محمد جواد ظريف.. متهم بالانتماء لـ"عصابة نيويورك"

السبت 2013/11/30
ظريف.. وزير إيراني للإيجار

"سفير السلام" هو اللقب الذي أطلقه الغرب على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بعد الاتفاق المبرم ليلة السبت الأحد في جنيف بين بلاده و"مجموعة الست" حول برنامجها النووي.

لعل الدكتور محمد جواد ظريف المولود في طهران في السابع من يناير – كانون الثاني 1960 في أسرة دينية تقليدية، هو أول وزير خارجية تسلم منصبه في الجمهورية الإسلامية عن كفاءة مهنية متدرجا مسلكيا. وأنه انخرط في السلك الديبلوماسي حتى قبل حصوله على إجازة "ليسانس" في العلاقات الدولية من جامعة ولاية سان فرانسسكو (1977-1981).

هو يمارس مهمته بمهنية بعيدا عن الأطر الأيديولوجية، ويمكنه أن يعير خدماته لأي دولة تحتاجه لهندسة سياستها الخارجية بحيادية واحتراف، أو أن يخدم كمفاوض محترف في فض النزاعات وإزالة بؤر التوتر في العلاقات الإقليمية والدولية.

عمل ظريف مستشارا في القنصلية الإيرانية العامة في سان فرانسسكو في الفترة ما بين 1979-1980، خلال دراسته بالولايات المتحدة التي هاجر إليها بعد أن كان درس المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في مدرسة وثانوية "علوي" المعروفة في طهران بأنها تُخرج متدينين في العلوم المختلفة لا يشتغلون بالسياسة، قبل أن يشدّ الرحال إلى أميركا لمواصلة دراسته بحجة أن الظروف السياسية والأمنية آنذاك كانت صعبة.

في الولايات المتحدة التقى شقيق أكبر هاشمي رفسنجاني الذي كان رئيسا بين عامي 1989 و1997، ومسؤولين آخرين في الجمهورية الإسلامية منهم سفير إيران لدى الأمم المتحدة ووزير الخارجية الأسبق كمال خرازي خريج مدرسة "علوي" وهو ممن دفع بظريف ليكون ضمن حلقة المؤثرين في النظام ممن أعجبتهم شخصيته المهنية المستقلة، ومعرفته السريعة بالمجتمع الأميركي.

لم يعرف عن ظريف أي نشاط سياسي واضح ضد نظام الشاه حتى في الولايات المتحدة عدا أنه انضم إلى جمعية الطلبة المسلمين في أميركا وكندا، لكنه لم يعمل مع أي تنظيم سياسي إيراني فيما كان يحضر للحصول على درجة ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة دنفر ولاية سان فرانسسكو (1981-1982) وحاز بعدها على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية والقانون الدولي من جامعة دنفر الأميركية عام (1988). وخلال دراسته العليا ظل ظريف يمارس عمله في السلك الديبلوماسي مطورا خبراته المهنية ليصبح المستشار السياسي والقائم بالأعمال في ممثلية إيران في الأمم المتحدة في الفترة ما بين (1982-1988).

وبعد الانتهاء من دراسته الأكاديمية أصبح ظريف مستشارا لوزير الخارجية (1988-1989) ثم سفيرا ونائب مندوب إيران الدائم في منظمة الأمم المتحدة في نيويورك في الفترة بين (1992-2002) وهي الفترة التي استطاع خلالها أن يتألق في الظهور كخبير في فهم العقلية الأميركية مستندا وهو يطبق ما درسه على أيدي الأميركيين في تسويق الجمهورية الإسلامية للخارج بطريقة مختلفة عما كانت عليه النظرة لها إبّان الفترة العراقية الإيرانية التي امتدت ما بين (1980-1988) وما بعدها من مرحلة ما بعد الإمام الخميني مفجر الثورة الإسلامية الإيرانية ومؤسس نظام فريد أطلق عليه "الجمهورية الإسلامية الإيرانية".

