محمد جبرون: النموذج المغربي في التدبير الديني نجح باقتدار

تختلف تجربة المغرب عن جوارها المغاربي باعتبار سياق الأحداث التي فتحت أبواب تونس على مصراعيها ليلج منها الإرهاب، المختلف عن سياق المغرب، الذي بقي سالما من رياح الربيع العربي ويؤكد محمد جبرون، الباحث المغربي المهتم بالفكر الإسلامي أن الأفكار المتشدّدة ومظاهر التطرّف والإرهاب لن تجد الأرضية الملائمة لتعزّز وجودها الدائم، على المستوى الشعبي والاجتماعي والسياسي والأمني في تونس والمغرب. ويرى محمد جبرون في حوار لـ“العرب”، أن التيارات الإسلامية غير مرغوب بها في هذين البلدين، ونظرتها القديمة لمفهوم “الدولة الإسلامية”، سيقضي عليها إلى جانب المقاربة الأمنية، تجديد الخطاب الديني وتوفير فرص التشغيل للشباب؛ فكلّ ما يتعلق بالإرهاب من أيديولوجيا ومن معتقدات ومن لباس أو سلوكيات أو غيرها لا يمثل أي ثقل اجتماعي أو حضاري في تونس والمغرب.
الجمعة 2015/10/09
تجربة مغربية رائدة في تكوين الأئمة

الرباط - قال محمد جبرون، الباحث المغربي المهتم بالفكر الإسلامي، في حوار مع “العرب” إن “أهم مصادر الفكر الإسلامي، التي تكاد تكون موضع اتفاق بين جل الباحثين، تقريبا تتمثل في النص، والعقل والخبرة المحلية والإنسانية”.

والأفكار السياسية التي تتصف بالإسلامية، هي في المحصلة النهائية نتيجة استعمال هذه الموارد في سياق الجواب عن الأسئلة السياسية، وإذا كان مصدر العقل والخبرة التاريخية لا يثير إشكالية خطيرة، فإن النص كمصدر للفكر السياسي الإسلامي يثير إشكالات صعبة وخطيرة، من أبرز مظاهرها ما يعانيه المسلمون اليوم من ظواهر الإرهاب والتطرف.

وأكد جبرون على أن تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي، لازالت تقليدية وتغلب عليها النزعة السلفية في تصورها للدولة، فهي إما أسيرة مفهوم الخلافة الراشدة مع الاختلالات الكبيرة التي تشوب فهمها لهذه المرحلة السياسية من تاريخ المسلمين، وإما حبيسة المعنى الضيق للشريعة الذي يجعلها غير قادرة على تجاوز بعض الإكراهات التاريخية التي تمنع تطبيق عدد من أحكامها. واعتبر الباحث المغربي، أن مفهوم “الدولة الإسلامية” لدى تيارات الإسلام السياسي، لا يمكنه أن يساعد على تطور الممارسة السياسية للإسلاميين، ولا يمكنه أن يخلّصهم من المآزق الخطيرة والمكلفة التي يعيشونها إذا لم يخرج من هيمنة التصور السلفي وتصور الحكامية.

ويضيف الباحث المغربي، في هذا الصدد، أن إسلامية الدولة ترجع إلى اتصافها بمجموعة من الصفات القيمة كالعدل والبيعة، والحرية والكرامة والخير؛ موضحا أن الدولة تستمد توصيفها الأخلاقي الإسلامي من مدى إقرارها وتحقيقها من قيم العدل والمساواة والحرية والكرامة، كما تتحدد في التصور “الكلامي” والفلسفي الإسلامي، ولا تستمده من تشبثها بنموذج مضى وانقضى، ولا تستمدها من تطبيقها للحطام، وقد تكون مخالفة تماما للإسلام.

وضمّن محمد جبرون، أفكاره هذه، في كتابه الصادر حديثا بعنوان “مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة”، الذي سعى من خلاله إلى اجتراح منهج جديد في أسس الفكر السياسي الإسلامي يتأسس على القيم والحكم بدل النصوص والأحكام. والنصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة التي تعتبر لدى البعض أصول الفكر الإسلامي، اعتبرها حوامل لقيم تعتبر غاية التدين ومنتهاه، وهذه الحوامل إذا ما تم تطبيقها جيدا ستكون الأقدر على تحقيق الصلاحية المطلقة للإسلام بشكل عام.

تيارات الإسلام السياسي تغلب عليها النزعة السلفية و"الدولة الإسلامية" نتاج ضرورات تاريخية

ويتحدث محمد جبرون عن مشكلة العطب الإصلاحي التاريخي التي برزت مع سقوط الخلافة الإسلامية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مشيرا في حديثه مع “العرب” إلى أن قصد من خلال كتابه التوجه برسالة للإسلاميين للخروج من شرك التصورات “القاتلة” من جهة، ومن جهة أخرى، رسالة لغيرهم، باعتباره أطروحة تؤسس لانسجام بين المعتقد والأمر الواقع لـ “الدولة الحديثة”.

وخلال الحديث عن مفهوم الحداثة وعلاقتها بالمجتمعات العربية، أكد على أن مشروع الحداثة مشروع تاريخي، وليس محدودا بالزمان والمكان. وقال إن المجتمعات العربية، ومنها المجتمع المغربي، تكافح منذ القرن 19 ميلادي من أجل حداثتها الخاصة، التي لن تكون بالتأكيد نسخة طبق الأصل للحداثة الغربية. وعلى مستوى التجربة المغربية، فقد تم تحقيق الكثير من شروط المشروع الحداثي، وما يعانيه المغرب اليوم، هو مظهر طبيعي للتأخر التاريخي الذي يعد في الحقيقة بالقرون وليس بالسنوات.

وعن موضوع النموذج المغربي في تسيير قضاياه الدينية قال جبرون إن النموذج المغربي في التدبير الديني نجح باقتدار كبير في إخراج الموضوع الديني من المعترك السياسي.

والأهم في هذا النموذج أنه أخرج الوظيفة السياسية من مجال الصراع السياسي وإلحاقها بمؤسسة “إمارة المؤمنين” وتأطيره برؤية شرعية واضحة.

واختتم محمد جبرون كلامه بالحديث عن تنظيم الدول الإسلامية في العراق والشام، وشدّد المفكر الإسلامي المغربي على ضرورة التمييز بين أمرين رئيسيين؛ الأول يتعلّق بالصعود السياسي لهذا التنظيم وانتشاره في العراق وسوريا، والثاني فكرة تنظيم داعش ومرجعيتها “الإسلامية”. وأضاف أن تنظيم داعش يقدم نفسه كمدافع ومقاتل ضد الطغيان الإيراني بالهلال الخصيب، ولهذا التفّ قطاع عريض من العراقيين حوله وانتسب له عدد من السوريين.

وأوضح أن الشعبية السياسية لهذا التنظيم، واعتناق كثير من الشباب العربي لأيديولوجيته يؤشران على فشل تاريخي لمشاريع التجديد الديني والفقهي، وضعف الاجتهاد، وعشوائية مشاريع التربية التي تنتج المفارقة وتغذيها.

وخلص المتحدث إلى أن التغيرات الناتجة عن هذا التنظيم، خلّفت آثارا خطيرة ومدمرة منها التمدد الشيعي وفشل الإصلاح الديني. ولا يمكن محاصرة هذه الظاهرة والتقليل من نفوذها إذا لم يواجه المسلمون الطائفية والاحتلالات مختلفة الأشكال.

12