محمد خضر: اللغة التي يصنعها الشاعر تشبه الطاقة الكهربائية

على الشاعر كل مرة تقويض كل ما يظنه يقينا لا يؤدي إلى شيء، أن يهدم لأنه يريد ألا يموت في صرح جامد ومسوّر يحمل عناوين الأبواب التي تفضي إلى شيء واحد ومتوقع وأكيد، عليه أن يساهم في حياة حقيقية لهذا الكائن المسمى شعرا يليق باللحظة الراهنة ويشبهه أكثر من مرآة. “العرب” التقت صاحب هذا الرأي الشاعر السعودي محمد خضر الذي يسافر مع تجربته في قصيدة النثر، فكان لنا هذا الحوار معه حول واقع الشعر اليوم.
الثلاثاء 2015/09/15
الشعر يتطور ويتبدل ويتقوض حتى إن لم يرغب البعض في ذلك

يواصل الشاعر السعودي محمد خضر الغامدي في مختاراته الشعرية الصادرة في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة أخيرا بعنوان “لئلا ينتبه النسيان” ترسيخ ملامح خصوصية قصيدته النثرية رؤية وأسلوبا ولغة، متسقا مع تطور تجربته وانفتاحها على الذات والعالم لتشكل صوته الخاص، هذه التجربة المتجلية في العديد من المجموعات منها “مؤقتا تحت غيمة”، “صندوق أقل من الضياع”، “المشي بنصف سعادة”، “تماما كما كنت أظن”، تتفاعل في قصائدها تجليات الرؤية التشكيلية والفوتوغرافية.

يؤكد خضر أن صدور الديوان/ المختارات في القاهرة عنى له الكثير “رمزيا لأن مشروع سلسلة آفاق عربية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة اسم معروف ومنتشر ومقروء بشكل ممتاز”.

لغة الشعر

تقترب قصيدة خضر من عوالم الفن التشكيلي، حيث يرى أن “علاقة الشعر عموما بالتشكيل علاقة متجاورة، اللغة واحدة وإن اختلفت الأدوات، وعلاقتي مع التشكيل والصورة الفوتوغرافية تمتد متابعة وقراءة ومشاركة لكثير من الفنانين في كتابات تعنى بتجربتهم، وقد يحدث العكس مع أحد نصوصي كما في تجارب محلية كثيرة. لا أريد أن أقول كما يحلو للبعض بأن الشاعر يرسم بالكلمات، لكن دعني أقول إن الشاعر لديه رغبة في تجاوز البصري اللوني إلى البصري مع اللغة المشهدية، وفضاء تشكيل النص بصريا، ودائما ما يعبر النقاد عن هذه السمة في نصوصي، وطالما أردت الهروب منها حتى لا تصبح إشارة تستقر في ذهن من يقرأني، ومن جهة أخرى أنا متابع جيد لعالم التشكيل والفنون عامة وأجد متعة في محاورتها ومتابعتها والكتابة عنها”.

وينأى خضر عن القضايا الأيديولوجية والسياسية فلا تشتم في قصائده رائحتهما، ليحتل الإنسان والطبيعة في تجليات علاقتهما روح القصيدة وجسدها، وهنا يعتقد: أن هذا ما ينبغي على الشاعر فعله، أن يخلص شعره من هذه القضايا، وينجو به تجاه ما هو إنساني ورؤيوي وما هو ديمومي وخالد، من بقي في ذاكرة اليوم من الشعراء الذين ملأوا قصائدهم بالسياسي مثلا؟ إنها تجارب أشبه اليوم بنشرات أخبار قديمة أو برامج “حدث في مثل هذا اليوم”، لكن هذا لا يعني أن الشاعر قد لا يكتب في مثل هذه القضايا، قد يمرر بذكاء قضاياه وهمومه الكبرى حتى من خلال قصيدة تتحدث عمّا هو هامشي ويومي وذاتي، ليبقي على أنسنة الرؤية ودون الوقوع في تاريخانية الحدث.

شعراء الألفية الثالثة اتجهوا نحو أشكال شعرية أخرى متخففة من اللغة مقابل الصورة والمفردات الجديدة واليومي والمهمش

ويوضح خضر علاقة قصيدته باللغة قائلا “اللغة القادمة من الحياة هي اللغة الأقدر على الحياة، وهي اللغة المأخوذة من الناس ونبض الشارع وتلك الهموم للإنسان العادي والبسيط، واللغة المستلة من المشاهد واليومي، هي اللغة التي يمكن أن تخلق قصيدة قادرة على المضي والبقاء والتأثير كذلك، لكن اللغة الإبداعية المأخوذة عن إتقان الدرس المنهجي للشعر أو تلك التي ترى اللغة مجموعة من الحيل والبلاغة والصياغات الجمالية المحضة المتكئة على الذاكرة الأدبية هي ما أتخلص منه في كل مرة. أعتقد أن اللغة التي يصنعها الشاعر تشبه الطاقة الكهربائية مع بعض الأجهزة”.

