محمد بن بريكة جزائري يطرح خيارا إسلاميا للتعايش مع العالم

الأكاديمي الجزائري راهن، طيلة مساره الفكري والبحثي، على الصوفية كمخلّص من تطرف جماعات الإسلام السياسي.
الثلاثاء 2019/07/09
الصوفية تغرس التسامح والإخوان يغرسون الصراعات

راهن الأكاديمي والباحث في أصول الدين الجزائري محمد بن بريكة، طيلة مساره الفكري والبحثي، على الصوفية كمخلّص للمسلمين والإنسانية من التطرف والعنف، وكمرجعية دينية لبلاده، ولم يتوان في تسخير جهوده لتحويلها إلى مدرسة تنهل منها شعوب المنطقة والإنسانية جمعاء، قيم الاعتدال والتسامح، ونبذ أفكار التشدد التي باتت تفرغها مختلف المذاهب والتيارات الدينية الزاحفة على المنطقة، في سياق أجندة تفرضها صراعات براغماتية.

وقد فقدت المدرسة الصوفية العالمية برحيل هذا العلامة الذراع القوية التي أخذت على عاتقها عملية تصدير المنهج الديني من قوقعته المحلية في بلاده وفي دول المنطقة، والترويج له في العالم الغربي، كخيار لترميم صورة العالم الإسلامي المشوهة هناك، بسبب تنامي الظاهرة الإرهابية وتغلغل أفكار التطرف والعنف.

العقل النوراني

كان بن بريكة يقاتل من أجل إرساء قواعد الفكر والفلسفة الصوفية، لاستعادة قيم الاعتدال والتسامح في المجتمع الإسلامي، والوقوف في وجه المدّ المتسارع لمختلف التيارات والمذاهب التي أفقدت المسلمين صفات التماسك والتلاحم، وقدمت للعالم صورة مشوهة عنهم، تبقى مصدر غذاء للتيارات المتطرفة والإسلاموفوبيا.

ولأن الرجل الذي غادر الحياة في قمة العطاء عن 61 عاما، أصيل منطقة المقر العام للطريقة التيجانية، فقد كان قريبا من تلمس عمق المذهب الصوفي، وتفتقت بمرور الوقت مداركه على الفكر والفلسفة الصوفية، منذ ولوجه التعليم الجامعي بالجزائر العاصمة، كأستاذ وباحث في أصول الدين، فألف وكتب وحاضر ونشر في بلاده وفي مختلف ربوع العالم الإسلامي والغربي.

حماية المرجعية الدينية الجزائرية تدخل في صميم الأمن القومي والوطني، حسبما يقول بن بريكة على اعتبار أن "الاختراق الفقهي يمهد الطريق أمام الاختراق السياسي والاقتصادي للدولة التي انبثق منها الفكر الديني المختلف عن المرجعية الوطنية، إذ يمكن أن تثير عدم استقرار اجتماعي وعرقي وسياسي في البلاد"

ورغم ما أحيط بالمدارس الصوفية من انغلاق وتقوقع وتقاليد بالية، فقد تحولت في بدايات القرن الماضي، إلى وجهة لانتقادات التيار الإصلاحي المتمثل في “جمعية علماء المسلمين”، بدعوى التعاطي السلبي مع الاستعمار، إلا أن المنظّر الراحل بن بريكة، استطاع تطهير الكثير من المفاهيم والتصورات، وأرسى قواعد مدرسة معترف بها في مختلف المحافل الإسلامية والغربية.

ويجزم صاحب العديد من المؤلفات الدسمة، على غرار “موسوعة التصوف الإسلامي”، و”جمهرة الأعمال الصوفية”، و”التصوف الإسلامي من الرمز إلى العرفان”، بأن الفلسفة الصوفية هي صمام الأمن الاجتماعي والديني في المجتمعات الإسلامية، وعامل للتقارب بين الحضارات والأديان الأخرى، في ظل تمدد الأفكار والتصورات المتطرفة والإقصائية.

