محمد خان لـ"العرب": أصبحت مصري الجنسية بقرار جمهوري

الأحد 2014/03/30
فيلما خان "زوجة رجل مهم" و"أحلام هند وكاميليا" من أهم 100 فيلم في السينما المصرية

ليس غريباً أن يكون أبرز المبدعين الذين جسدوا الواقع المصري بصدق وتلقائية وعبروا عن البيئة الشعبية بتفاصيلها الدقيقة من أصول غير مصرية، فقد كان صاحب “المسحراتي” الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد من أصول لبنانية، وكان نجيب الريحاني سورياً، وحمل شاعر الثورة المصرية “بيرم” لقب التونسي نسبة لأصوله التونسية، وغيرهم كثيرون..

الغريب أن أحداً من هؤلاء لم يعان مثل المخرج محمد خان، بسبب انتمائه لأب باكستاني وأمّ مصرية، من أجل الحصول على جنسية البلد الذي وُلد وعاش وأبدع فيه، وقدم عدداً من أجمل الأفلام السينمائية في تاريخ السينما العربية.

محمد خان، الذي اختير اثنان من أفلامه، هما “زوجة رجل مهم”، و”أحلام هند وكاميليا” ضمن أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، حصل أخيراً على الجنسية المصرية، بعد سنوات طويلة من المعاناة للحصول عليها، تلقى خلالها الدعم والتأييد لطلبه من جموع السينمائيين والمثقفين، ليس فقط في مصر، لكن في العالم العربي كله.


حلم حياتي


المخرج الكبير، الذي وُلد لأب باكستانى مولود بالهند، ويحمل الجنسية البريطانية، أكد سعادته البالغة لحصوله على الجنسية المصرية بشكل رسمي خلال الأيام الماضية.

وقال في لقاء خاص مع “العرب”: لا أخفى الجميع سرا أن الجنسية المصرية كانت حلم حياتي الذي سعيت للوصول إليه بكل الطرق الممكنة، مضيفاً: بعد إبلاغي أنني أصبحت مواطنا مصريا لي كل الحقوق وعليّ كافة الواجبات في عامي السبعين، شعرت أنني ولدت من جديد، وكأنني حصلت على حياة جديدة وفرصة أخرى للحياة، وكنت أخشى أن أفارق الحياة ولم يتم الاعتراف بمصريتي رسميا.

واستطرد قائلاً: مع التأكيد أن الجمهور قد اعترف لي ضمنيا بإقباله على أفلامي وحفاوته بي، بأنني أصبحت مصريا بل، وهذا هو الجمهور الذي أثق في رأيه وأجتهد من أجل نيل الرضا منه، وكنت أشعر أن الأمر أسهل بكثير من المعاناة التي عشتها بسبب بحثي عن الجنسية المصرية، عقب كل هذا العمر الذي عشته في مصر والأعمال التي قدمتها من أعماق الواقع والشارع والحارة المصرية الأصيلة.

وكان قرار قد صدر من الرئاسة المصرية بمنح خان الجنسية، وهو القرار الذي طال انتظاره لسنوات استمر “خان” خلالها في المطالبة بمنحه الجنسية لانتسابه إلى أمّ مصرية لكن طلباته كلها قوبلت بالرفض والتجاهل، حتى جاء الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور ووافق على منحه الجنسية بقرار جمهوري.


الهوى والهوية


وقال خان: طلبت الجنسية من نظام مبارك بكل الأشكال ووكّلت محاميا ظل يسعى للحصول على الجنسية لأكثر من 12 عاما، إلى جانب تقدمي بطلب للرئاسة في عهد الرئيس السبق حسنى مبارك، لكن لم يستجب أحد لطلبي، والأهم أنني حصلت على الجنسية، ولم أعد مصري الهوى فقط، لكن أصبحت هويتي أيضاً مصرية بكل فخر.

رئيس الجمهورية يمنح صاحب 'أحلام هند وكاميليا' الجنسية بعد سنوات طويلة من المعاناة للحصول عليها

المخرج المتميز محمد خان، يعد واحدا من أبرز المخرجين المصريين الذين ينتمون إلى مدرسة الواقعية الجديدة في السينما المصرية، ومنهم أيضاً المخرجان داود عبدالسيد وخيري بشارة، وقدم جميعهم أفلاماً مهمة في عقد الثمانينات من القرن الماضي، منها “الصعاليك”، “الكيت كات” لداود عبدالسيد، و”الطوق والإسورة” لخيري بشارة، و”خرج ولم يعد”، و”عودة مواطن” و”أحلام هند وكاميليا”، و”سوبر ماركت” و”فارس المدينة” لمحمد خان. وتحشرج صوت “خان” قليلا من شدة التأثر وهو يقول: إن “أصعب لحظة أواجهها هي تقديم جواز السفر البريطاني في مطار القاهرة، فساعتها يسألني موظف المطار عن جنسيتي، فلا أدري ماذا أقول وأظل أستنكر بداخلي هذا السؤال فأنا مصري وُلدت وتربيت في شوارع القاهرة وأحيائها الشعبية.

