محمد خدة.. فنان جسّدت أعماله الموروث الثقافي الجزائري

الجزائر تحتفي بالذكرى الـ30 لرحيل الفنان التشكيلي محمد خدة.
الأربعاء 2021/05/05
طلاسم ورموز تسرد الموروث الشعبي الجزائري

الجزائر - احتفت الجزائر في الرابع من مايو الجاري بالذكرى الثلاثين لرحيل الفنان التشكيلي محمد خدة (14 مارس 1930/ 4 مايو 1991) أحد مؤسسي الفن التشكيلي الجزائري المعاصر، وأحد أعمدة ما يسمى بـ”مدرسة الإشارة”، وهو الذي اشتغل كثيرا على الواقع والموروث الثقافي والحضاري الجزائري.

وكان الرسام والنحات العصامي غيورا على التراث وسعى عبر إبداعاته إلى إبراز جوانب هامة من هذا الموروث خاصة فن الأرابيسك الذي استحوذ عليه الغربيون، وفق ما أكّدته زوجته نجاة خدة بمناسبة معرض تكريمي أقامه المتحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر تخليدا لروح الفقيد في ديسمبر 2016.

وقالت نجاة خدة بخصوص الراحل إنه عمل كفنان جزائري على “تطوير ثقافة جزائرية محضة وأجرى بحوثا في ‘التقاليد الثقافية’ ولم يقتصر على الجانب الفلكلوري فقط”.

وعُرف الراحل أيضا باهتمامه بالطلاسم والرموز الموجودة في الموروث الشعبي التي حاول فكها عن طريق الريشة.

الفنان الجزائري الراحل محمد خدة جمع بتميز بين الرسم التجريدي والنحت والخط العربي
الفنان الجزائري الراحل محمد خدة جمع بتميز بين الرسم التجريدي والنحت والخط العربي

ويتميّز عمل خدة المولود بمستغانم في 14 مارس 1930 بالثراء والتنوّع الفني، حيث جمع بين الرسم التجريدي والنحت والخط العربي الذي عمل على توظيفه كعنصر في الفن التشكيلي، وصرّح في عدة مناسبات “أستعمل الحروف لتقول ما لم يقله النص”.

وعمل خدة، الذي تعدّ أعماله علامة فارقة في مسار الفن التشكيلي الجزائري المعاصر مع جيل من الرسامين الجزائريين، جاهدا على إيجاد “توليفة بين إرث الخط العربي والمدرسة التجريدية الغربية، كما اهتم أيضا بالعمارة الإسلامية والنحت”.

كما تميّز مساره بغزارة أعماله، حيث يعرض متحف الفنون الجميلة بمناسبة تكريم الراحل أكثر من 130 لوحة تمثل مختلف المراحل والمحطات التي كان لها أثر في أعماله، منها لوحات مِلْك لمتحف وأخرى تابعة لعائلة خدة، تنوّعت بين الرسومات بالألوان المائية التي ميّزت خاصة الفترة الأولى من المسار الفني للراحل، ولوحات تجريدية تعد من الأعمال الهامة والأكثر نضجا إلى جانب منحوتات وأعمال تنتمي إلى الفنون البيانية.

وتناول الكثير من النقاد والصحافيين أعمال خدة الذي خصّصت له مجموعة من الكتب والمقالات التي تناولت إنجازاته وشهادات من أصدقائه المقربين مثل بشير حاج علي وعبدالقادر علولة وغيرهما.

وقد وصفه الكاتب الجزائري محمد ديب بـ”المنجم” الذي يفكّ طلاسم الرموز لإعادة إحياء رونق الجوهر في لوحات خالدة يلتقي فيها الماضي بالحاضر والمستقبل.

وقام خدة طيلة مساره الإبداعي الثري بإنجاز مجموعة من الملصقات الخاصة بأعمال مسرحية، مثل مسرحية “بني كلبون” لولد عبدالرحمن كاكي (عام 1974) التي صمّم أيضا ديكوراتها، وكذلك أعمال علولة، حيث صمّم ديكورات أبرز مسرحياته. وقام أيضا بتصميم ملابس وديكور مسرحية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” التي أخرجها زياني شريف عياد عن قصة للطاهر وطّار، إلى جانب ملصقات أحداث سياسية وثقافية هامة نظمت في الجزائر في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وطوال مسيرته الفنية الممتدة على مدى أكثر من أربعة عقود رسم خدة العشرات من اللوحات الفنية، غالبيتها موجودة في المتحف الوطني للفنون الجميلة بالعاصمة والمتحف الوطني أحمد زبانة بوهران ولدى الاتحاد الوطني للفنون الثقافية. بالإضافة إلى ذلك استطاع الفنان الجزائري أن يترك بصمته عبر مجموعة من الرسومات الجدارية منها منحوتته “نصب الشهداء” في مدينة المسيلة، وصمّم زرابي مثل تلك التي تزين مطار الملك خالد الدولي في السعودية.

Thumbnail

ومن جهة أخرى قام خدة عن طريق رسومه بتزيين كتب لأشهر الكتاب مثل “ديوان الوردة” لجان سيناك سنة 1964، و”من أجل إغلاق نوافذ الحلم” لرشيد بوجدرة سنة 1965، و”العصفور المعدني” للطاهر جعوط سنة 1982، كما قام أيضا بتزيين كتب للفرنسيين جون ميشال وجورج برنارد.

ولخدة العديد من المقالات والكتابات النقدية والتنظيرية التي كان ينشرها في الصحف والمجلات المتخصّصة أو تضمنتها كتبه، على غرار كتاب “عناصر من أجل فن جديد” الذي أصدره بالاشتراك مع آنا غريكي سنة 1967، وكتاب “أوراق مبعثرة ومجتمعة” عن منشورات “سناد”، الجزائر سنة 1983.

وعاش الفنان طفولة صعبة وأجبرته ظروف أسرته على العمل صغيرا في مطبعة لمساعدة والديه الكفيفين، ومنذ صباه اتجه إلى الرسم والألوان، حيث شرع في تعليم نفسه الرسم عن طريق المراسلة قبل الالتحاق بمدرسة للفنون في مدينة وهران.

وانتقل عام 1953 إلى باريس، حيث عمل في مرسم غراندشومير المعروف في العاصمة الفرنسية ومكث هناك عشر سنوات وعاد بعد الاستقلال إلى الجزائر في 1962، حيث أقام أول معرض له تحت عنوان “السلام الضائع” في عام 1963.

وتبعته الكثير من المعارض داخل الجزائر وخارجها، كما اقتنى أعماله متحف الفن الحديث بباريس.

وجمع الرسام الذي وافته المنية في 4 مايو 1991 أعماله الفنية في كتابين هما “معطيات من أجل فن جديد” و”صفحات متناثرة مترابطة”.

واحتفل محرك البحث غوغل في 14 مارس 2020 بذكرى ميلاده، ممّا يؤكّد المكانة التي يحظى بها الفنان على المستوى العالمي.

وتبقى أمنية عائلة محمد خدة بعد مضي ثلاثين سنة على رحيله تحويل مسكن وورشة الفنان إلى متحف خاص بأعماله.

15