واستشعر الرجل خطورة تهميش الفكر الصوفي من المنظومة الوطنية، في الأحداث الدموية التي شهدتها منطقة بني ميزاب (2013- 2014) بسبب التعصب بين أتباع المذهبين المالكي والإباضي، الذي تحوّل حينها الى مواجهات وعداوات بين الطائفتين، طوت صفحة ثمانية قرون من التعايش بينهما.

واعتبر أن الخطاب المتشدد لبعض المذاهب الدخيلة هو الذي ساهم في حالة التفكك في العالم الإسلامي، فالفتوى الدينية التي أطلقها زعيم التيار المدخلي في الجزائر عام 2018، محمد علي فركوس، حول تكفير جميع المدارس والمذاهب هي انزلاق خطير يزيد من تعقيد أزمة الأمن القومي الاجتماعي، وأمرٌ يدعو إلى الاهتمام بالصوفية كمرجعية دينية تكرّس الاعتدال والتسامح.

الأمن الوطني والإسلامي

رحيل بن بريكة يُفقد المدرسة الصوفية العالمية الذراع القوية التي أخذت على عاتقها عملية تصدير المنهج الديني من قوقعته المحلية في بلاده وفي دول المنطقة، والترويج له في العالم الغربي
رحيل بن بريكة يُفقد المدرسة الصوفية العالمية الذراع القوية التي أخذت على عاتقها عملية تصدير المنهج الديني من قوقعته المحلية في بلاده وفي دول المنطقة، والترويج له في العالم الغربي

يرى بن بريكة أن “حماية المرجعية الدينية الجزائرية تدخل في صميم الأمن القومي والوطني، على اعتبار أن الاختراق الفقهي يمهد الطريق أمام الاختراق السياسي والاقتصادي للدولة التي انبثق منها الفكر الديني المختلف عن المرجعية الوطنية، إذ يمكن أن تثير عدم استقرار اجتماعي وعرقي وسياسي في البلاد”.

أخذ بن بريكة يحذّر من تغلغل التيارات الدينية المتشددة في المنظومة التعليمية، وتحويلها المدرسة الجزائرية إلى حاضنة لرعاية وتخريج أجيال من المتطرفين يمثلون الوعاء الأول للمجموعات الدموية، وداعيا في المقابل إلى إيلاء الأهمية اللازمة للصوفية كمدرسة دينية تمثل المرجعية الدينية العريقة للجزائريين، وتحصينا للبلاد من أفكار التطرف والإرهاب.

في إحدى شروحاته الواضحة والهامة حول الكيفية التي يعمل بها التطرف، قال بن بريكة إن السلفيين يقومون بسحب المصاحف المكتوبة برواية حفص من المساجد ويضعون بدلها مصاحف ورش، و”يحاولون أن يلصقوا تهمة البدعة والشرك برموز التصوف وبكل من خالفهم في المنهج والسلوك، وفرض كتب الحديث التي ألفها مشايخهم على الطلبة في الجامعات وعلى الباحثين، وفي المكتبات والمساجد، واستيراد الفتوى من المشرق العربي، والالتزام بلباس لا علاقة له بأصالة الجزائريين، والادعاء بأنه لباس السنة”. وأضاف “حتى أن بعضهم ألزم الصبيان على ارتداء هذه الألبسة وحرمهم من الاستمتاع بطفولتهم وبراءتهم، فضلا عن إحياء المولد النبوي الشريف بالمطويات والكتب والدروس، ومنع الاحتفال الجماعي الجهري بالمناسبات الدينية الكبرى، ومنع قراءة القرآن جماعة، واستخدام العنف لفرض هذه القناعات على الجماهير الوسطية المسلمة، والتسبب في فوضى الفتوى بسبب مخالفتهم الدائمة لما عليه الشعب الجزائري من التزام بالمذهب المالكي وأحكامه”.

