محمد بكري.. الفلسطيني الذي أحرج البقرة المقدسة

الأحد 2013/09/22
رجل لا يعرف من أين تؤكل الكتف

الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري (أبو صالح) رجل فلسطيني يجمع بين عنفوان الشباب وقلب طفل صغير لا مكان فيه للكره والضغينة، رغم كل ما واجه ويواجه من مؤامرات ودسائس في حياته ومسيرته الفنية. وهو ممثل موهوب يتقن حرفته، بشهادة النقاد الذين يجمعون أنه لو فتحت أبواب هوليوود أمامه، لكان اليوم من كبار نجوم "الفن السابع" في العالم، لكنه الاحتلال الإسرائيلي الذي يحارب كل ما هو فلسطيني لمجرد أنه فلسطيني. ولعل هذا هو المبرر الوحيد الذي من أجله يحاكم بكري منذ أكثر من عشر سنوات في محاكم الاحتلال بلا تهمة حقيقية.

"العرب" أجرت معه هذا الحوار الذي يكشف فيه الفنان عن أن كل ما يتعرض له من مضايقات لن يثنيه عن محاربة المحتل وكشف جرائمه الفاشية للعالم.

حديثنا مع الممثل والمخرج محمد بكري كان لابد من أن يبدأ بالتعرف على تفاصيل محاكمته أمام القضاء "الإسرائيلي" وما آلت إليه مجريات القضية، التي مازالت تتوالى فصولها منذ عام 2002، يقول بكري: "بعد العرض الأول لفيلم "جنين جنين" الذي كان في "سينماتيك القدس" في 29 أكتوبر 2002، تواجد في العرض أحد جنود احتياط الاحتلال المدعو (دافيد تسانجن) الذي حاول أن يمنع العرض وطلب من السيدة (ليا فان لير) مديرة "السينماتيك" أن تلغي العرض قبل أن يُشاهد الفيلم. وكان واضحاً من تصرفه أنه مدجج بالحقد الدفين على كل ما هو عربي، وقد ادعى أنه كان طبيباً للجيش أثناء اجتياح مخيم جنين، وبعد العرض استمر في التحريض على الفيلم مدعياً أن عملي كله أكاذيب مفبركة، وكتب في جريدة "معاريف" العبرية مقالاً تحت عنوان كبير هو "سبعة أكاذيب من جنين". وبعد يومين أو ثلاثة وصلني أمر من الرقابة بمنع عرض الفيلم، معللين أن الفيلم أحادي الجانب ويشوه الحقيقة، وأنه يطعن في "شرف الجيش" إذ اعتبروا ما أشرت إليه بمثابة تصويرهم كمجرمي حرب. وهذا له أثر كبير على عموم الجمهور "الإسرائيلي"، واعتبروا أنني جرحته جرحاً عميقاً".

يتابع بكري: "عندها قدمت التماساً لـ"محكمة العدل العليا" وبعد نضال سنتين استطعت أن ألغي قرار الرقابة، ولكن في هذه الأثناء تقدم خمسة جنود احتياط وبتحريض من اليمين "الإسرائيلي" وفي مقدمتهم (دافيد تسانجن) بالشكوى ضدي بتهمة القذف والتشهير، وبعد خمس سنوات خسروا الدعوى أيضاً في "محكمة العدل العليا". وقد حاول القضاة قبل قرار المحكمة الضغط عليّ لأقدم اعتذاراً للجنود، مقابل غلق ملف القضية غير أني رفضت ذلك، ليقيني بأني على حق، وأنهم يريدون تبييض وجههم مع البقرة المقدسة (جيشهم الأشم)!


فلسطينية فاقعة


عن مداولات الكنيست (برلمان "إسرائيل") لما عرف بـ"قانون جنين جنين" والمصادقة عليه مؤخراً بالقراءة التمهيدية، لاعتماده كقوة ردع لكل من يحاول المسّ بسمعة الجيش وفضح ممارساته من خلال أعمال فنية أو ثقافية أو إعلامية، وبقصد إرهاب كل من يفكر بالمساس بالمؤسسة العسكرية الصهيونية بتعريضه للملاحقة القضائية، يقول بكري: "لا أعرف إذا تم إقرار القانون بعد القراءة التمهيدية أو أنه على وشك أن يقر. ما يهمني هنا أن السلطة "الإسرائيلية" تهرول نحو الفاشية، وما أريد قوله لها إنه لن يموت حق وراءه مطالب. أنا وأنتم والزمن طويل. وإنني أؤكد أن المبرر الوحيد للجوء إلى مثل هكذا ملاحقات قضائية هو استمرار الاحتلال والمزيد من العجرفة الإسرائيلية".

ولأن بكري الفنان موهبة بمقاييس عالمية فقد فتحت له أبواب السينما العالمية وإن بشكل محدود نظراً لاعتبارات عديدة لعل أهمها "فلسطينيته الفاقعة"، فكان أن شارك في أعمال سينمائية عالمية، أبرزها في فيلم "برايفيت" من إنتاج إيطالي (2005)، وفيلم "مصير نونيك" أو "لارك فارم" عن مذبحة الأرمن (2007 – 2008) من إخراج الإخوة "تافياني"، وعن تقييمه الشخصي لهذه التجربة، يقول: "في "برايفيت" كان العمل شاقاً ومشوباً بالحذر الشديد خصوصاً وأن الفريق الفني كان من الشباب الذي تنقصه التجربة، وكان أيضاً محدود الميزانية والأمر الآخر كان مشاركة ممثلين إسرائيليين مثلوا أدوار الجنود، وهذا بحد ذاته خلق توتراً إضافياً في صفوف العاملين والطاقم الفني، وعلى رأسهم المخرج سافيريو كوستانزو الذي لا يعرف اللغة العبرية ولا العربية أيضاً، فكان عليّ أن أكون له العين الثالثة.

