محمد بن سلمان.. هذا وقت التغيير، والحذر أيضا

الجمعة 2017/06/23

السعودية التي لطالما كانت تعبيرا عن التحفظ السياسي والديني في المنطقة تتحول إلى قوة تحديث. تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد ليس انقلابا داخليا على فلسفة إدارة الحكم التقليدية فقط، لكنه نقطة فاصلة في مرحلة تاريخية تحتاج فيها المنطقة إلى نظرة مختلفة.

في الشهور القليلة التي قضاها محمد بن سلمان في الحكم، تغيرت النظرة الراسخة إلى السعودية إلى الأبد. في السابق كانت هذه النظرة، خصوصا في الحواضر العربية التقليدية، مشوبة بالحيرة والريبة معا. الانطباع الدائم كان: لا يمكن لهذه الدولة التي أنعم الله عليها بإمكانيات اقتصادية ضخمة أن تبقى على هذا الحال، حيث يفرض رجال دين يحمل بعضهم أفكارا رجعية واقعا مستفزا اجتماعيا، أول ضحاياه المرأة، ويتم فيه هدر كم كبير من الموارد على قضايا خاسرة.

صعود محمد بن سلمان أخذ يهدم هذه النظرة حجرا حجرا. السعودية تنتقل اليوم من أيدي كبار السن إلى جيل الشباب. هذه مرحلة ليست مناسبة للفكر التقليدي وديناميته البطيئة.

تحرير الاقتصاد السعودي من الاعتماد "الريعي" على النفط، وقصقصة أجنحة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعادة فتح أبواب المجتمع أمام السينما والمسارح والثقافة والفن، خطوات تأخرت.

الأمير محمد يبدو مستعدا لسباق الزمن من أجل تعويض كل ما فات السعوديين، في مجتمع نصفه من الشباب. أنا أحد هؤلاء الشباب، وأجد نفسي متفهما للحماسة التي تلعب دور الرافعة للزخم الذي بات مسيطرا اليوم على عقول الشباب السعودي ووجدانهم.

صعود محمد بن سلمان كان بمثابة إلقاء حجر في مياه ظلت راكدة طويلا. الأمواج الناتجة عن إلقاء الحجر تهز الآن المجتمع السعودي.

هنا يأتي موضع الحذر. نحن نتعامل مع مفارقة لطالما شكلت علاقة الشعب السعودي بحكامه. هذه المفارقة تتلخص في أن المجتمع ظل أكثر تمسكا بالتقاليد وأكثر تحفظا كثيرا من الأسرة الحاكمة.

فهم هذه المعادلة جيدا يجب أن يكون مصحوبا بتفكير عميق قبل القيام بأي نقلة في لعبة الشطرنج الكبرى التي بدأها محمد بن سلمان بالفعل. تنفيذ خطط "رؤية 2030" سيقفز بالمجتمع السعودي خطوات واسعة إلى الأمام. لكن الاستعجال في تنفيذها قد يعيده خطوات مقابلة إلى الخلف. هنا يكمن دور المستشارين ورجال الحلقة الضيقة المحيطة بولي العهد الجديد.

إدراك أن نجوم هذا المجتمع من رجال الدين المحافظين سيدفع الحكم إلى إعادة النظر في طريقة القيام بالأمور. القضايا المتعلقة بالأسرة والمرأة وبالترفيه والاختلاط كلها شائكة.

خذ مثلا قيادة المرأة للسيارة. هذه قضية تاريخية لها ارث مزعج في وجدان المثقفين والليبراليين السعوديين. المشكلة ليست في إجلاس المرأة خلف مقود السيارة والسماح لها بالتجول في شوارع جدة أو الرياض. المعنى الأعمق يكمن في استقلال المرأة وقدرتها على إثبات ذاتها ورغبتها في أن تتحول من رقم زائد في المجتمع، إلى أحد أركان الإنتاج الأساسية فيه.

محمد بن سلمان تعامل مع هذه القضية الجدلية بطريقة ذكية. منذ توليه منصب ولي ولي العهد، لم يشأ الدخول في صدام مباشر مع رجال الدين، بل اختار الالتفاف وتطويق رؤاهم القديمة. لم يسمح محمد بن سلمان للمرأة بقيادة السيارة، لكنه سمح لها بقيادة شركات ومؤسسات ووزارات وصناديق سيادية. مع الوقت سيكسر زخم "قيادة المجتمع" مقاومة عدم السماح للمرأة بـ"قيادة السيارة".

هذا التغيير يجب أن يأخذ وقته كي ينضج. إعطاء المجتمع فرصة لهضم الرؤية الجديدة سيجنب محمد بن سلمان اكتشاف أنه قد ترك المجتمع خلفه في سباقه نحو التغيير. سرعة هذا التغيير يجب أن تتناسب مع قدرة المجتمع على قبوله. إن لم يحدث ذلك فقد يتسبب في اهتزاز نظرة الناس لبلدهم، أوقد يؤدي إلى نتائج عكسية في شكل حركة مقاومة للتغيير.

محمد بن سلمان من جيلي. هذا جيل لم ير عصر الإنفتاح وانتشار المسارح ودور السينما في السعودية حتى أواخر السبعينات. نحن جيل الثمانينات جئنا بعد الثورة الخمينية في إيران. هذه الثورة كانت إيذانا بانطلاق حرب إقليمية باردة، محورها جماعات الإسلام السياسي السني والشيعي.

الفاصل الزمني بين الانفتاحين كان كبيرا. ثمة جيل حضر الانفتاح الأول، لكنه لا يرغب في عودته مرة أخرى، وجيل آخر لم يشاهد انفتاحا، لكنه يتوق إلى أي صورة من صوره. في السعودية نحن عمليا أمام مجتمعين.

مهمة محمد بن سلمان هي تجنب اتساع الهوة بين نصف المجتمع الذي يطمح إلى التغيير، ونصفه الذي يرى أن النظرة السلفية والتقاليد القبلية يجب أن تظل حاكمة.

هذه المحاذير كانت في صلب مخاوف الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ تبلور رؤيته التحديثية والشروع في تنفيذها بدءا بعام 2005. الفارق هو أن محمد بن سلمان يبدو مستعدا لسباق المجتمع إلى الأمام.

المشكلة التي ستواجه ولي العهد هي حقيقة أن لا تغيير حقيقيا إلا بإعادة تنظيم العلاقة التاريخية بين الحكم والمؤسسة الدينية. إعادة النظر هذه تمنع تحول المشروع التحديثي إلى مشكلة أكبر قد تهدد المشروع برمته.

الأمر يشبه السير في حقل ألغام. استقرار السعودية ضروري، ليس لمنطقة الخليج فقط، لكن للعالم العربي بأسره. شرعية الإجراءات التي يتبناها محمد بن سلمان قد تأتي من الخارج أيضا.

التصعيد في مواجهة إيران، وتقويض منابع تمويل الإرهاب، المتمثلة في قطر، سيوحد الصفوف خلف القيادة الجديدة. ظهور محمد بن سلمان نفسه كان انعكاسا لرغبة الشباب السعودي بالتخلص من الإسلاميين وكل ما يمثلونه، بالوقوف بفاعلية في وجه إيران.

السعودية دولة شابة كان يحكمها كبار السن. اليوم صار المجتمع أكثر اتساقا مع نفسه، وأكثر تجاوبا مع التغيير. لكن على الأمير أن يكون حذرا.

كاتب مصري

7