محمد خاتمي.. باب إيران إلى الخلاص من انتحار المرشد

السبت 2014/02/01
شخصية خاتمي المفكر أكثر وضوحا من شخصيته كرئيس للجمهورية الإيرانية

يؤكد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي على الفارق بين مفهومي الحضارة والثقافة، فالحضارة عنده هي الآثار المادية للحياة الاجتماعية وجميع المراكز والمؤسسات، أما الثقافة، فهي جملة المعتقدات والعادات والتقاليد والتراث الفكري والعاطفي، الذي تمتد جذوره في المجتمع.

في هامبورغ الألمانية، عاش محمد خاتمي، في السنوات التي سبقت تفجّر الأوضاع في طهران، وكان على رأس المركز الإسلامي في أوروبا، مخالطا العمل الأوروبي والحياة الديمقراطية الغربية، بعد أن جاء من إيران الشاه، محمّلا بأفكار حوزة قم، ولكن أيضا بالعلوم الفلسفية والتربوية التي درسها في أصفهان. وكان قد ولد في أدركان في إقليم يزد في العام 1943، وأمضى قسطا غير قليل من حياته في البحث العلمي والنظري، وتحصيل الفكر والإطلاع على مدارسه المختلفة.

سمحت له علاقته بأحمد خميني أن يقترب من قيادة الثورة الإيرانية من منابعها، وتكون له الصدارة في الدوائر السياسية العليا في أكثر من مستوى. وحين بدأت الحرب العراقية الإيرانية، تولى خاتمي منصب نائب ثم رئيس هيئة القيادة المشتركة للقوات المسلحة، ورئيس قيادة الحرب الدعائية، ووزير الثقافة والتوجيه الإسلامي في العام 1989.

بعد الحرب، بدأت تتفارق طرق خاتمي مع فكر المرشد الجديد، فهو ابن مدرسة منتظري والخميني الفكرية التي رأى فيها وهجها وعيوبها أيضا، وهو الذي تخصّص في علم الاجتهاد في قم بعد دراسته للفلسفة، اضطرته مواقف المرشد الخليفة خامنئي إلى الاستقالة والابتعاد.

ولكن الرئيس رفسنجاني أصرّ على تقريبه منه، ليكون مستشاره السياسي في العام 1992، علاوة على تكليفه بإدارة المكتبة الوطنية، حتى جاء العام 1997، حين أصبح رئيسا لإيران بعد فوز ساحق في الانتخابات وفّرت له أكثر من 70 بالمئة من أصوات الناخبين، ليبدأ تطبيق مشاريعه الإصلاحية التي بدأت تظهر كثورة على الثورة في إيران؛ الأمر الذي دفع بعض قادة الجيش إلى تدبير محاولة انقلاب بقيادة قائد الحرس الثوري سيد محمد حجازي. ولكن تلك المحاولة فشلت، فبدأت عمليات تقويض مشروع خاتمي على يد المرشد ذاته خامنئي.

خاتمي الوحيد من بين رؤساء إيران الذي أيد الثورة السورية وحق الشعوب في الحرية والكرامة


خاتمي يواجه ولاية الفقيه


أعلن خاتمي عددا من الخطوات قبيل فوزه بالرئاسة، لتكون برنامجا انتخابيا متكاملا، وبدأ بالعمل على تطبيقه فور فوزه بالرئاسة. وكانت أولى شعاراته التطبيق الحقيقي للحياة “الديمقراطية” وتأسيس فكرة أن القانون فوق الجميع، إضافة إلى رفع مستوى حياة المجتمع في مختلف المجالات.

وتوجد في إيران حياتان مختلفتان تعيشان بالتوازي جنبا إلى جنب، الحياة الانتخابية النقابية والبرلمانية والرئاسية، من جهة ومن جهة أخرى، تقابلها الحياة الإمامية التي يفرضها ويقوّيها ويحميها الولي الفقيه، الذي يختار ويعيّن المسؤولين من أعلى الهرم، وليس ضمن القاعدة الانتخابية الديمقراطية. وهذا ما واجه خاتمي منذ اليوم الأول لجلوسه على كرسي الرئاسة. وبدأت صراعات متواصلة تطفو على السطح.

فأصبح الرئيس خاتمي مسبّبا للمشاكل مع جميع أجهزة الدولة الإيرانية تقريبا. لكنه عرف أن الحل لا يكمن بالصدام معهم، ولكن بإعادة تنشيط المجتمع المدني ونشر ثقافة القانون، فكانت أولى دعواته للشعب الإيراني إلى طرح الآراء في كل ظاهرة بما فيه شخص المرشد خامنئي ذاته الولي الفقيه.

