محمد حسن عبدالحافظ: العرب يعانون فصاما تاريخيا

الباحث المصري يؤكد أن القطيعة بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية ينجم عنها تهميش ثقافي متزايد للجمهور من جهة، وانعزال متعاظم للمثقفين من جهة موازية.
الثلاثاء 2019/10/08
النخبة جنت على الثقافة الشعبية

من المغالطات الكبرى في التاريخ العربي النظر إلى الثقافة الشعبية على أنها تخلف وحصرها في مجرد الفلكلور الساذج، وهنا كان بناء ثقافة بمعزل عن محيطها الشعبي، ما ولّد قطيعة كاملة بين النخب المنعزلة والجمهور الشعبي. حول واقع التراث والثقافة الشعبية، “العرب” كان لها هذا الحوار مع الباحث في التراث والثقافة الشعبية المصري محمد حسن عبدالحافظ.

يعد الدكتور محمد حسن عبدالحافظ واحدا من العشاق المخلصين للتراث الشعبي العربي عامة والمصري خاصة على اختلاف تجليات أشكال هذا التراث الثقافية والفنية والإبداعية، لم يكتف بالبحث والتحليل والنقد في أطروحات ودراسات وورش عمل بل ذهب ليعايش حضوره في موطنه حيث ارتاد العشرات من الرحلات الميدانية لجمع عناصر التراث الثقافي غير المادي داخل مصر وخارجها.

وعلى إثر رحلاته الميدانية وبحوثه قدم عبدالحافظ عددا من الرؤى والأفكار في مؤلفات مهمة منها “سيرة بني هلال روايات من جنوب أسيوط” (جزآن)، “مستقبل الحرف التقليدية”، “مدنيَّة الثقافة ومرجعيتها الشعبية”، وغيرها، فضلا عن مشاركته بالنشر في دوريات محلية وإقليمية ودولية.

للثقافة الشعبية تأثير واسع على مختلف أشكال الإبداع
للثقافة الشعبية تأثير واسع على مختلف أشكال الإبداع

الثقافة الشعبية

بداية يوضح عبدالحافظ الأسباب التي جعلت التراث الشعبي لا يلقى الاهتمام والرعاية من الكتاب والمثقفين والهيئات الرسمية الثقافية على الرغم من تجلياته وتأثيراته القوية المباشرة على مختلف أشكال الإبداع. يقول “تتعلق هذه القضية باستلهام الثقافة الشعبية وفنونها في مختلف أجناس الفنون والآداب الحديثة، وهو استلهام ذو مستويات متفاوتة. فعلى الرغم مما يبدو من تأثير واسع للثقافة الشعبية على مختلف أشكال الإبداع، إلا أن القليل جدّا من الإبداع الفردي هو ما يعكس جوهر الثقافة الشعبية. وفي تصوري، فإن نقاش قضايا استلهام المأثور الشعبي في الأنواع الأدبية والفنية الحديثة يعوزه حضور باحثين في الثقافة الشعبية ومبدعين شعبيين، لتكتمل أطراف الحوار في هذا الموضوع”.

ويرى الباحث أن موضوع التراث تعرض إلى تسطيح ومغالطات كثيرة، نتيجة فقر وعي النخب بفلسفة الإبداع الشعبي وشروط إنتاجه وسياقات أدائه وتداوله، هذا الفقر الذي أدَّى، منذ زمن بعيد، إلى تعطيل الاتصال بفنون الثقافة الشعبية الوطنية، بل تجريمه أحيانا، لصالح التبعية الذهنية للغرب، بالرغم من أن الرواية الغربية نفسها نشأت على التراث الأدبي الشعبي، على نحو ما تشير إليه مقولة جورج لوكاتش “الرواية ملحمة العصر الحديث”، لكن الرواية العربية لم تنشأ بوصفها ملحمة عصرها، رغم امتلاك تاريخ الأدب العربي لتراث ومأثور سردي شعبي عظيم القيمة الجمالية “السير الشعبية، وألف ليلة وليلة، على سبيل المثال”، والأمر نفسه أكثر فداحة في الفنون الأخرى.