ولأن ظريف، كان قد أجاد اللغة الإنكليزية بطلاقة، وهو المفاوض الخبير بالعقيلة الأممية آنذاك، فقد استفادت منه طهران كثيرا. ويقول علي أكبر ناطق نوري، رئيس مكتب الرقابة والتفتيش الخاص بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إن الرئيس آنذاك، علي خامنئي، قال، خلال زيارته إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة: "عندما تواجهنا مع السيد ظريف، هذا السيد الذي تشاهدونه متديّن، ملتزم بعمق. فقد نشأ في أسرة متدينة من طهران وقال هو عن نفسه إنه "لم يستمع إلى أغان بعد أن بلغ سن الـ15، وإن زوجته المتدينة جدا حرمته من مشاهدة التلفزيون طوال 10 سنوات في الولايات المتحدة. ويضيف نوري: "كان السيد ظريف بمثابة الإطار القانوني للمفاوضات الحقوقية للقرار 589"، حتى أنه عرف بالسيد ."Tantamount Letter"


العدو المحترم!


حرص ظريف خلال تواجده في الولايات المتحدة على أن يخترق المجتمع الأميركي ليلم بالثقافة الأميركية ويشارك في الندوات العلنية والأكاديمية وهو يرتقي سلالم وظيفته في الخارجية الإيرانية درجة درجة، ما جعله يحظى باحترام الكثير من الأميركيين ومنهم مستشار الأمن القومي الأسبق هنري كيسنجر الذي كتب على الصفحة الأولى من كتاب ألفه وأهداه "إلى عدوي الذي يستحق الاحترام… ظريف."!.. .

بسبب إقامته في الولايات المتحدة، اتهمه المعسكر المحافظ بأنه عنصر من عناصر "عصابة نيويورك" التي ضمت دبلوماسيين ليبراليين وموالين لأميركا

وليس هذا وحسب، ففي تلك المرحلة، عرف ظريف بنشاطه الكبير في الولايات المتحدة، ما دفع بصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية إلى كتابة تقرير عنه، قالت فيه إن محمد جواد ظريف كان حاضرا في الجامعات والمحافل العامة السياسية والاجتماعية إلى الحد الذي دفع "ليزا أندرسون" عميدة كلية العلاقات الدولية في جامعة "كولومبيا"، إلى سؤاله إن كان ينوي ترشيح نفسه في الانتخابات الأميركية!

في تلك الفترة أيضا استضاف العديد من الشخصيات الأميركية على مائدته، من بينهم وزير الخارجية الأميركي الأسبق جايمس بايكر.

عاد محمد جواد ظريف إلى طهران العام 1992 حيث عيّن معاونا لوزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية حتى العام 2002، وبقي في طهران عشر سنوات عاصر فيها الرئيسين السابقين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، الذي قرر إرساله من جديد إلى نيويورك ممثلا دائما لإيران في الأمم المتحدة.

بقي ظريف في هذا المنصب حتى العام 2007، وكان عضوا في فريق المفاوضات النووية إلى جانب سيروس ناصري. وبعد أن أقاله الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في العام 2007 انضم ظريف إلى مركز الأبحاث الاستراتيجية (التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام) برئاسة حسن روحاني حيث ألف العديد من البحوث عن الدبلوماسية المتعددة الأطراف، والمنظمات الدولية، والمسارات الدولية الجديدة، وضرورات التوجه المتعدد الأطراف في عالم العولمة، والعدالة السياسية في العالم الراهن- العدالة في العلاقات الدولية وبين الأديان من وجهة نظر المفكرين، ودور المنظمات الدولية في البوسنة والهرسك: الآفاق المستقبلية، وضرورة الإصلاحات في منظمة المؤتمر الإسلامي، والحظر الأحادي الأميركي ضد إيران وخطر التهديد بالسلاح النووي واستخدامه. وقام أيضاً بالتدريس في جامعة العلاقات الدولية بطهران.


"عصابة نيويورك"


دفعت إقامة ظريف الطويلة في الولايات المتحدة ببعض المعارضين على توزيره من داخل المعسكر المحافظ المؤيدين للرئيس السابق أحمدي نجاد، إلى معاداته ومهاجمة ما سموه "عصابة نيويورك" التي ضمت "دبلوماسيين ليبراليين وموالين لأميركا" على حد تعبيرهم وهو مثلهم في عدم التقيد بقيم النظام ويهتم كثيرا بمظهره وأناقته .