حالة التناغم مع السلطة في مسألة النهوض بالمدرسة الصوفية، حتى تكون بديلا لقوى الإسلام السياسي، لم تجعل بن بريكة يخفي امتعاضه من الولاءات الخفية داخل مراكز القرار التي كانت تنحاز لهذا التيار أو ذاك

ومع ذلك لم يتوقف في مسيرته عن دعوة الحوار وعدم الإقصاء بين مختلف التيارات والمدارس، وحتى من كان يرفض إطلاق وصف “التيار السلفي” عليهم، خصهم بضرورة احترام الآخرين رغم مواقفهم القطعية تجاه من يخالفهم، ولاسيما أتباع التصوف الذين أفتى زعيمهم محمد علي فركوس، بـ”كفرهم وخروجهم من الملة المحمدية”. وظل متمسكا بضرورة عدم إلحاق أصحاب زي ومظهر وسلوك معين يزعمون الانفراد بفهم النص الديني، بالسلفية كمدرسة إيمانية وأخلاقية تسامت بنفسها لتقديم الصورة الحقيقية للدين الإسلامي ولم تُبد أيّ تزمت أو غلوّ يثير المحاذير أو المفاهيم الخاطئة لدى المجتمعات الأخرى.

واعتبر أن “الزوايا والطرق الصوفية هي التي بنت الدولة الجزائرية الحديثة مع الأمير عبد القادر ثم دافعت عن كيان هذه الدولة، من خلال الثورات الشعبية التي قادها كل من فاطمة نسومر والمقراني والشيخ الحداد، ولا يخفى دور الزوايا والطرق الصوفية في تحقيق الاستقرار، وهنا لا بدّ أن نشير إلى مرحلة مهمة مرت بها البلاد، وهي العشرية الحمراء، حيث لم يتورط أيّ واحد ممن ينتسبون إلى الزوايا والطرق الصوفية في سفك دماء الجزائريين، وهذا دليل على التربية السليمة التي تضمنها الزوايا للأجيال”.

وتؤكد هذه الإفادة التي يجمع عليها الجزائريون ووقائع العشرية الدموية، الطبيعة المعتدلة والمتسامحة لخريجي المدرسة الصوفية دينيا وأخلاقيا واجتماعيا، في الحين الذي انحرف فيه أتباع تيارات أخرى، ترى في الانغلاق على نفسها وتبني الخطاب الإقصائي والتكفيري، هو الصورة الحقيقية للإسلام، مما جرّ البلاد إلى أتون حرب أهلية أدّت بحياة ربع مليون.

المدينة الصوفية

المدرسة الصوفية بديلا للإسلام السياسي
المدرسة الصوفية بديلا للإسلام السياسي

وإذ خلّف رحيل فيلسوف المدرسة الصوفية فراغا كبيرا في الجزائر وفي عموم العالم الذي يتبنى الفكر الصوفي وخاصة في أفريقيا وشمال أفريقيا وبعض دول المشرق العربي، فإن الرجل ترك وراءه أفكارا وتصورات لإخراج الصوفية من صورتها النمطية وحتى من الدعاية المضادة لها، إلى مصاف تيار ديني وفكري وفلسفي منظم بمؤسساته وهياكله، ليكون بديلا حقيقيا للعالم الإسلامي في معركة الصراعات الأيديولوجية والمذهبية المحتدمة.

ويعتبر تشييد المدينة الصوفية في بلدة عين ماضي بمحافظة الأغواط، من بين الاقتراحات التي اشتغل عليها بن بريكة لتكون عاصمة عالمية للطريقة التيجانية، ورافدا سياحيا واقتصاديا للبلاد، ووجهة لنحو 350 مليون تيجاني في العالم، ولم تكن كلفتها تتجاوز سقف 50 مليون دولار، على أن يتم تجهيزها بكل المرافق العامة والعلمية ومختلف الخدمات، من جامعة ومستشفى وبرج وأسواق.

وذهب الى أبعد من ذلك حين كان يرى أن العاصمة العالمية للطريقة الصوفية التيجانية، ستكون ورقة دبلوماسية لحلحلة الكثير من المشاكل والأزمات في أقطار عديدة، ولاسيما دارفور ودول الجوار الأفريقي، قياسا بما تملكه الطريقة من تأثير ونفوذ وما يحظى به شيوخها من احترام، يمكن أن يساهم في إشاعة قيم الاعتدال والتسامح في المنطقة.

