محمد جعفر أبوالتمن... إستذكار رمز وطني في زمن طائفي

الخميس 2014/11/13
حذر أبوالتمن من خطر الطائفية على الوطنية العراقية

تعتبر إعادة قراءة التاريخ الوطني العراقي واستحضار الزعماء أمرا ضروريا في ظل الظروف التي يعيشها العراق اليوم وفي ظل اشتعال حرب الطوائف، التي حذّر من نذرها السياسي الوطني محمد جعفر أبو التمن، الذي قضى سنوات عمره في الوقوف ضد أصوات النشاز التي تروّج للطائفية السياسية.

تحفل صفحات التاريخ الوطني العراقي بمواقف مشرفة لزعامات لعبت دورا وطنيا خالدا في مرحلة الاستقلال الوطني وبناء الدولة العراقية، ورغم أن الصراعات السياسية التي أعقبت 14 تموز 1958 بين القوى السياسية أثّرت بشكل كبير على توثيق التاريخ الوطني لتلك الزعامات، إلّا أن سنوات الثمانينات من القرن العشرين شهدت اهتماما واسعا من النخب الأكاديمية وطلاب الدراسات العليا لكتابة ذلك التاريخ مما أعاده إلى الواجهة. وكان جعفر أبو التمن، الذي تمر ذكرى وفاته في الـ20 من الشهر الحالي، واحدا من الذين سجّلوا أنصع الصفحات في تاريخ العراق الوطني.


من هو جعفر أبو التمن؟


ولد الزعيم الوطني جعفر أبو التمن في عام 1881 في أسرة متدينة معروفة بالنشاط التجاري. بدأ حياته السياسية بين أواخر عام 1909 وأوائل عام 1911 حين عمّت بغداد الاحتجاجات بسبب عزم السلطات العثمانية بيع ممتلكات الإدارة الحميدية إلى شركة (إخوان لنج) البريطانية، حيث شارك جعفر في مظاهرات واحتجاجات نُظّمت من قبل قادة الحركة العراقية المعارضة للبيع (عبدالقادر الخضيري ومحمود الشابندر).

أدرك جعفر أبو التمن بحسه الوطني العراقي خطر التكتلات الطائفية على الوطن، فرفض رفضا قاطعا كل محاولات ضمه في نشاط سياسي خاص بالشيعة، بل إنه، ورغم تديّنه، كان من دعاة التمييز بين الدين والسياسة. وتشير الدراسة القيّمة، التي وضعها الدكتور خالد التميمي في التسعينات، إلى اتصال المجتهد الشيعي البارز محمد حسين كاشف الغطاء بأبي التمن في يناير 1927، وحثه على الانضمام إلى المعسكر الشيعي، غير أن أبا التمن رفض بصلابة، لأنه “لم يرغب بإدخال الدين في السياسة”.

أدت الأحداث التي تلت 14 تموز 1958 إلى ضياع مراحل هامة من التاريخ الوطني العراقي

ونحن نميل هنا، ومن خلال قراءاتنا العديدة عنه، إلى الاعتقاد بأن الدافع الأساسي للرفض كان عمق عراقيته التي تجلت بوضوح طيلة سنوات عمله السياسي، الذي بذل خلاله قصارى جهده لتوحيد جهود الشيعة والسنّة من أجل إنجاز الاستقلال الكامل للعراق منذ بداية نشاطه السياسي.

وتشير الدراسة أيضا إلى قضية الاستفتاء العام، حيث كان جعفر حلقة الوصل بين الزعامات الدينية للسنة والشيعة (قاضي بغداد السني والشيعي) في يناير 1919، وعمل على تقريب وجهات نظرهما، حيث تحدث في الاجتماع الذي ضمهما مع ممثلي الطوائف المسيحية واليهودية، داعيا إلى عراق موحد بحكومة عربية وحاكم مسلم، مما عمّق دوره في تكريس الوحدة الوطنية العراقية.

وتشير العديد من التقارير المعاصرة إلى أن جعفر أصبح رمزا للوطنية والوحدة العراقية بين طلائع حزب حرس الاستقلال. وقد تكرر إصراره على عدم التعامل مع إطار سياسي خاص بالشيعة عام 1932، ذلك الإطار الذي حاولت إشهاره مجموعة من الوطنيين العراقيين بدافع (موقف السنة المتشدد نحو زيادة مشاركة الشيعة في السلطة)، حيث أخبر الوفود التي زارته بأنه لن يتخلى عن مبادئه اللاطائفية، وأنه يعارض أي نشاط سياسي يستند إلى التفرقة الطائفية. بل إنه حاول أن يعطيهم الانطباع بأنه كان يحس بالتآمر الأجنبي وراء تلك الأفكار وعلى الرغم من الإحباطات التي أصابته من تصرفات الجانب الآخر، فقد عاد لرفض الفكرة من جديد حين عرضها عليه عام 1935 كل من عبدالواحد الحاج سكر وسماوي الجلوب (من شيوخ عشائر آل فتلة)، مؤكدا رسوخ موقفه من عدم تأييده لتكوين حزب لطائفة. ولم يضعف موقفه هذا من إيمانه بأهمية دور رجال الدين وقوة تأثيرهم في المجتمع.


