محمد حسنين هيكل مفكر مستقل أم مؤلف لجمهوريات الخوف

الأحد 2014/12/28
صحفي انحاز إلى الأقوى مستعيرا عصا الحكم والحكمة

لم تخل السجالات الفكرية والسياسية في مصر، في جميع مراحلها، من اسم الكاتب والصحافي محمد حسنين هيكل، فهو القادر دائما على اختيار وقت الظهور ووقت الاحتجاب يعرف خصومه بأكثر مما يعرفونه، ويعرف أصدقاءه ومصالحه بنفس الدرجة من الإتقان.

هذه خيارات هيكل التي تعاظمت واستعصى عودها في أندر المدارس الصحافية العربية والعالمية، إنها مدرسة “الأستاذ” كما يلقبه تلامذته والمفتونون به في مصر وخارجها، من هنا لم يكن من النادر أو الغريب أن تكون شخصية هيكل بين أكثر الشخصيات السياسية والفكرية إثارة للجدل والسجال والخلاف، فهو خليط معقد من مدارس سياسية وفكرية وصحافية تبدو متناقضة للوهلة الأولى.

مع أنه تربّى في مدرسة روز اليوسف الصحفية ثم في مجلة آخر ساعة ضمن مدرسة علي ومصطفى أمين ومحمد التابعي لكنه أسس مدرسته الصحافية على النقيض من عقيدتهما الصحافية التي تقوم على الفهم الشعبوي الذي يمجد الجماهير بما هي عليه، وهذا النوع من الصحافة لا يأبه أحيانا بالدور الارتقائي للرسالة الصحافية ويتعامل مع الوعي الأفقي للجماهير بدرجة عالية من القبول.

في حين أن مدرسة هيكل، حرص فيها على أن يبدو تأسيسها مرتبطا بمشروع الحداثة، الذي كان يتجه إلى إعادة صياغة البنية العقلية للأمة، على قواعد تعيد الاعتبار للمفاهيم العقلية في مواجهة صحافة الموعظة والخطابات المنبرية التي اعتمدت على ترسيخ مفاهيم هيراركية وماضوية، عبر لغة إنشائية كانت تتمسك بلغة الدواوين، وكان هذا المفهوم مرتبطا أشدّ الارتباط بصعود الدولة القومية التي استهدفت نقل هذا المشروع التحديثي من كونه فكرة نظرية إلى نطاقه التطبيقي ليتجلى في الأداءات اليومية عبر تصوراتها للمستقبل على المستويين السياسي والاجتماعي، وهو ما حاولت الدولة الناصرية التعبير عنه.

كانت وما زالت مؤسسة الأهرام أعلى تمثيلات المدرسة الرصينة والموضوعية، حيث دخلها هيكل رئيسا لها في العام 1957 ولم يغادرها سوى في العام 1974، بعد التحوّلات الدرامية التي شهدتها الحقبة الساداتية، انقلابا على نهج الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الذي يعدّ هيكل أحد أكبر منظري مشروعه الفكري والسياسي، وكان خروج هيكل من الأهرام واحدا من ملامح ذلك التحوّل.


تحولات درامية


أما على المستوى السياسي فقد طورد الرجل من كافة التيارات على وجه التقريب، فصورة هيكل لدى اليسار الراديكالي هي مجرّد إصلاحي تحالف مع البرجوازية الناصرية، التي كانت مناهضة للمشروع الماركسي اللينيني الذي تبنته الأحزاب الشيوعية فيما قبل ثورة يوليو، واستمرّ مطلبا لها حتى تاريخ حل الحزب الشيوعي المصري في العام 1964، كما يوصف من الليبراليين وعلى رأسهم حزب الوفد المصري بأنه واحدا من أعدى أعداء الحرية الفردية والديمقراطية والتعدد باعتباره ممن دعموا إغلاق الأحزاب السياسية بعد صعود ثورة يوليو، وظل ولا يزال يرى أن تلك الأحزاب سبب في ضعف السياسة المصرية، ومن ثمّ ضعف الدولة، فقد كانت الصراعات السياسية بين أحزاب الأقلية مزمنة وخطيرة، لا سيما في إطار تحالفاتها غير الأخلاقية مع الملك مرات ومع الاحتلال مرات أخرى.

في الوقت نفسه نظر اليمين الديني لهيكل بعين الارتياب فهو أحد أعداء ما يسمى بالدولة الدينية، فقد كانت ولاءاته منذ الملكية ذاهبة في طريق تأييد الدولة القومية التي أسس فكرها النظري ساطع الحصري وعبدالرحمن الرافعي وغيرهما، وهي الدولة التي تتناسل من دولة محمد علي ثم توسعت رئتها بالبعد العروبي، حيث تبلورت التوجهات القصوى لتلك الدولة بانشقاقها الجذري عن السلطنة العثمانية كممثل أخير للدولة الدينية، وكان تأييد هيكل لعبدالناصر في موقفه من الإخوان المسلمين في أحداث 1954 وأحداث 1965 علامة فاصلة في موقف التيار الديني منه.