بدأ خاتمي بتوسيع دائرة الحرية في الصحف والإعلام والثقافة، وشجّع السينما والحوارات السياسية، وأعاد فتح جميع سفارات الدول الأوروبية في طهران. وأعاد هيكلة جهاز المخابرات الإيرانية، وأطلق حوار المذاهب المختلفة في طهران، فكان الرد من المرشد، بنشر سلسلة من الاغتيالات ضد المفكرين المحيطين بخاتمي، والأمر بمحاكمة وزراء خاتمي الذين اختارهم وقرّبهم بتهم مختلفة، منها تلفيق الفضائح الجنسية، والاتهام بازدراء الأديان.

لكن خاتمي ردّ بإطلاق جموع الشباب إلى الشوارع في مظاهرات طلابية ضد قرارات الولي الفقيه. فردّ المرشد باتخاذ قرارٍ بإغلاق عشرين صحيفة إصلاحية دفعة واحدة، فوُوجه بالمزيد من العنف من مجلس الأوصياء على النظام ممثلي الخامنئي في إيران.

تطور الصراع إلى أكثر من توجيه الاتهامات فصدرت أحكام بالإعدام ضد أصدقائه وحلفائه ومستشاريه، تم إلغاؤها بعد المظاهرات العارمة التي اندفعت تندّد بمجلس الأوصياء وقراراته.

قيل عن خاتمي "إنه عرض من أعراض التغيير في إيران وليس سببا فيه"

ولكن خاتمي واصل نضاله ضدهم، فتقدم في خريف العام 2002 بمشروعين كبيرين إلى البرلمان عرفا باسم (مشروع القانون المزدوج) وكان الهدف تقليص صلاحيات مجلس الأوصياء وتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، وتم رفض المشروعين من قبل مجلس الأوصياء، فاضطر خاتمي لسحبهما.

قال خاتمي إن: “الإصلاحات يجب أن تأتي من داخل النظام. وفي رأيي أن الجمهورية الإسلامية هي إنجاز عظيم حققته الثورة الأكثر شعبية التي رأيتها في حياتي، فكونوا مطمئنين إلى أنه لن يوجد أبدًا نظام ديمقراطي بالمعنى الحقيقي للكلمة بعيدا عن الجمهورية الإسلامية”.

ولكن خاتمي بآرائه تلك بدأ يخسر القاعدة الشعبية التي انتخبته، فكان دفاعه عن النظام الإيراني وولاية الفقيه، تراجعا وخيبة أمل بالنسبة إلى مؤيديه. وقال الكاتب الإيراني آزار نفيسي: “إن خاتمي هو عرض من أعراض التغيير في إيران وليس سببا فيه”.


خاتمي.. المفكر والسياسي


لا يستطيع السياسي قطع خطوطه مع خصومه، وإلا خرج بعيدا عن لعبة السياسة، ولكن المفكر عليه أن يكون حاسما في أفكاره ونظرياته. ومن هنا فإن شخصية خاتمي المفكر أكثر وضوحا من شخصيته كرئيس للجمهورية الإيرانية، فهو يرى نفسه كمفكر ومجدّد مصلح، سليل لفكر القرن التاسع عشر وجمال الأفغاني ومحمد عبده، ويؤمن بضرورة دفع الثقافة الإسلامية للانخراط في الحداثة والاختلاط مع ثقافة العالم الغربية.

لم ينظر خاتمي لإيران على اعتبارها كوكبا منفصلا عن العالم الإسلامي من حولها، وكان يبدأ بإيران وأوضاعها ليصل إلى نقد الواقع الإسلامي عموما، الذي لا يمارس فيه الأفراد حقهم الأصيل في صوغ حياتهم، ورأى أن مشكلة إيران والعالم الإسلامي هي “غياب الحرية”، وقد تعرض خاتمي للحرية في عمله الفكري عبر مسارين رئيسيين “إصلاح الداخل”، و”العلاقة بالآخر”. وكان في كتابه الكبير “الديمقراطية وحاكمية الأمة” أسئلة وإجابات حول الحضارة الإسلامية، وعن المستقبل والبيئة والديمقراطية والشورى والأخلاق والاقتصاد.