على الرغم من أن خضر يعيش في السعودية منحدرا من الجنوب إلا أن انعكاسات الطبيعة الريفية وقساوة الحياة لا تبدو طاغية على نصه كغيره من شعراء المملكة، وهو يعلل ذلك قائلا “الأمر الأول لست مع النظرة التي تحاول أن تؤطر الشعراء وترسمهم بملامح واحدة خصوصا إذا ارتبطت هذه النظرية بالمكان وثقافته وعاداته ومعتقداته. لكن لعل هذا المؤشر قادم دائما من أفكار سائدة عن الشعر وعن الشعراء”.

يحتل الإنسان والطبيعة في تجليات علاقتهما روح القصيدة وجسدها

جيل الألفية الثالثة

وحول التواصل مع جيله من شعراء قصيدة النثر عربيا ورؤيته للخصائص التي تميز قصيدة النثر في السعودية عن أخواتها عربيا، يقول “لا أعلم في البدء إن كانت تسميه قصيدة النثر بأسماء البلدان أو المدن مفيدا أو لا ولم أختبر ذلك في تجربة بلد ما، وربما يمكن ذلك جليا لو نظرنا إلى التقسيم تبعا للأجيال: السبعينات إلى ما بعد الألفين حيث سنلحظ فارقا وتحولات يمكن معها البحث في تلك الخصائص في كل مكان وليس في السعودية فقط. قرأت قبل مدة شيئا متصلا بالخصائص الفنية في هذه التجربة ولما فرغت منه وجدته قد يناسب أي تجربة عربية، فالحديث عن الصياغات والأدوات والتكنيك ليس متصلا برأيي في ما تعنيه لي عبارة: خصائص، وإنما بمدى وجود قصيدة تجترح بعيدا العمق الإنساني لشاعر هذا

البلد أو لا.. القصيدة التي يمكن من خلالها ملاحظة الجوهر لقضايا تلامس وجود الإنسان وتشير إليه.. والذي يجعلني متشككا في هذه النظرية هو أن المشتركات الإنسانية في عالم اليوم تزداد، شاعر روسي يكتب عن الثورة يشبه شاعرا تركيا وآخر عربيا، وهم معا يكتبون من عوالم متشابهة إذا افترضنا أن عالما من التكنولوجي والإنترنت

وهذا الفضاء العولمي يحيط بهم، قد تكون هناك إجابة مختلفة وتلامس هذا الطرح تماما قبل هذا المتغير الحديث في حياة البشر والشعر”.

ويقول عن مشهد قصيدة النثر في السعودية “مع أنه لا يمكن الحديث عن مشهد قصيدة النثر دون المرور ببداياتها وتلك التجارب المهمة التي تشكلت منها النواة الأولى لهذه التجربة من السبعينات حتى التسعينات، وأفضل دائما أن يتحدث النقاد عن هذا المشهد، لكني سأعبر مباشرة نحو جيل ما بعد الألفين هؤلاء الشعراء يشكلون مجموعة تحيط بها مفاهيم متنوعة وثرية عن الفن في الصورة وفي المفاهيمي، وباحثة عن شيء مختلف وسط كل الوسائل الحديثة التي أخذت من الشعر بعض ما كان يعوّل عليه في مادته الخام -إذا جاز التعبير- مع الأشكال الشعرية الأخرى تاركة له تحديا جديدا وفي مساحة ضيقة، فذهبوا نحو نبرة ملتصقة بالحياة أكثر بكل تداعياتها، متخففة من اللغة مقابل الصورة والمفردات الجديدة واليومي والمهمش، وبعيدا عن القضايا الكبرى والتقريري، ومأخوذين بالتجريب وبفضاءات وعوالم ملتصقة بواقعهم”.

ويتساءل ضيفنا “هل الشعر فعل زمن بالدرجة الأولى؟” ليؤكد قائلا: الشعر يتطوّر ويتبدّل ويتقوّض حتى إن لم يرغب البعض في ذلك. إنه ينتظر هناك حتى يجيء من يأخذ بيديه، وهل على الشاعر الخلاق أن ينتظر حداثة المجتمع والقراء حتى يكتب قصيدته بشكلها أو مضمونها الجديد؟

15