محمد حامد: سلاح الكلمة أقوى من سلاح الدبابات والصواريخ

الثلاثاء 2014/10/28
محمد حامد: أنا أكتب ما يعتصرني ويعتصر بيئتي ومجتمعي

دمشق- الكاتب المصري محمد حامد لا يعرف حدودا فهو يتنوع في مجال التأليف من القصص القصيرة إلى البحث في قضايا التراث، صدر له عن دار غراب “الفيس والبنات” و”السابعة والنصف صباح الثلاثاء” و”لا أحد يعبر الجسر”، بالإضافة إلى كتاب يتناول تراث المتصوّف جلال الدين الرومي بعنوان “مولانا أنين الناي”، كان لـ”العرب” اللندنية اللقاء التالي معه في حديث عن شؤون الكتابة والثقافة.

قد يبدو ظاهرا أن محمد حامد يكتب الشعر لكن المتمعن يرى أنه لا يكتب الشعر بصورة دقيقة إلى جانب القصة القصيرة بل على حدّ تعبيره هي “نفثة ربما تخرج على شكل كلمات وجمل قصيرة فيسمونها مقطوعة شعرية، وربما طالت عن ذلك فتكون قصة قصيرة، بوصلتي في الاختيار هو ما أشعر به وما يسكن خلجاتي فيدفعني دفعا للكتابة بأيّ شكل كان”.


تجارب حميمية


في كتابه “الفيس والبنات”، كشف لتجارب حميمة شديدة الخصوصية عبر العالم الرقمي ما الذي دفع حامد ليكون شاهدا على هذه الحالة الجديدة من الممارسات، وهل كان المراقب أم المتورط أثناء عمله على الكتاب، فيجيب عن هذه التساؤلات قائلا: «في هذا الكتاب أحببت أن أرفع راية التحذير والتنبيه للطرفين، فهناك من نصبت فخا لصديقها، وعلى الطرف المقابل حكايا كثيرة، والتورط الحقيقي يكمن في كيفية المواءمة بين أمانة الكلمة والضمير الإنساني، وللعلم أبطال هذه القصص ما زالوا عندي في قائمة الأصدقاء». أما عن نفحة التهكم التي تسود الكتاب فهو يقول «إن سببه غفلة وسذاجة بعضهن مع بعضهم».

كتب محمد حامد عن جلال الدين الرومي في “مولانا أنين الناي”، مقاربا تلك العلاقات المختلفة مع الغيب، ما الذي دفعه للتأليف في هذا المجال؟ فيجيب: «التصوف هو علم المواجد القلبية والرياضات النفسية، والأحكام الباطنية، سئل الجُنيد -وهو من أعلام التصوف- عن التصوف ما هو؟ فأجاب بقوله: “أن نكون مع الله بلا علاقة” وليس التصوف زهدا أو فقرا بإضافة صفات ونعوت فحسب، وإنما هو شيء آخر أبلغ وأروع من هذا كله وأقدر على تهذيب النفس، وتنقية القلب، وتصفية الضمير، هو كما قال أبو محمد الحريري: “الدخول في كل خلق سَني، والخروج عن كل خلق دَني».

من هنا جاءت لحامد فكرة الكتابة عن رائد العشق الإلهي أو كما يحب أن يسميه ” نبي العشق الإلهي” جلال الدين الرومي ويعود ذلك بصورة دقيقة حسب قوله إلى «نُدرة ما كُتب عنه باللغة العربية، فمعظم الدراسات والكتابات إما فارسية أو أجنبية، والرجل له ما له وعليه ما عليه لذا لم أتعرض للجانب العقدي عنده، فلستُ من أهل التصنيف ولا معه، وإنما فكرة الكتاب هو تسليط الضوء على الجانب الشعري والعشق الإلهي عنده فقط، وقد جاء ذلك بدعم من الأستاذ حسن غراب -صاحب دار غراب للنشر والتوزيع- على تبنيه فكرة الكتاب والعمل على نشره وإخراجه بهذا الشكل القشيب».

الكتابة تحتاج إلى قدرات فطرية مركزة في النفس وقارّة في الوجدان


إبداعات شبابية


تمرّ مصر الآن بتغيرات كثيرة على النواحي السياسية، كيف يرى حامد انعكاس هذه التغيرات على الحركة الثقافية بشكل عام؟ يجيب: «ربّ ضارة نافعة! لم أؤمن بهذه المقولة أشدّ إيمانا إلا هذه الأيام، فبعد ثلاث سنوات عجاف على جميع المستويات؛ اقتصاديا، ثقافيا، اجتماعيا.. إلخ، إلا أننا نراها قد أفرزت جيلا من الشباب المدفوع بحب الوطن، وفورة الشباب المبدع، المثقف، والواعي بما يحمله وبما يسعى إليه، وقد أثروا المكتبة الثقافية والإبداعية بكثير من أعمالهم التي وصل بعضها إلى جوائز عربية لها قيمتها المعنوية والفكرية، ومع كل بزوغ صباح جديد يولد كاتب مبدع جديد.. فمصر ولاّدة».