واستمر هؤلاء في مهاجمته حتى بعد أن نجح في المفاوضات مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا) في التوصل إلى ما أصبح يعرف باتفاق جنيف لحل أزمة بلاده النووية، وبعضهم في البرلمان أطلق عليه لقب "المساوم المنهزم"، ومن أبرز منتقديه النائب حميد رسائي، الذي هاجم ظريف ورئيسه حسن روحاني مذكرا باتفاقية تعليق تخصيب اليورانيوم التي وقعها روحاني خلال مفاوضات أجراها العام 2003 مع الترويكا الأوروبية بريطانيا وفرنسا وألمانيا(كان ظريف ضمن الوفد الإيراني).

وقال إن ظريف قدم تنازلات مقابل قطعة سكر حصلت عليها إيران، واصفا ما حصل بأنه "كأس سم" تجرعها الإيرانيون على أنه "عصير فواكه" وهدد باستجواب ظريف أمام البرلمان ما لم يعرض الاتفاق على البرلمان لإقراره أو رفضه وفق المادة 125 من الدستور حول الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها إيران مع الدول الأجنبية.

في وقت تخضع فيه أبرز شبكات التواصل الاجتماعي للرقابة في إيران فإن محمد جواد ظريف هو الوزير الوحيد الذي لديه حساب على {تويتر}، وصفحة رسمية على "فيس بوك"

حميد روحاني رئيس مؤسسة توثيق الثورة الإسلامية هاجم ظريف بشدة لأنه تعمد ألا يكشف تفاصيل المقترحات التي قدمها الوفد الإيراني خلال المفاوضات وحرص على سريتها، وصرح "يجب على هذا الأساس أن نعتبر الشعب غريبا ليخرج من الساحة لأنه ليس من المحارم". لكن أحداً من معارضيه لم يشر إلى أن ظريف هو خريج مدرسة "علوي" نسبة إلى الإمام علي بن أبي طالب والتي أسسها العلامة "علی أصغر کرباسچیان" المعروف بالعلامة کرباسچیان العام 1956 كمدرسة شيعية خاصة تقوم على تربية متدينين متخصصين في العلوم المختلفة وتشجعهم على إكمال دراساتهم العليا في الخارج ليخدموا البلاد دون أن يتدخلوا بالسياسة في أوج الصراع السياسي آنذاك مع الشاه والذي توزع على معارضة دينية سياسية قادها المرجع آية الله كاشاني، وعمليات عسكرية تبنتها منظمة (فدائيان إسلام)، ومعارضة وطنية قادها الزعيم السياسي رئيس الوزراء محمد مصدق الذي قام بتأميم النفط قبل أن تسقطه وكالة الاستخبارات الأميركية في العام 1953، وقد استلهم منه ظريف صورة ظلت في أذهان الإيرانيين عن مصدق الذي حضر إلى المحكمة العسكريّة على كرسي متحرك ليحاكم بتهمة التمرد على فرمان الشاه.

ونجحت مدرسة "علوي" في تزويد النظام الجديد بكفاءات تسللت إلى مواقع قيادية في الجمهورية الإسلامية بشكل أثار ريبة لدى أعداء جمعية الحجتية بأنها ربما تقف خلف تأسيس المدرسة التي اتخذها الإمام الخميني مقراً مؤقتا لسكناه بعد عودته من منفاه في فبراير شباط عام 1979.

وقد انتبه نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر وفيسبوك" الذي ينشط فيهما ظريف أيضاً كما ينشط على "يوتيوب"، إلى أنه قلّد مصدق لإرسال رسالة عن وطنيته مقتبسة من وطنية مصدق وليسجل في سيرته الذاتية أن مصدق رمزه، وأنه حافظ على مصالح بلاده في المفاوضات عندما توجه بعد انتهاء جولة المحادثات النووية الأولى في جنيف، إلى المؤتمر الصحفي على كرسي متحرك، نتيجة ألم شديد في قدمه وخصره.

ونجح ظريف في الحصول على تعاطف نشطاء إيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين كتبوا بإعجاب شديد عن الدور الذي يقوم به وزير خارجية بلادهم، وعبّر الكثير منهم عن أسفه لظهوره على كرسي متحرك.

15