ورغم أنه كان على حالة من التناغم مع السلطة في مسألة النهوض بالمدرسة الصوفية، حتى تكون بديلا لقوى الإسلام السياسي، إلا أن محمد بن بريكة لم يكن يخفي امتعاضه من الولاءات الخفية داخل مراكز القرار التي كانت تنحاز لهذا التيار أو ذاك، ولا تنسجم مع خطاب هرم السلطة في التأسيس لمرجعية دينية محلية لسدّ المنافذ أمام نشطاء التيارات الأخرى، وكان انزعاجه واضحا من تغلغل السلفيين والإخوان في قطاع التربية والتعليم والسماح لرموز متشدّدة في بث أفكارها المتطرفة بالمدارس والجامعات، والإشارة هنا إلى زعيمي التيار السلفي محمد علي فركوس والعيد شريف، اللذين يدرسان علوم الشريعة في جامعة الجزائر، وينشطان بكل حرية رغم انزلاقات خطابهما التكفيري في العديد من المرات.

إرساء قواعد الفكر والفلسفة الصوفية يهدف لاستعادة قيم الاعتدال والتسامح في المجتمع الإسلامي، والوقوف في وجه المدّ المتسارع للتطرف

ومع ذلك كان الراحل متفائلا بشأن مستقبل الصوفية في العالم، مراهنا في ذلك على قدرتها على التعايش مع العالم، خاصة بعد الإفرازات التي طرحتها 11 سبتمبر 2001 ، وقبلها العشرية الدموية في بلاده وتمدد الظاهرة الإرهابية في ربوع المعمورة، وهو ما دفع المسلمين وحتى غير المسلمين إلى التنقيب في العمق الإسلامي عن المدارس التي تشيع قيم الاعتدال والتسامح والسلام.

وأرجع في محاضراته المختلفة أسباب التمدد التدريجي للفكر الصوفي في السنوات الأخيرة، إلى نتائج المعاناة من مظاهر الغلو الديني والتطرف الفكري، اللذين دفعا الناس في الجزائر وفي غيرها إلى البحث والانسجام مع الحياة الروحية في الإسلام، ممثلة في الطرق الصوفية والزوايا، باعتبارها مثالا للاعتدال والوسطية والإخاء والسلام والوئام، وما إليها من مظاهر.

واعتبر أن الطرق الصوفية ظلت دائما تمثل رافدا من روافد الشخصية الوطنية، ولعبت دورا في الثورة التحريرية المباركة، وأن ظهور الدولة الجزائرية الحديثة على يد الأمير عبدالقادر المعروف بتصوفه، ساهم في تشكل هذا الرصيد المتراكم، الذي رغم تحييده في مرحلة ما، كان طبيعيا أن يعود إلى مكانه الطبيعي، خاصة بعد الظروف والتطورات المذكورة.

ضد الإسلام السياسي

اعلاء قيم الاعتدال والتسامح
اعلاء قيم الاعتدال والتسامح

فقيد المدرسة الصوفية رأى أن الخلاف بين الإسلام السياسي والإسلام الصوفي خلاف يتمثل في نقطة واحدة، حيث يقول الإسلام السياسي أعطني منبرا، أي مقعدا في البرلمان أو الحكومة، وأنا أغيّر المجتمع، بينما الصوفي يقول أعطني فردا لأربيّه تربية صالحة فيصلح المجتمع.

ويستدل على ذلك بالطريقة القادرية، التي تعتبر أولى الطرق الصوفية تأسيسا في تاريخ الإسلام، ويرى أنها ليست طريقة في العبادة فقط، وإنما هي اجتهاد في التربية أيضا، وإذا كان الحديث اليوم عن مناهج التربية في علم النفس الاستبطاني وعلم نفس الطفل، وعلم نفس المرأة وغير ذلك، فهي مناهج تتعلق بمراتب وأطوار معينة.

إن الفقيد يعتبر الطرق الشاذلية والقادرية والبكائية القادرية والسنوسية أو النقشبندية، مدارس للتربية الروحية والنفسية، وعليه يخلص إلى أن الصوفية هي منهاج تربوي قائم بذاته، وليس طريقة في العبادة فقط.

13