أما بالنسبة للإخوة تافياني فكان لي درساً وتجربة فريدة من نوعها، لأنهما يعدّان من عباقرة مدرسة سينما المخرج المؤلف، إضافة لتجربتي التي أعتز بها مع الممثلة الأسبانية (باز فيجا أما) التي لعبت دور البطولة في الفيلم".

هذا بالإضافة إلى أنه ورغم مشاركتي في الفيلم بـ"دور شرفي"، إلاّ أني اعتبر ذلك شرفاً كبيراً لي، لأني مثلت في عمل ينتصر لقضية أخوتنا الأرمن، الذين تعرضوا كما تعرض شعبي للظلم والمذابح.

وعن مشاركته في فيلم "زهور كركوك" الكردي للمخرج فاريبورز كامكاري عام (2010)، يقول بكري: "يحكي الفيلم قصة حب بين طبيب وممرضة كرديين ممن يحاولون إنقاذ الناس بعد مذبحة حلبجة، ومن ثم يلتقيان بعد ثلاثين سنة. ولعبت في الفيلم دور الطبيب في سنه المتقدمة، أما دور شخصيتي في سن الشباب فلعبه ممثل كردي".

وبسؤاله عن رأيه فيما يوجه له من اتهامات من قبل البعض بأنه حاول إرضاء ("الإسرائيليين" والغرب) من خلال مشاركاته السينمائية في أفلام عالمية، يقول بكري: "لن أكلف نفسي الردّ على أية مزايدات من أي نوع".

ونسأله عن أي من أفلامه التي أخرجها هي الأحب إليه؟ فيجيب: "فيلم من يوم ما رحت" مع بعض التحفظ..

ونتابع حديثنا معه سائلين عن مصادر تمويل أفلامه وهل يجد صعوبات في تأمين ما يحتاجه من مال لعملية الإنتاج؟ فيجيب: "أجد صعوبة في إيجاد مصادر التمويل، فأنا رجل لا يعرف من أين تؤكل الكتف مادياً. وكل أفلامي من إنتاجي الشخصي، وهي أفلام نوعية وليست تجارية. لذا فإنها غير مسوّقة، والمؤسف أنه لا توجد شركات إنتاج تقوم بهذه المهمة".


كلام جرايد


وعن مشاريعه السينمائية وما راج من أخبار حول إعداده لمشروع سينمائي يتناول جوانب شخصية من سيرة الشاعر الراحل محمود درويش بعنوان "نساء محمود"، يجيبنا قائلاً: "لم أعلن أبداً عن فيلم من هذا النوع! هذا "كلام جرايد"، درويش بالنسبة إليّ أكبر بكثير من هكذا عنوان. لقد أعلنت أن نيّتي تتجه إلى صناعة فيلم عن محمود أقوم فيه بتجسيد شخصيته، ولكن المسلسل السوري الذي أنجزه فراس إبراهيم، ثبط عزيمتي وأسباب أخرى كثيرة منها التمويل".

وبالتطرق إلى ما تنتجه السينما الأوروبية من أفلام تتناول القضية الفلسطينية ومدى انتصار هذه السينما لعدالة قضيتنا، يقول بكري: "برأيي أن الأفلام الروائية التي تطرح القضية تحاول ألا تغضب "الإسرائيليين"، وأنا لا أؤمن بفنان يحاول أن يهادن ويرضي الجميع. أما بعض الأفلام الوثائقية فلا بأس بها مثال ذلك الفيلم الوثائقي (it is better to jump)، عن مدينة عكا، للمخرج الأميركي ويلسون ستيوارت.

وعن التكريمات التي حظي بها ممثلا ومخرجا، يقول: "أعتز بهذه التكريمات، ولا أخفي حرجي منها أيضا لأني أشعر بأني لم أقدم بعد شيئاً يستحق التكريم. ويجعلني أيضاً أشعر أن ذلك بمثابة قول (خلاص يعطيك العافية)". ويذكر لنا بكري أهم الجوائز الدولية التي نالها ويعتز بها والتي تركت أثراً في نفسه، "الأهم بالنسبة إليّ جائزة (أفضل ممثل) في مهرجان قرطاج عن دوري في فيلم "عيد ميلاد ليلى"، وكذلك جائزة (أفضل ممثل) في مهرجان لوكارنو عن دوري في فيلم "برايفيت"، وجائزة (أفضل فيلم) في قرطاج لفيلم "جنين جنين"، وجائزة (أفضل فيلم) في قرطاج أيضاً لفيلم "من يوم ما رحت". وبسؤاله عن نجليه صالح وآدم، قال: "إبنيّ أحسن مني وسيصلان بعيداً بعيداً إن أرادا".

16