ماهو موقف أبو التمن من الطائفية؟


وقف جعفر أبو التمن موقفا مبدئيا صلبا ضد إثارة النعرات الطائفية بعد صدور كتاب (العروبة في الميزان) لعبدالرزاق الحصان، الذي أساء فيه إلى الطائفة الشيعية، وقاد بنفسه حملة حزبه ضد مروجي الطائفية ومشجعي التوتر بين السنة والشيعة وهو ما تؤكده دراسة التميمي.

جعفر أبوالتمن (1881 - 1945)

سياسي عراقي معروف، ولد في بغداد سنة 1881 من أسرة معروفة في عالم التجارة، ونشأ في كنف جده الحاج داود وأبيه الحاج محمد حسن.

درس علوم العربية والدين، ومارس التجارة منذ نعومة أظفاره. كان جعفر أبو التمن أحد الذين أوحوا بثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق.

وأسس جماعة الأهالي عام 1922. وكان له الفضل في الجمع بين الشيعة والسنة الموضوع الذي ظل شغله الشاغل طوال حياته.

تميزت مواقف جعفر أبو التمن منذ بداياته السياسية بالصلابة والمبدئية، فقد استقال من اللجنة التعليمية التي شكلها الإنكليز المحتلون عام 1917، والتي كانت تضم في عضويتها الأب انستاس ماري الكرملي وحمدي بك بابان وشكري الألوسي وعلي الألوسي وجميل صدقي الزهاوي، حيث أصر هو على إعطاء اللجنة صلاحيات تنفيذية، معترضا على دور الإشراف التنفيذي الذي كان بيد مستشارين بريطانيين. ولا ننسى هنا موقفه مع الشريف حسين حين عرض الأخير تسمية نجله فيصل ملكا على العراق بعد أن كان العراقيون قد أعطوا البيعة لنجله عبدالله.

فقد رفض جعفر تغيير البيعة معتبرا أن مبايعته للأمير فيصل الذي قبل بالانتداب تعني القبول بالانتداب ضمنا. وخلال نفيه إلى جزيرة هنجام زار المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الجزيرة في طريق عودته من نجد. وحين التقى بالمنفيين المُبعدين أخبرهم أن الحكومة العراقية تنوي السماح لهم بالعودة رغم أن أعمالهم سبّبت المشاكل. وقد تصدى له جعفر قائلا: إن ما يسميه المندوب السامي بالمشاكل يعتبره المبعدون واجبهم الوطني، ومضى بالقول إنهم إنما أرادوا استقلال وطنهم بينما كانت الحكومة تقوم برعاية المصالح الاستعمارية البريطانية.

إثر ذلك أبلغ كوكس المبعدين أن بإمكانهم العودة، باستثناء جعفر أبو التمن وحمدي الباجه جي. وقد رفض جعفر بعد ذلك التوقيع على تعهّدات خطية بدعم المعاهدة مع بريطانيا وبإسناد سياسة الملك رغم أن زملاءه، وآخرهم حمدي الباجه جي ومهدي البصير، وقّعوا على التعهد الذي تضمن أيضا الامتناع عن المساهمة الفعالة في الأمور السياسية إلا ضمن توجيهات الحكومة.


كيف ساهم أبوالتمن في ثورة العشرين؟


حين اندلعت ثورة العشرين بهجوم رجال القبائل على المباني الحكومية في الرميثة، وإطلاق سراح شيخ عشيرة الظوالم شعلان أبو الجون واشتعال الثورة في مناطق الفرات الأوسط، قرر البريطانيون اعتقال جعفر ومعظم الأعضاء الناشطين في حرس الاستقلال.

وتمكن أبو التمن من الإفلات من قبضتهم والالتحاق بالثورة، حيث لعب دورا مهما في أنشطتها، وأصبح مستشارا لقادتها، كما تعاون مع مثقفين، منهم علي البزركان وعارف حكمت في كتابة المقالات الافتتاحية في صحف الثورة مثل “الفرات” التي أصدرها الشيخ محمد باقر الشبيبي، وهو من مؤسسي حرس الاستقلال، وصحيفة “الاستقلال” التي أسسها محمد عبدالحسين.