وعن إحساسه بعد أن أصبح مواطنا مصرياً بالأوراق الرسمية، قال: لم أشعر يوما بالانفصال عن الشعب المصري وفرحنا وألمنا واحد، فقد تربيت في الشوارع والحواري وعلى المقاهي المصرية، كما أنني عانيت مما يعاني منه المواطن المصري، ولهذا شاركت في ثورة يناير 2011 وطالبت أيضا بالتغيير في ثورة 30 يونيو الماضي التي كانت نتائجها إيجابية، ابتداء من رحيل مرسي والإخوان وجماعته، قبل أن يقوموا بتدمير بلدنا مصر، وصولا لحصولي على الجنسية المصرية.

وأضاف “خان” قائلا: أكثر ما يسعد قلبي حاليا هو أن صوتي أصبح له قيمة في الانتخابات الرئاسية التي ننتظرها خلال الأسابيع المقبلة، وسوف أكون وقتها قد انتهيت من إنجاز كل الإجراءات الخاصة بالجنسية، وطالما انتظرت هذه اللحظة حتى أشارك في تقرير مصير بلدي مصر.

خان: كنت أشعر بالخجل وأنا أظهر جنسيتي البريطانية في المطار والجمهور منحني الجنسية بحبه لأفلامي


بريطاني وباكستاني


ورداً على سؤال حول أسباب إصراره على الحصول على الجنسية المصرية، وهو يحمل الجنسيتين البريطانية والباكستانية، قال “خان”: السبب بسيط جدا وهو أنني مصري، وهذا إحساسي الحقيقي، ومع احترامي لكل البلاد، لكن مصر الأقرب لقلبي، عشت فيها ودرست وتعلمت وأحببت ونضجت، وأتمنى أن أنهي مشوار حياتي على أراضيها”.

وتابع: “بالمناسبة.. أنا أتعامل طوال الوقت بصفتي مواطنا مصريا، وحتى في المهرجانات وعند تسلمي الجوائز أطلب أن يقال المخرج المصري محمد خان، وآخر هذه الجوائز كانت عن فيلمي “فتاة المصنع “، الذي يتم عرضة حاليا في دور العرض السينمائي، وحصلت عنه على جائزة في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وقال الجميع إن الجائزة ذهبت للمخرج المصري محمد خان، فالمسألة بالنسبة إليّ كانت بمثابة اعتراف من الطرف الآخر، لكن بالنسبة إليّ كان الأمر منتهيا فمصر هي بلدي التي أهواها”.

والفيلم يُعد امتداداً لسلسلة الأفلام التي قدمها محمد خان، المولود في حي السكاكيني الشعبي بالقاهرة في 26 أكتوبر – تشرين الأول عام 1942، عن البيئة الشعبية المصرية والمهمشين والفقراء، منتصرا لهم وللمرأة الشعبية المكافحة.

وعن فيلمه الجديد، قال: فتاة المصنع، يرصد واقع الفتاة المكافحة الفقيرة، وقصدت أن تظهر عاملة في مصنع، لأن مثل هؤلاء الفتيات يتحملن عبء الأسرة، وأنا لم أقصد هنا رسالة معينة، لأني لست من أصحاب نظرية من يقولون أوجه رسالة كذا، وإنما قصدت أن أعكس واقعاً حقيقياً يرصد الحالة التي يعيشها المجتمع، خاصة في المناطق الشعبية، لذلك اخترت منطقة “الأباجية” المهمشة التي يسكن فيها الفقر وليس العشوائية، وهو ما ظهر واضحاً في مشاهد الشوارع الضيقة وحالة البيوت وطبيعة أسرة “هيام” التي تجسد دورها الوجه الجديد ياسمين رئيس في الفيلم.

لم أتعمد تأكيد هويتي المصرية في 'فتاة المصنع' لأنها لا تحتاج إلى دليل

وحول تفسيرات البعض للفيلم على أنه محاولة من “خان” لتأكيد مصريته.. قال: أتعمد في كل فيلم أقوم بتقديمه البحث عن الإنسان وحقيقته وواقعه وأفضّل تقديم الشخصيات الحقيقية التي يستشعر الجمهور صدقها ويشعر بأنها من لحم ودم في أعمالي، وظهر هذا في فيلم “فتاة المصنع″ الذي كتبته زوجتي وسام سليمان، والحمد لله أعتبره “وش الخير عليّ “، فهو تجربة لم تكن سهلة، لكنها ممتعة بكل المقاييس، ورد فعل الجمهور تجاهه، ضاعف من سعادتي، فهو لم ينجح على مستوى المهرجانات فقط، كما حدث مع أفلام أخرى لي، بل نال أيضاً وهذا هو الأهم إعجاب الجمهور، وحقق بذلك المعادلة الصعبة “القيمة الفنية والنجاح الجماهيري”.