ويستدرك عبدالحافظ “لكن هناك دوما أعمال إبداعية وجهود علمية كاسرة، على ندرتها، لهذه القاعدة، بقيمة إبداعات فرنسوا رابليه وبورخيس وفؤاد حداد ومحمد المرزوقي وصلاح الراوي ودرويش الأسيوطي وعبدالستار سليم ومسعود شومان وغيرهم”.

ويؤكد عبدالحافظ أن ثمة فصاما تاريخيا بين الرسمي والشعبي، وبين الشفهي والكتابي، في الثقافة والأدب والفن والفكر. وفي الحقيقة، ليس ثمة امتياز للثقافة المكتوبة “العالمة” على الثقافة الشعبية “الشفهية” في مضمار التعبير عن الذات، فكلاهما يشكل طريقة من طرائق هذا التعبير، إلا في ما بينهما من تفاوت في درجة النظام والتعقيد، حيث تبدو الثقافة المكتوبة أكثر تراكما. غير أن المحنة لا تكمن في هذا الجانب، نعني ليست في وجود فوارق في أنماط التعبير، وفي درجات النظام فيه؛ بل تكمن في مستوى التمثل لدى كل منهما؛ ذلك لأن هناك قدرا من التفاوت في وعي كل من الثقافة المكتوبة “الرسمية أو العالمة” والثقافة الشفهية “الشعبية”. يتبدى ذلك بوضوح في مجال كتابة تاريخ كل منهما، حيث يبدو أن التاريخ الوحيد الذي حُفظ بعناية فائقة في معظم المجتمعات هو تاريخ الثقافة المكتوبة، فيما لم يحظَ تاريخ الثقافة الشعبية “أو ما يعرف بالتاريخ الشفهي” باهتمام كبير يليق بمكانته في بناء المجتمع الثقافي.

الثقافة الشعبية تعبّر عن درجة ما من الاستمرارية التاريخية لنظام التمثلات الجماعية ‘الوطنية والقومية‘ للعالم، الموروثة عن أزمنة سابقة

ويضيف “تعبِّر الثقافة الشعبية عن درجة ما من الاستمرارية التاريخية لنظام التمثلات الجماعية ‘الوطنية والقومية‘ للعالم، الموروثة عن أزمنة سابقة. ليس معنى ذلك أن الوعي الشعبي ظل راكدا أو مغلقا أمام تيارات التحول التاريخي؛ بل يعني أنه وعى ذلك التحول نفسه من منطلق بنيات ذهنية متشكلة سلفا بتأثير الخيال الجمعي التاريخي المكتنز بالرموز والمعتقدات الراسخة. إنها ثقافة ‘طبيعية’، مطابقة في سيرورتها لتطورالمجتمع الأهلي العربي. وعلى العكس من هذا التكوين، تبدو الثقافة العالمة وقد نشأت في سياق تطور مختلف عن تطور بني المجتمع العربي. لقد خرجت من رحم التحول الذي تعرض له البنيان العربي عقب التدخل الاستعماري الغربي العسكري والاقتصادي والثقافي منذ مطلع القرن التاسع عشر”.

ويتابع الباحث “إذا كانت الدولة الحديثة قد خرجت من رحم الإدارة الاستعمارية بعملية ولادة قيصرية، ولم تخرج نتيجة تفكك طبيعي للبِنَى التقليدية، وإذا كان الاقتصاد الرأسمالي هو حاصل تدمير استعماري للبِنَى الاقتصادية التقليدية العربية، وليس نتيجة تفكك ذاتي لها، فإن الأفكار الحديثة خرجت بدورها إلى الوجود في سياق النجاح الاستعماري في توليد ثقافة جديدة في الفضاء العربي المحتل، وليس ضمن سياق من التطور الطبيعي. لذلك، انحصرت هذه الثقافة في أوساط النخب من كل الاتجاهات، ويعاد إنتاجها دوما بما يشبه عملية صياغة جديدة لكيان ثقافي منغلق، مستقل عن الكيان الثقافي الشعبي، ومواز له في الوقت نفسه”.

ويشير عبدالحافظ إلى أن هذه القطيعة بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية تغذي قطيعة نظيرة في ميدان التواصل الفكري بين المثقف والجمهور، وينجم عنها تهميش ثقافي متزايد للجمهور من جهة، وانعزال متعاظم للمثقفين من جهة موازية.