استمرّ هذا الموقف قائما حتى العام 2013، عندما أيّد هيكل إطاحة الرئيس الإسلامي محمد مرسي من الحكم، بل كان يرى أن وصول الإخوان المسلمين للحكم كارثة بكل المعاني رغم تأكيده على حقهم في المشاركة في الحكم، وأشار عند لقائه مرسي في قصر الاتحادية بعد توليته الرئاسة إلى أنه طرح كل الأسئلة الشائكة على الرجل لكنه لم يتلق أية إجابة، ومن بين هذه الأسئلة التي ذكرها: كيف سيتعامل الإخوان مع قاعدة الأمن القومي وهي قاعدة عربية وليست إسلامية؟ كيف سيتعاملون مع وزارة الداخلية وهي خصم قديم للإخوان؟ كيف سيتعاملون مع الجيش وهو الجزء الأهمّ من قاعدة الأمن القومي؟ كيف سيتعاملون مع التعليم وهو يمثل العقل العام الذي لم يتربّ في حاضنة الحكم الإسلامي؟

دأب رجال ودعاة الإخوان المسلمين على الهجوم على هيكل وكان من بين أبرز مهاجميه يوسف القرضاوي، وجلال كشك الذي وصفه بالكذاب وقال إنه لا يتحدّث عن أية وقائع إلا بعد موت أطرافها.

لم تتغير على مدار الزمان تصورات هيكل الجوهرية حول أعمدة الدولة المصرية وفي القلب منها المؤسسة العسكرية رغم ملاحظاته حول الأداءات المختلة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة البلاد بعد الخامس والعشرين من يناير


مفارقة ناصرية


المفارقة أن هيكل لم يسلم من الناصريين أنفسهم، لا سيما ذلك الفريق الذي أزاحه السادات من السلطة والذي شكل في نهاية السبعينات حزبا يحمل اسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، فقد اعتبره هؤلاء واحدا من شركاء السادات في إزاحتهم من سدة الحكم في ما سُمي بثورة التصحيح خلال مايو عام 1970، حيث كان هيكل واحدا من مؤيديها، ودعا الشعب إلى الوقوف خلف رئيسهم وقتها، ويذكر التاريخ أنه كتب ثلاثة مقالات بجريدة الأهرام، أكد فيها أن السادات سيظل قائدا تاريخيا لشعبه وهي قيادة يتضاءل أمامها كرسي الرئاسة إلى جوار مقعد القائد والزعيم الذي يمثله السادات نفسه، غير أن حصاد حرب أكتوبر وتوجهات السادات نحو الغرب، ومتحصلات علاقاته بالولايات المتحدة كانت جوهر الخلاف الذي أنهى الوجود الصحافي الرسمي لهيكل، لكن خروجه من الأهرام لم يمثل له النهاية، فسرعان ما انتقل إلى وضعية أكبر من كونه صحافيا محليا بحيث باتت مقالاته تنشر في عدد من كبريات الصحف العالمية.

كانت النهاية الفعلية للدولة الساداتية في سبتمبر 1981، حيث قام بالقبض على العشرات من رموز السياسة والثقافة وكان هيكل بين أبرز الأسماء المتحفظ عليها، غير أن الشهر التالي مباشرة شهد سقوط السادات صريعا وسط احتفالات أكتوبر، وكانت أولى قرارات مبارك الإفراج عن كل هؤلاء وعلى رأسهم هيكل، حيث كان لقاؤهما الأول الممتدّ لست ساعات بابا لتصريح بخط مفتوح لهيكل على الرئاسة مباشرة، لكنه خط يبدو أن الرجل لم يستخدمه البتة.

كان موقف هيكل النهائي من مبارك، هو نفس موقفه، تقريبا، من السادات، حيث دعا إلى تأييد مبارك في بداية حكمه، لكن هذه العلاقة ظلت متراوحة حتى تمّ منع المحاضرة السنوية التي كان يعقدها هيكل بمعرض القاهرة الدولي للكتاب منذ نهاية التسعينات، بسبب انتقاداته المستمرة للحكم، ثم جاءت المحاضرة التي ألقاها هيكل في الجامعة الأميركية عام 2002 لتضع نقطة فاصلة في علاقته بحقبة مبارك، حيث كان أوّل من فجر قضية توريث حكم مصر لجمال مبارك، وهي المعركة التي لم يخمد أوارها حتى ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، التي أيّدها هيكل منذ انطلاقها، وهو ما فعله مع ثورة الثلاثين من يونيو.

