محمد جسوس وداعا

الأربعاء 2014/02/12

هو شخص لا يعرفه أشقاؤنا العرب المشارقة جيدا، لسبب بسيط هو أنه لم يطمح يوما لشهرة عربية، هو مغربي حتى آخر لحظة انتباه في يقظته. لم يكن يكتب مداخلاته السياسية، ولا محاضراته الفلسفية، ولا حتى أبحاثه العلمية، هو إعجاز مختصر في القول الذي ينطلق عند عتبتين: عتبة الجامعة وعتبة الحزب اليساري الذي كان عضوا فيه. ويحجم عند عتبة الصفحة البيضاء، هو شبيه في نظري بأمين الخولي، النهضوي المصري الذي خلف جماعة أمناء هناك في جامعة القاهرة تدون محاضراته في تأويل تفاسير القرآن والبلاغة العربية، دون تصانيف تذكر، تلامذة بعقليات تصنع مستقبل الأدب والفكر المصري الحديث.

هكذا كان محمد جسوس، هوكلام منهمر وحماسة منطلقة تتقد شموعا في مسارات الآخرين.

استحضر الآن لحظة من المؤتمر الرابع لشبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في فاس، كان محمد جسوس مبعوث المكتب السياسي، مع قائد آخر اسمه فتح الله والعلو صار وزيرا للمالية في حكومة التناوب التوافقي التي اختارها الملك الراحل الحسن الثاني، وكان الاحتقان على أشده في المؤتمر، اعتقالات جديدة للطلبة وللشباب، وحديث عن محاصصات في الانتخابات، كانت على ما أذكر سنة 1988، اعتلى محمد جسوس المنصة، ولأول مرة سيذكر المجال السياسي مصطلح “التضبيع"، أي خلق جيل من الضباع بعد التجارب المتتالية في حقل التعليم، التي قوضت كل إمكانية للنهوض.

أستحضر هذه اللحظات مع قيمة أساسية في شخص جسوس وهو الأكاديمي خريج جامعة برينستون الأمريكية، وهي أنه لم يؤمن يوما بأن الأكاديمية حاجز معرفي مع الآخرين البسطاء، لقد كان أول مختص في علم الاجتماع مسيس بالمعنى العقائدي للسياسة، في مجتمع صادرت دولته صرحا أساسيا للمعرفة الاجتماعية والفلسفية رائدها المفكر عبد الكريم الخطيبي، وبات يكن عداء مؤسسيـا للاجتــماع السيــاسي.

هكذا أسس محمد جسوس لحظة فارقة في كلية الآداب بالرباط، حيث جعل المعرفة الفلسفية والاجتماعية غير مقرونة بالأكاديمية وإنما بالجدوى المجتمعية والسياسية؛ لذا قد يكون مجموع تلامذته في المجتمع المغربي أكثر بكثير ممن حضر درس الفلسفة والاجتماع في جامعة محمد الخامس، وحتى من شبيبة وأعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي، كانوا في النهاية جمهور يسار منفتح، تبدد عبر فصائل وشرائح وطبقات ممن تعلموا أن السياسة هي عقيدة الحالمين الأبرياء، وممن يعتقدون أن العمل العام هو شأن نبيل، فيه فائدة الأقلية قبل الأكثرية.


* كاتب من المغرب

15