بعد فشله في الدفاع عن صلاحياته كرئيس للجمهورية، عمل خاتمي على تحسين العلاقة مع المرشد، فبدأ يخسر القاعدة الشعبية التي انتخبته


مجتمع خاتمي


يعرّف خاتمي المجتمع الإسلامي بالقول: “إنه لا يشابهه نظيره في الغرب، لأن ثمة خلافات بينهما منبعها طبيعة التطور التاريخي وسياقات نشأة المفهوم عند كل حضارة، والدور الذي حدّدته كل حضارة للفرد في إطارها، وهي العوامل التي تُكسب المجتمع دوره وتحدد مسؤولياته”. ويرى أنه ليس من الضروري أن يكون هناك تعارض بين الاثنين في كل شيء، فالمجتمع المدني الغربي متفرع، من الوجهة التاريخية ومن حيث الأصول والمرتكزات النظرية، عن الدولة – المدينة اليونانية، ومن النظام السياسي لروما بعد ذلك، على حين أن المجتمع المدني الذي ننشده، له من البعد التاريخي والمباني النظرية أصوله في مدينة الرسول، فتبديل اسم “يثرب” إلى “المدينة” لم يكن مجرد تبديل اسم بآخر، كما أن تبديل “أيام الجاهلية” إلى “أيام الله” لم تكن القضية مجرد تبديل اسم بآخر.


الحوار مع الآخر


رأى خاتمي في الحوار مع الآخر، ضرورة إنسانية تواجهها المجتمعات غير الغربية عموما، عبر خلق مشتركات بين الحضارات غير الغربية، فيستخدم خاتمي تعبير نحن “غير الغربيين” و”نحن الشرقيين” وكذلك “نحن أصحاب الحضارات الدينية”، وحدد خاتمي ثلاثة أهداف لحوار الحضارات، “أولها حل المعضلة المتمثلة في تناقض الأسس الفلسفية والفكرية التي تقوم عليها كل حضارة، والذي يغلب الصراع كنمط للتفاعل، والهدف الثاني وقف محاولات الغرب الهيمنة والسيطرة على الشعوب والحضارات الأخرى، وسعيه إلى تسييد نمط حضاري واحد، فقيام الغرب بالحوار مع الحضارات الأخرى يعني ضمنياً اعتراف الغرب بوجود هذه الحضارات”، واعتبر خاتمي أن ثورة المعلومات، نموذج للحوار “الحقيقي” بين الحضارات، ولمنجزات الغرب التي يتعاطى معها المسلمون، مشيرا إلى أنها تغطي الجوانب العلمية، كما تغطي الجوانب السياسية والثقافية.


الربيع العربي وخاتمي وخامنئي


كان من الطبيعي أن يرى خاتمي في ثورات الحريات، أفقا للفكر الذي طرحه من قبل كحل إيراني إسلامي عام. وقد اختلف في موقفه عن موقف المرشد خامنئي في أنه أيّد ثورة الشعب السوري ولم يقف مع دعم إيران لنظام بشار الأسد. واشتغل فريقه المقرّب على التنديد بالسياسة الإيرانية التي تسببت في ارتكاب جرائم حرب في سوريا، فأعلن محمد شريعتي، المستشار السياسي لخاتمي، بالتباس وتسييس الثورة السورية، معتبرا أن ما يجري في سوريا، ليس له علاقة بالحرب الطائفية، بل ثورة كبقية الثورات التي جرت في باقي الدول العربية. ووصف شريعتي الموقف الإيراني الداعم للنظام السوري، بأنه غير صائب، مؤكدا أن المواقف الإيرانية إزاء ما يحدث في سوريا، كانت ستتغير، لو كان الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي في الحكم، مع عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري.

وأشار شريعتي إلى موقف خاتمي الذي يرى أن الموقف الإيراني التأييدي للنظام السوري، لا يحظى بشعبية داخل إيران وأنه خاسر، ولكن وعلى الرغم من ذلك، حمّل شريعتي المعارضة السورية، مسؤولية عدم القيام بخطوات تجذب إليها الشعب الإيراني.


خاتمي وروحاني


يرى الكثير من المحلّلين أن خاتمي “لم تفرزه ضرورات النظام، بل ضرورات المجتمع الذي اختار حرياته السياسية والمدنية”، مجتمع تمرّد على المؤسسة الحاكمة، أما روحاني المحسوب على تيار خاتمي الإصلاحي فهو يمثل “وجها من وجوه ولاية الفقيه وابن الجمهورية الإسلامية”، ولكن في ظل الظروف الموضوعية والصراع القائم بين القوى، تمكّن من إقناع الإصلاحيين والمحافظين بذاته، كحل وسط.

ولكن خاتمي يبقى واقفا في الظل اليوم، يشير إلى هذا وذاك من أتباع الإصلاح، في لحظة إيرانية فارقة، اتسمت بانفتاح الغرب والولايات المتحدة على الرئيس الجديد باتفاق جنيف النووي، وانغلاق الجميع عليها بشأن تمدّد نفوذها في المنطقة، والحرب الدائرة في سوريا اليوم، ليست سوى حربا إيرانية، إن خسرتها إيران فسيصعد خاتمي من جديد، وإن ربحتها ضد القوى العلمانية والليبرالية في المنطقة، فإن عصراً من الظلام سيغطي ليس إيران وحدها بل كامل المنطقة العربية والإسلامية.

12