لم تتغيّر، على مدار ذلك الزمان تصورات هيكل الجوهرية حول أعمدة الدولة المصرية وفي القلب منها المؤسسة العسكرية، فرغم ملاحظاته حول الأداءات المختلة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة البلاد بعد الخامس والعشرين من يناير، إلا أن ذلك لم يغيّر من جوهر موقفه المؤيد للدولة الوطنية، التي يتأسس أمنها القومي في نظره على تعدّد النسيج الوطني وتعميق مفهوم الشراكة المجتمعية على المستوى الداخلي.

أما على المستوى الخارجي فطالما دعا هيكل إلى استعادة المفهوم المتمدّد للأمن القومي المصري، وهو في ذلك تلميذ نجيب لأفكار جمال حمدان، الذي يرى أن عبقرية الجغرافيا المصرية جعلت منها مطمعا تاريخيا، من ثمّ لا يمكن أن يبدأ الأمن القومي من حدود تلك الجغرافيا. وفي إطار القناعات نفسها جاء تأييد هيكل لوصول المشير عبدالفتاح السيسي إلى مقعد الرئاسة، مؤكدا غير مرة، أن الرجل يملك الرؤية والقدرة، وبقصد أو بغير قصد، أفشل سايكس بيكو الثانية في إطار مخطط أميركي واسع لإعادة تقسيم العالم العربي.

صورته لدى اليسار الراديكالي مجرد إصلاحي تحالف مع البرجوازية الناصرية التي كانت مناهضة للمشروع الماركسي اللينيني


منظر جمهوريات الخوف


ربما كان التراكم التاريخي الطويل لرحلة هيكل بين الصحافة والسياسة سببا مباشرا في وصفها بالغموض والالتباس، لا سيما وأنه يتصرف كرجل شديد التحفظ، ينتقي لغته بعناية، سواء كان متحدثا أو كاتبا، كما يختار التوقيتات المناسبة لإعلان مواقفه، وكل ذلك لا يعني أنه ظل بلا أخطاء، وربّما العكس هو الصحيح، فطالما وصف هيكل بأنه منظر جمهوريات الخوف، ولا يستطيع كثيرون داخل النخبة المصرية أن يغفروا له تأييده لثلاثة رؤساء يوصفون بأنهم عسفوا بالديمقراطية. كما أن موقفه من العلاقات المصرية الأميركية في الحقبة الناصرية كان ولا يزال غامضا لدرجة دفعت بعض خصومه لاتهامه بأنه عميل للمخابرات الأميركية، كما يشكك آخرون في أسباب خلافه مع السادات ودعوته إلى التمسك بالعلاقة مع الكتلة الشرقية باعتبار أن انتصارات أكتوبر تمّت بالسلاح الشرقي، فقد كانت الأضابير ممتلئة بالكثير حول أن الخلافات كانت تدور حول استحقاقات هيكل بعد الانتصار.

في كل الأحوال فإن الحصاد الفكري والثقافي والصحافي الذي تركه هيكل جعل منه أحد أهم الصحفيين العرب في القرن العشرين، بالإضافة إلى إرث تضمن أكثر من ستين مؤلفا رفيعا في السياسة والفكر والتاريخ العربي الحديث منذ ما قبل الثورات العربية، التي غيّرت العالم الثالث في منتصف القرن الماضي، علاوة على كتبه التي أصدرها تغطية لأحداث كبرى ضمن الصراعات الإقليمية والعالمية الأكثر حساسية وتأثيرا.

ظل محمد حسنين هيكل فكرة عصية على الابتلاع أو الهضم، لكن ذلك لا يعني أنه معصوم كما يدّعي مؤيّدوه على نطاق هستيري، وأتصوّر أن مفهوم الجمهورية في العالم العربي سيظل مدينا لهيكل بالكثير، فقد كان إدراكه للمسافة التي تفصل بين الجمهورية الأفلاطونية “اليوتوبيا” وبين الجمهورية الأرضية المنشودة، التي يجب أن تسقط ثمارها في أيدي الناس، عاملا مؤثرا في تحوّل الشعارات البراقة إلى حقائق أرضية، وهذا لم يعصم الدولة الناصرية من وصفها جملة بأنها دولة مجانين، وكان هيكل لا شك أكبر هؤلاء المجانين، بل ربما كان مؤسس هذا الجنون ومنظره.

هذا هو هيكل الذي طارده اليمين باعتباره سيّد العُصاة، وطارده اليسار باعتباره ابنا للعقيدة الاشتراكية الناقصة، وطارده القوميون ليحتكروا وحدهم الحديث باسم الجموع، وطارده بعض الحكام لأنه كان أكبر من سوء الطوية.

7