات بالنسبة لي، فلو أدّى أيّ ممثل آخر دور « شادي» في الفيلم، فقد كان علينا أن نجتهد حتى نأتي بكل ما توافر لي ولصالح. نحن كنّا جاهزَيْن، وصلنا إلى العمل جاهزَيْن. وكنّا مخلصَيْن وحريصَيْن على الحفاظ على كلّ حرف كُتب في النص دون تغيير حتى حرف واحد”.

 ويؤكّد محمد بكري بأنّ الثلاثة، آن ماري جاسر وصالح وهو، اشتغلوا على النص كثيراً “شطبنا وزدنا، ثم عدنا لنشطب أموراً أخرى، لكن عندما بلغنا النهاية في العمل على النص طلبت آن ماري الالتزام الكامل بما هو مكتوب دون تغيير حتى حرف واحد، وهذا ما كان، لم نزد على النص حرفاً واحداً، كما لم نتجاهل منه أي حرف، وإذا ما كنّا نخرج عن النص مرّة بكلمة أو كلمتين، كنت أُطالب بإعادة التصوير حتى أكون حريصاً على النص وأميناً له.. ليس من السهل أن تكتب نصّاً، وأنا أعرف مقدار التعب والجهد الذي يبذله من يكتبون النصوص..”.

النص والإنسان

التزم محمد وصالح بكري، ومعهما آن ماري، بالنص ولم يخرجا عنه، إلاّ في مشهدي النهاية، مشهد الشجار بين «أبوشادي» و«شادي» والمشهد الأخير الذي يُغلق الفيلم، وليس الخروج هنا بمعنى إضافة أو حذف كلمات، بل بمقدار خروج النص ذاته من الورق ليتسلّل إلى داخل الشخصيتين – الرجلين.

 وهذان المشهدان اختزال لكلّ شيء، وهما، في الوقت ذاته، استشراف لمستقبل. يقول محمد بكري “بإمكاني الجزم دونما خوف أو مواربة وتردّد، بأن مشهدي «الطوشة» والإغلاق، أي احتدام الصراع والتواجه بين «أبوشادي» وابنه هما الاختزال الحقيقي، ولم يكن بالإمكان أداؤهما إلاّ بمعايشة الشخصيتين وجعلهما يتسللان إلى دواخلنا كبشر وكأشخاص، وأن نتسلّل نحن بدورنا إلى داخليهما. أعترف لك بأنّني حاولت، في بداية نقاشاتنا، إقناع آن ماري بأن تحذف مشهد «الطوشة» من الفيلم لمقدار صعوبته عليّ «أنا محمد بكري» ممثلاً وإنساناً. إنّه جُرحٌ مفتوح، ففي هذا المشهد أنا ألتقي مع أبي، وهو لقاؤنا مع آبائنا جميعاً؛ كلّنا «أبوشادي» و«شادي» في آنٍ واحد، وهنا تكمن قيمة هذا المشهد وصعوبته معاً”.

ويروي محمد بكري بأن مهندس الصوت أجهش بالبكاء خلال تصوير المشهد، عجز عن إكمال التسجيل وابتعد عن الموقع حتى لا يُفسد علينا الأداء، لأنّه كان مُدركاً بأنْ لا إعادة لذلك المشهد أياً كانت النتيجة. وبالفعل عندما طلبت منّي آن ماري إعادة تصوير المشهد مرّة أخرى، رفضت وأخبرتها بأنّني عاجز عن أدائه مرّة ثانية، لأنّني كنت أشعر حينها بأنّني مُشرف على الموت، فقد استنفذ المشهد كلّ طاقاتي، وليس بالإمكان إعادته على الإطلاق.

 ثمة أمورٌ تذهب إلى ما بعدَ بعدَ التمثيل والقدرة الأدائيّة، وهنا صدقت أنت، فنحن خرجنا عن النص، ومن ثمّ عدنا إلى جوهره، نحن لم نخرج عن النص بالكلمات، بل دخلنا إلى عوالمنا كلّها دُفعة واحدة. أنا إذّاك كنت أتواجه مع والدي، له الرحمة، وكلّ من شاهد الفيلم، وبصرف النظر عن هويّته الدينيّة أو السياسيّة، التقى مع والده في ذلك المشهد، وهذا هو الحساب المفتوح بيننا، صالح وأنا.

كانت آن ماري جاسر عنيدة ورفضت حذف هذا المشهد، ويبدو أنّها كانت على حق، لأنّه زُبدة الفيلم، أو بيت القصيد، إذا ما كان في السينما «بيتُ قصيد»، هو في هذا المشهد. لم يكن هيّناً عليّ إنجازه والمرور فيه بشكل عابر، كنت دائم التفكير في ذلك اليوم – الكابوس الذي سنصوّر فيه المشهد، فقد كان آتياً لا محالة وكنت أُسأل نفسي كيف سأمرّ عبره، وكيف بإمكاني أن أنطق بما لا أرغب في الإفصاح عنه، احتراما لأبي وإجلالاً لذلك الجيل الذي دفع دم قلبه وأنفق كلّ ما بحوزته من أجل تربيتنا”.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

15