واستطرد: لم أقصد توجيه أية رسائل عن مصريتي أو غيرها، لكني أختار الموضوع بعناية، ولستُ من المؤمنين بنظرية الفن للفن، أو الفيلم الخالي من المضمون لصالح الإمتاع، وقد كان تركيزي في “فتاة المصنع″ على المرأة والفتاة المصرية ومدى قوتها وعزيمتها وتحملها للمسئولية وكم هي مكافحة وعنيدة وليست مقهورة، بالرغم من تكاتف كل عوامل القهر والفقر عليها، إلا أن ذكاءها وتربيتها والظروف التي عاصرتها تجعلها الأقوى، وتجعلها مبهرة في كل شيء.

“خان” شدد على أنه كان حريصا في كل فيلم يقدمه على أن يقدم نموذجا مختلفا في كل شيء سواء، كان “أحلام هند وكاميليا “، أو “الحريف “، أو “السادات”، أو “شقة مصر الجديدة”، وحتى “فتاة المصنع ” وغيرها من الأعمال التي كانت تعبر عن نفسها فهي من المجتمع المصري، وتعبر عن واقع حقيقي لا يمكن تجاهله بشكل درامي منسوج.

وعن رائحة الثورة التي تشع من مشاهد الفيلم، بالرغم من عدم الإشارة إليها.. قال: الفيلم ليس عن الثورة، لكنه ينقل تأثير الثورة والتغيرات التي شهدها المجتمع الذى تغير ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، فالثورة غيرت كل شيء وظهرت جليّة في قوة الفتاة التي تدور حولها الأحداث.

لم أنفصل يوماً عن الشعب المصري وتربيت في الشوارع والحواري وعلى المقاهي المصرية


تحية للسندريلا


ولفت الحضور الواضح لسندريلا السينما العربية الراحلة سعاد حسني من خلال أحداث فيلم “فتاة المصنع″ أنظار الجمهور والنقاد الذين شاهدوا الفيلم، وعن قصته مع السندريلا.. قال المخرج الكبير: بالرغم من تعاوني المحدود مع النجمة الراحلة سعاد حسني، أخرجت لها فيلماً واحداً بعنوان “العشاء الأخير” شاركها بطولته حسين فهمي وأحمد زكي، إلا أننا كنا صديقين، وأعرف جيدا أنها لم تكن امرأة أو فنانة عادية، لهذا حرصت على تقديم التحية لها من خلال الفيلم باعتبارها رمزا للحب والجمال في حياة الجميع.

وتابع حديثه عن السندريلا الراحلة قائلاً: سعاد حسنى نموذج يعيش في وجدان المرأة المصرية والعربية، واختياري لها لسبب درامي وكأنني أقدم ضمير المرأة من خلالها، وسبب آخر هو أنني أريد أن أحيى ذكراها التي لا تغيب عن عقل المشاهد بحكم علاقتي بها كصديق، وقصدت تقديم تحية لها بطريقتي كما قصدت إبراز ملامح المجتمع المصري، بعد الثورة مثل مشهد المظاهرات والفقر الموجود في المناطق الشعبية، لأنها جزء من المساحة الزمنية للفيلم الذي يحكى أصلاً عن أحلام رومانسية لفتاة قوية وبسيطة في الوقت نفسه.

وتحدث عن التسجيلات النادرة لصوت سعاد حسنى، والتي استعان بها في الفيلم، قائلاً: حصلت عليها من مذيعة شهيرة كانت قد أجرت حواراً معها في مرحلة متأخرة من عمرها وغنت فيها كوبليهات بصوتها بجانب شريط إذاعي لتسجيل لها كان مع زوجتي وسام واستعنت به. يُذكر أن المخرج الكبير محمد خان حصل على جوائز من مهرجانات عالمية عديدة، من بينها، جائزة التانيت الفضي وجائزة أفضل ممثل ليحيى الفخراني عن فيلم “خرج ولم يعد” من مهرجان قرطاج السينمائي الدولي 1984، وجائزة السيف الفضي وجائزة أفضل ممثل لأحمد زكي عن دوره في فيلم “زوجة رجل مهم” من مهرجان دمشق السينمائي الدولي 1987.

وحصل فيلم “أحلام هند وكاميليا” من إخراج خان على جائزة أفضل ممثلة لنجلاء فتحي في مهرجان طشقند الدولي بالاتحاد السوفييتي 1988، وأخيرًا، حصل فيلم “فتاة المصنع″ على جائزة الصحافة الدولية لأفضل فيلم روائي طويل من مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته العاشرة.

10