محمد حسين الأطرش: أنا بين اسمين واحد أعرفه وآخر يعرفني

الجمعة 2015/02/20
محمد حسين الأطرش: العمل الفني هو محاولة تجسيد للواقع

إذا كتبت مقالا عاود قراءته مرة ثانية وثالثة ورابعة. تذكّر، أن في الخارج ينتظرك رجل ينسب الدين إليه أو ينسب نفسه إلى الدين، بهذه الكلمات المباشرة يطلب ضيفنا بوضوح ممّن يمتهن الكتابة فعلا طبيعيا للتعبير عن ذاته أو عمّا يحمل من أفكار، هو هنا لا يختصر الرقيب في الجانب الديني فقط، وإن كان يقرّ أنّ المؤسسة الدينية هي جزء من المؤسسات التابعة للمستبدّ وإنّما يصف الحياة في ظل القمع، همّه البحث عن قيمة الحريّة التي تصقل الهويّة، دون الرجوع إلى نوع اللباس وشكل الوجه وأصل العرق.

محمد حسين الأطرش روائي لبناني، ولد عام 1971 في بلدة عرسال، وارتحل إلى كندا حيث يقيم مع عائلته منذ سنوات، يعمل بالمحاماة، وأصدر روايته “مريم: ذاكرة وطن”، وإلى جانب اشتغاله بالمحاماة والأدب قام بتأسيس الصالون الثقافي “الأندلس” في كندا، ورأَسَ تحرير جريدة المستقبل الكندية، عن روايته الأولى وروايته التي يعمل عليها اليوم استضافته “العرب” في هذا الحوار


الأدب والواقع


روايته “مريم: ذاكرة وطن” التي صدرت في طبعتين عام 2012، تتضمّن ملامسة للحالة الاجتماعية اللبنانية في “كفر المنسي”، فضلا عن دخولها في سراديب المخابرات السورية، وهنا تعامل محمد حسين الأطرش مع النص روائيا وإنسانيا، فكانت -كما يقول- رواية لمكان ممتد زمانا، إلى أن تتوقّف عند زمن معين، وهذا لا يعني مطلقا أنها لا تتكرر كل يوم، إذ كانت “كفر المنسي” قرية لبنانية لها شبيهاتها في كل بلاد العرب، وخصوصا في العراق وفلسطين وسوريا، هناك حيث تزدهر صناعة التوابيت والأكفان، واستيراد الأحذية السوداء ذات السيقان الطويلة، وكذلك السيوف على حدّ وصف ضيفنا.

ففي الرواية لا يمكن التحدّث عن أزمنة، فالزمن الطاغي هو توقيت الموت الذي يمتدّ عبر السنوات، هي ذات الحالة في استرجاع فصل من رواية باللجوء إلى سلخ هذا الفصل، ووضعه بين دفتي كتاب، فيبدو لحظة القراءة الآنية استعادة لماضي رحل، ويبدو لحظة القراءة المتأنية استشرافا لحاضر نعيشه.
الرواية تشبه القرص المدمج، بحيث تضغط الشخوص والأماكن، بما يتيح تقديم صورة مكثفة لقضايا تهم القارئ

“مريم: ذاكرة وطن”، العمل الروائي الأوّل، وهنا العنوان المؤلّف من جزأين بين مريم الأنثى، وذاكرة الوطن التي يقول عنها الأطرش: إنّها مشهد مسرحيّ يتكرّر بصورة يوميّة، خلفيّته شاحبة إلى حدّ الموت، بينما على الضفّة المقابلة يقف شعب مقهور، سجين إطار من أربع عوارض خشبية تحبس كلّ ألمه وعذاباته داخله، وظلّ أسود قاتم لحذاء عسكري، تتماهى فوقه عمامة رمادية اللون.

ذاكرة الوطن مؤرّقة متعبة تعيش فينا ونعيشها بكل تفاصيلها، ومهما فعلنا لا نستطيع مغادرتها فالعمل الفنيّ هو محاولة تجسيد للواقع، بحسب المدرسة أو النوع الذي ينتمي إليه صاحب العمل. لذلك وجد ضيفنا الأدب والحقيقة واقعين منفصلين ومتقابلين، كمرآة في مواجهة أخرى، وكل منهما مدخل لواقع خاص، دون أن يمنع ذلك انعكاس مشهد على المرآة الأخرى، وهذا الانفصال يصبح أحيانا غير مرئيّ، عندما ينجح الكاتب في صياغة الواقع ببعده الروائي.

ضيفنا لا يجد حرجا في إعلان عجزه عن فعل أيّ شيء سوى الكتابة، فهي الفعل الوحيد الذي يحمل شكلا من أشكال الاحتجاج والاعتراض، فالرواية في عقله الباطن تشبه القرص المدمج، بحيث تضغط الشخوص والأماكن، بما يتيح تقديم صورة مكثفة لقضايا تهمّ القارئ أو تلامسه، وقد تثير اهتمامه أيضا، كما أنّها تطرح أسئلة الكاتب وربما أسئلة المتلقّي، وهنا يصرّح ضيفنا أنّه يمارس الكتابة ليشعر بالبقاء على قيد الحياة رغم كلّ شيء.