وعن المشهد الثقافي المصري اليوم يحدّثنا بعين الناقد وليس الكاتب: «لم تشهد الساحة الثقافية المصرية زخما أدبيا ومعرفيا ومن نشر على أوسع نطاق في شتى فنون العمل الأدبي والكتابة عامة من قبل، مثلما تشهده هذه الأيام، فظهرت الفرق الأدبية، وظهر إنتاجهم الأدبي والفكري، وظهر كتاب لا تتعدّى أعمارهم الـ20 عاما، كما ظهر مبدعون يتناولون الكتابة الأدبية لأول مرة، وقد حققت أعمالهم رواجا كبيرا». ويضيف متوجها إلى الناشرين الجادين: «افتحوا أبوابكم لهؤلاء الشباب.. احتووهم.. تبنوا أعمالهم الإبداعية بالنشر والتوزيع ولا ترهقوهم بالأمور المادية والتكلفة والسعي إلى توفير الأموال حتى يطبعوا أعمالهم.. ارفعوا عنهم التكلفة.. دعوهم يتفرغوا للكتابة والإبداع.. عليكم توفير المال.. وعليهم الإبداع!».

أما عن نفحة الكآبة التي تسود المجموعة يُعقب حامد بأنها ليست بكآبة على قدر ما هي انعكاس لصورة تكاد تكون شبه حقيقية في مجتمعنا وتحدث بكثرة، نراها بأعيننا، تلامس شغاف قلوبنا ويضيف: «أنا لست مع كتابة الخيال غير الواقعي، أكتب ما يعتصرني ويعتصر بيئتي ومجتمعي».

هناك سرد أقرب للشعري في لغة حامد القصصية، وكأن صوت الراوي يعلو على صوت شخصياته فيعلق حامد محللا: «حين نقرأ القصة تتمثل الحادثة فيها، ولكن من خلال تلك الألفاظ المنقوشة على الورق، أي: من خلال اللغة. والسرد هو نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية، فحين نقرأ مثلا: “وجرى نحو الباب وهو يلهث، ودفعه في عنف، ولكن قواه كانت قد خارت، فسقط خلف الباب من الإعياء” نلاحظ هذه الأفعال: جرى، يلهث، دفع، خار، سقط، تكوّن في أذهاننا جزئيات الواقعة، ولكن السرد الفني لا يكتفي عادة بالأفعال كما يحدث في كتابة التاريخ، بل نلاحظ دائما أنه يستخدم العنصر النفسي الذي يصوّر به هذه الأفعال “وهو يلهث، في عنف، من الإعياء، في المثال السابق”، وهذا من شأنه أن يكسب السرد حيوية ويجعله لذلك فنيّا».


سلاح الكلمة


ليس المهم فعل الكتابة ذاته، لكن الأهم الكتابة الإبداعية فهي الباقية الصامدة في وجه أي إرهاب أو تغير مناخي

الخطاب الأصولي المتشدد الذي ينشط في المنطقة يهدد الحركة الثقافية ويغتال الإبداع، فكيف يرى محمد حامد دور الكتابة في الوقوف في وجه هذا التيار؟ يوضح: «سلاح الكلمة على مرّ التاريخ الإنساني كان أقوى من سلاح الدبابات والصواريخ، وليس المهم فعل الكتابة ذاته، لكن الأهم هو الكتابة الإبداعية فهي الباقية الصامدة في وجه أيّ إرهاب أو تغيّر مناخي، على أن الكتابة الإبداعية ليست مخصوصة بمرحلة معينة، أو زمن معيّن، ولكنها تتطور بتطور الخبرة الإنسانية».

ويرى أن الكتابة الإبداعية عملية شاقة كالصعود إلى أعلى التل حيث يتساقط الضعفاء في الأثناء، بينما يواصل الأقوياء طريقهم بتؤدة كي يصبحوا كتابا جيدين، حتى يستطيعوا مقاومة أي نوع من الإرهاب.

هناك موضوع العلاقات الإنسانية والتغيرات التي تخضع لها طاغ في قصص محمد حامد، كيف يحدّد هذه التغيرات في ظل ما تمرّ به المنطقة وخصوصا مصر؟ فيعقب: «الكتابة تحتاج إلى قدرات فطرية مركزة في النفس وقارّة في الوجدان، فهي تعبّر عن رؤية متفردة ذات أبعاد شعورية ونفسية وفكرية، تنم عن حساسية خاصة تجاه التجارب الإنسانية، وتقوم على الابتكار”.

15