بعد أن نجح البريطانيون في إخماد الثورة بالقوة غادر جعفر أبو التمن مع قادة آخرين إلى الحجاز حيث حلوا ضيوفا على الملك حسين شريف مكة. وقد أظهر الاستقبال الذي أعد لجعفر في البصرة إثر الإعلان عن عودته في أيلول 1921 تأثيره كشخصية قيادية لمسيرة العمل من أجل الاستقلال.

وحين وصل إلى بغداد اكتظت أرصفة محطة السكك بالمواطنين الذين كانوا يهتفون بالاستقلال والحرية. وقد ركز بعد عودته على دراسة الأوضاع السياسية. وكان يعطي الأولوية للهيئات والمؤسسات الديمقراطية التي يناضل من أجل إيجادها.

لقد قادت التحركات الصحفية والسياسية الدعوة لعودة جعفر إلى العمل السياسي بعد أن ابتعد عنه لسنوات إثر عودته من منفاه، مؤكدة دوره كقائد مؤثر بين مختلف الأوساط في تلك المرحلة. فقد بدأت الدعوة لعودته إلى العمل السياسي في جريدة “الزمان” التي كان يصدرها رائد من رواد الصحافة الوطنية العراقية هو إبراهيم صالح شكر.

كما بدأت الرسائل تنهال عليه من شخصيات عراقية تدعوه إلى العمل السياسي، فقد تسلم رسائل من مصطفى الصابونجي ومولود مخلص وسعيد الحاج ثابت، كما بذل ياسين الهاشمي وأركان حزبه (حزب الشعب) مساعيَ في هذا المجال، وزاره في بيته وفد ضم صادق البصام ومهدي حيدر وإبراهيم صالح شكر للضغط عليه.

أدرك أبوالتمن خطر التكتلات الطائفية على العراق فرفض أي نشاط سياسي خاص بالشيعة

وفي زيارة أخرى له قام بها مهدي حيدر و صادق الأعرجي وصادق حبه ونوري فتاح وعبدالغفور البدري وعلي مسعود الذي وجه حديثا لجعفر مفاده (أنه إذا رفض العودة للعمل السياسي فسوف يكون مسؤولا أمام التاريخ عن فشــله في تــأييد الأهــداف الوطنية). وبعد امتثاله وعودته إلى الحياة السياسية وفشله في أول انتخابات، وانتخابه بعدها نائبا في البرلمان، ترك بصماته على أغلب القضايا الجوهرية التي طرحت. ولعل موقفه من قضية جلد الطلاب وطردهم من مدارسهم وكلياتهم لأنهم تظاهروا ضد زيارة السير (ألفريد موند) المعروف بميوله الصهيونية، تعطي صورة عن مواقفه المشرّفة. فقد أكد أن للناس الحق في التعبير عن مشاعرهم بتنظيم المظاهرات أو عقد الاجتماعات.


كيف أثرت أحداث 1958 في تاريخ العراق؟


دفع الدور الوطني لجعفر أبو التمن الناشر اللبناني قدري قلعجي إلى التفكير بإصدار حلقة من سلسلته (أعلام الحرية) التي أصدرها في الستينات وخلّدت أعلام الحرية سعد زغلول وغاندي وأبراهام لنكولن.

وقد أشار لظروف هذه القضية الصحفي الراحل عبدالقادر البراك في كتابه (ذكريات أيام زمان) الذي صدر عن جريدة “الاتحاد” البغدادية إثر تولي كاتب هذه السطور مسؤوليته، حيث أوضح البراك أن عدم استطاعة الناشر الحصول على الأوراق الشخصية لجعفر حال دون صدور الكتاب.

لقد أدت الأحداث التي تلت 14 تموز 1958 إلى ضياع مراحل هامة من تاريخنا الوطني العراقي، فقد انعكس الصراع بين الأطراف السياسية على التاريخ فجّرت محاولات للانتقام منه من مختلف الأطراف السياسية. وفي خضم تلك الصراعات كان القومي العراقي يعرف عن جمال عبدالناصر وميشيل عفلق أكثر مما يعرف عن تاريخ زعاماته الوطنية العراقية، وكان الشيوعي العراقي يعرف عن لينين أكثر بكثير مما يعرف عن فهد العراقي. وللأسف الشديد فإن تاريخنا الوطني العراقي تحكّمت فيه في مرحلة ما بعد الاحتلال عقد الطائفية والثأر. تحية لذكرى الراحل الوطني العراقي الكبير جعفر أبو التمن الذي يفتقد العراق اليوم لزعامات في مثل قامته الوطنية العراقية.

7