الشرق ليس وطنا

الرواية مشهد مسرحي يتكرر بصورة يومية لشعب سجين


الروائي اللبناني يقيم في كندا منذ سنوات طويلة، وهذا ما أتاح له -كما يقول- التعرّف على الآخر واكتشاف طرق التعامل معه، ضمن إطار معنى “الاختلاف” وكيفية التحاور.

في الوطن الجديد يسقط “الأبدي” الذي ورثته ويدفعك للتعامل مع ضرورة السعي إلى التغيير، وهنا تبرز ثنائية الوطن والوطن البديل، بينما عند ضيفنا يغيب الوطن الأول نهائيا، فالشرق لا يرقى إلى أن يكون وطنا يمنح قاطنيه صفة المواطنة، بكل ما تعنيه من مساواة في الحقوق والواجبات، من أمن واستقرار وتحقيق لكرامة الإنسان، حيث تسكن فيه أنظمة القمع والاستبداد والتمييز على أساس طبقي واجتماعي وديني وطائفي وحتى قومي.

إشكالية الوطن بين ثنائيتين تنسحب أيضا عند ضيفنا إلى إشكالية الهويّة، فهو يؤمن بمقولة محمود درويش “الهوية هي ما نورث لا ما نرث”.

الهوية بالنسبة إليه هي الهوية الثقافية للفرد بكل أبعادها؛ الفلسطيني يبقى فلسطينيا ولو حمل جنسية إسرائيلية، والعربي يحمل الجنسية الكندية فيصبح مواطنا كنديا ذا هوية عربية، وهذا ما يتيحه المجتمع الذي يؤمن بالتعددية الثقافية.

بالمقابل هناك أشخاص من أصول مختلفة صاروا مع مرور الزمن يحملون ثقافة الوطن الذي يعيشون فيه، ولم يحتفظوا من هوياتهم الثقافية سوى بالاسم فقط، أما على المستوى العربي فيرى ضيفنا أنّنا لا نعيش فقط أزمة هويّة، بل نعيش إخفاقا كبيرا في إنتاج الدولة الحديثة وتحقيق دولة المواطنة.

بوضوحٍ مطلق يقول الأطرش إن النزوح واللجوء ليسا ترفا، لأن الكثيرين يقدمون عليهما وهم مدركون تمام الإدراك، أن ما يفصلهم عن الموت ضئيل جدا، لكنهم يهربون من موت محقق على أمل النجاة من موت آخر، ولو بنسبة لا تتعدّى لحظات موجة عاتية.

محمد الأطرش قادم إلى عالم الأدب من خلفية دراسته الحقوقية، وهو يؤمن بأنّ القانون وضع للحمقى عندما يغيب العقل، فهو بمفهومه الوضعي وجد لتنظيم حياة البشر فيما بينهم، وليحقق ذلك ينبغي له أن يولد في مجتمع توافق أهله على صيغة لعقد اجتماعي ينظم علاقاتهم ببعضهم البعض، فارضا حقوقا وواجبات قائمة على المساواة فيما بينهم، ويتيح هذا العقد الاجتماعي إنتاج سلطة منتخبة تسهر على تطبيق ما وضع من قوانين وأنظمة، وهذه السلطة خاضعة هي نفسها لأصول وقواعد تتيح لأفراد هذا المجتمع محاسبتها على أدائها، وعندما لا يكون الأمر كذلك يصبح القانون للحمقى، لأن شريعة الغاب تعود للسيطرة، وحينها يأكل القويّ الضعيف ويصادر حقّه في الحياة، وبصيغة أدق يقول الأطرش: إنّ القانون في هذه الحالة يصبح فقط للخراف.

إشكالية الوطن بين ثنائيتين تنسحب أيضا عند ضيفنا إلى إشكالية الهويّة، فهو يؤمن بمقولة محمود درويش “الهوية هي ما نورث لا ما نرث

صاحب “مريم: ذاكرة وطن” يشتغل اليوم على عمل روائيّ قارب على الانتهاء يدور حول شخصين في شخص واحد، توحّدهما الهويّة ويفصل بينهما الهمّ والأمل والألم، وبين كل هذا يناقش الإشكالية التي تلحق بالمغترب العربي أو المنفي الباحث عن وطن، كما يحب أن يسميه، ليكون كما قال في مقطع من الرواية التي لم تنشر بعد:

«.. اسمين، معلق أنا بينهما، واحد أعرفه وآخر يعرفني. لغتين، معلق أنا بينهما، واحدة أقرأها وأخرى تقرؤني. وطنين، مصلوب أنا بينهما، الأول لم أختره والثاني اختارني. مرمي أنا بحجر كمهاجر لا ينتمي انتماء كاملا لوطن الإقامة، وبحجر آخر كنصف مواطن لبلد المولد”.

15