صيانة التراث

تاريخ الثقافة الشعبية لم يحظَ باهتمام كبير يليق بمكانته
تاريخ الثقافة الشعبية لم يحظَ باهتمام كبير يليق بمكانته

حول حرب الثقافة الرسمية جنبا إلى جنب مع الدين الرسمي لتجليات المعتقدات الدينية والشعبية في محاولة لمحوها من خلال اتهامها بالتخلف والجهل والكفر، يلفت عبدالحافظ إلى أن “هذه الأزمة ناتجة عن أوهام الصفوة التي تمتلك وسائل وأدوات الحكم على الثقافة الشعبية وعلى جماعاتها، وهي في حقيقة الأمر نخب جاهلة بالثقافة الشعبية وبأصحابها، وهي التي ترمي الجماعات الشعبية بالتخلف، وتصمها بأنها سبب التراجع والفشل، وهي التي سمحت للتيارات السلفية بتخريب حياة الناس، باسم الدين، والحرب على منظومة عاداتهم وتقاليدهم ومعارفهم الموروثة والمتراكمة منذ آلاف السنين، إذ وضعتها في كفة ‘الحرام‘، على غرار كفة ‘التخلف‘ النخبوية، وكفة ‘العيب‘ الطبقية، تقريبا لم يسلم أي شيء في الثقافة الشعبية من هذه الأحكام الجائرة، خاصة الممارسات الشعبية الصوفية، والتصورات والممارسات الاعتقادية حيال الموت: المراثي الشعبية ‘العديد‘، وأساليب الدفن وزيارة القبور وذكرى الوفاة، والاحتفالات الدينية الشعبية كموالد الأولياء والقديسين، وأنماط الزي والزينة الشعبية، والأمثال والأغاني والألعاب والموسيقى والرقص والتشكيل.. إلخ”.

وحول أسباب بعد التراث الشعبي عن التدريس لطلاب المراحل التعليمية ما قبل الجامعية، يقول عبدالحافظ إن هذه إحدى النتائج لجنايات النخبة في حق الثقافة الوطنية وفي القلب منها الثقافة الشعبية، وأنا أتحدث هنا، وفي سياقات أخرى، عن الحالة المصرية. إننا نجدـ منذ عقود ـ ممثلين لها داخل الأجهزة واللجان الرسمية المنوط بها رسم السياسات التعليمية، وكذلك نجد معلمين وأساتذة جامعة ينصبون العداء للثقافة الشعبية وفنونها وجماعاتها، وبعضهم متخصصون.

وعن الاهتمام الخاص الذي توليه دول الخليج العربي خاصة الإمارات لتراثها الشعبي المعنوي والمادي، يشير عبدالحافظ إلى أنه في الإمارات على وجه الخصوص هناك توجهات وإرادة سياسية على النظر إلى الثقافة الشعبية بوصفها ركيزة الثقافة الوطنية وقلعتها، فضلا عن عضوية واندماج حكامها وشيوخها مع شعبها ومجتمعاتها، وكان للطفرة التي نتجت عن اكتشاف النفط أثر في ترسيخ هذا التوجه بصون التراث الثقافي الإماراتي وحمايته بمختلف الوسائل، وتعد الإمارات في هذا الشأن نموذجا عالميّا يحتذى به.

ويلفت إلى أن “معهد الشارقة للتراث” الذي تأسس سنة 2014 يعد ضمن المشروعات المؤسسية الكبرى حيث يسهم في إعداد كوادر من الباحثين الإماراتيين والعرب المدربين على صون تراثهم الثقافي، وعلى القيام بإجراء المسوح الميدانية لحصر التراث الثقافي وحفظه وتوثيقه، وإجراء البحوث والدراسات باستخدام مناهج البحث العلمي. كما افتتح سموه مركز التراث العربي، ويعد مركزا محوريّا لمعهد الشارقة للتراث. يعمل على تنفيذ حزمة من البرامج والمهام في مجال جمع عناصر التراث الثقافي العربي، ودراستها، ورقمنتها، بأحدث الأساليب والأدوات، وعلى وفق المعايير الدولية. ويضم مبنى المركز عددا من الأقسام والوحدات العلمية والتقنية.

15