محمد خضر: لا لتقديس شعر الثمانينات، لا للموات، نعم لثقافة المغامرة

الاثنين 2014/01/27
خضر يخوض تجربة أخرى ذات عوالم فنية مختلفة

الرياض- الشاعر السعودي محمد خضر يأتي من أقصى الجنوب محملا بأحلام الطين وذاكرة الأرض التي تعانق السماء دون خوف من ثقافة القبيلة أو المجتمع أو الدين. يتقدّم بقصائده منذ بداية الألفية الثانية “مؤقتا تحت غيمة” 2002، و”صندوق أقل من الضياع″ 2007، و”المشي بنصف سعادة” 2008، و”تماماً كما كنت أظن” 2009، و”منذ أول تفاحة” 2013، وقبل عامين أصدر روايته الأولى “السماء ليست في كل مكان”. في هذا الحوار تقدّم “العرب” لقرائها ملامح عن تجربة هذا الشاعر.

محمد خضر شاعر أسس لقصيدته بهدوء، ورسم معالمها بصمت، يؤمن بالعمل الجماعي في صناعة النص المستحيل، لذا تعاون مع مثقفين آخرين في صناعة جسد جديد للشعر عبر التشكيل والتصوير والسينما، لكنه في كل مرة كان يعود بعد تجاربه لملاذ الشعر.


الشعر يترجمني


في عام 2011 أصدر محمد خضر، بعد أربعة دواوين شعرية، روايته “السماء ليست في كل مكان”، و كأن السرد هاجسا لا بدّ من أن يتورّط فيه الشاعر، وفي هذا الغرض يقول خضر: “استخدم المظلة تحت المطر لكنها ليست مجدية تماما مع العاصفة، ليست ورطة تماما وليس انتقالا من الشعر إلى الرواية. ما يحدث هو أن الكتابة الإبداعية لا يستطيع أي كاتب في لحظة ما أن يشترطها أو يقنن فضاءاتها، وبالتالي لا أعرف هل هو انتقال أو تجربة أخرى ذات عوالم فنية مختلفة.

أتحدث عن العوالم، لأن الشعر لديّ لم يكن بعيدا عن لغة السرد بل كتب في مجموعات شعرية لديّ بلغة السرد. أعني لغة أن تكون هناك رؤية تخصني شعريا فأنا لست ملتزما بتجارب أخرى ولا بأنواع أو تصنيفات شعرية. أعتقد بأن القراء مثلا هم من يحددون النجاح من عدمه في مجمل ما نكتب وأيضا مدى الرضا الشخصي عمّا نكتب.

هذا النص الروائي ظل حبيسا داخلي لزمن طويل، ولكني لم أكتبه إلا بعد قرابة ثمانية أعوام. بمعنى أن له أزمنة عدّة في داخلي فقد تأملته طويلا، وهذا ما جعله نصا مكثفا في نهاية الأمر. أمر آخر وهو أن فضاء تجربتي الشعرية وبرغم احتفائه بالتفاصيل والعابر والمهمش إلا أنه لم يكن القالب الذي يستوعب التفاصيل الدقيقة”.

ولكنّ خضر عاد بعد تجربة السرد إلى الشعر وقدّم للقارئ ديوانه “منذ أول تفاحة”، فهل هذه بنوّة بارة للشعر؟ يجيبنا محمد خضر بقوله: “الشعر هو طريقتي كي أقدم رؤيتي في نهاية الأمر، كي أستبق الحلم وأبادر في اقتراح صيغ مع كل الموجودات في الحياة ولذا عدت بـ”منذ أول تفاحة” كمجموعة شعرية أجوب فيها بصوتي عبر المسافات والأسئلة من جديد وأقترب مني ومن همس الحياة التي تعيشنا… ولا ينوب عنها ولا يترجمها سوى القصيدة”.

وعن إمكانية تحوّله بنصه الشعري إلى الترجمة فيما يمكن أن نسمّيه ذهابا بالهمّ الشعري إلى الآخر، يقول خضر: “لا أعرف تماما مدى ذلك، لكن من خلال الذين قرؤوا تلك الترجمات ونالت أعجابهم بدأت أطمئن، في قصيدتي ثمة مشتركات إنسانية كثيرة بلغة بسيطة وليست معقدة وهذا ما اختير تماما خصوصا في ترجمة حادة قادر وإيمانويل للفرنسية ولذا فلقد شعروا كذلك أن ثمة قصيدة كونية وإنسانية وبلغة يمكن أن تصل نسبيا إلى قارئ آخر.. هذا ما أتمناه على أيّة حال”.


اللغة جناح


لطالما كانت اللغة محط اهتمام الفلاسفة، غير أنها لم تصبح موضوعا مركزيا في الفلسفة إلّا في القرن العشرين. إلى أيّ مدى يمكن أن يفلسف الشاعر اللغة ويتعامل معها ككائن لا كأداة؟ وهل يجوز اعتبار اللغة قيدا، في إجابته عن هذين السؤالين، يقول خضر: “في صغري كنت أسمع صوت المياه في قرية أقصى الجنوب وهي تغسل البساتين وترويها ثم أسمع عودة من يعملون في البساتين وأتابع آثار أقدامهم، فيما بعد عرفت أن هذه لغة، لغة وكسرة مضيئة فتحت لي عوالم وفضاء رحبا، اللغة هي هذه العلاقة والوشائج بين عناصر هذه القصة، الحاجة والارتواء ثم التكليف والقيد والأثر.

اللغة تفكر بنا كما يقال نكتب وندوّن ونكشف عمّا نضمره ولذا أحبّ أن أواجه نفسي باللغة أفحصها وألتقط مرمى اللفظ منها، من ناحية أخرى اللغة قيد أحيانا وبعد أن يحوّله الكاتب إلى جناح تتحوّل كلمة “ودّع″ إلى “فارق”، وحتما إلى “تأمّل”. وهكذا أفهم علاقتي معها على سبيل المفردة وكونها مرتبطة غالبا بثقافتنا ووعينا بما حولنا”.

وحول مسألة الرقابة، سألنا محمد خضر إن كان يذهب إلى المجاز اللغوي هربا من الحالة البوليسية، أم إنه لا يكترث به، فأجاب قائلا: “الرقيب والإبداع حالة خاضعة لثقافة المكان متغيرة حسب تغير ذلك المقص ومدى وعيه واستيعابه وتواؤمه مع الأبداع ومساحة حرية الرأي.. والمبدع بوسعه غالبا وبما يملك من قدرة لغوية ورؤية ومجاز أن يمرّر ما يريد، أتذكر في أولى صفحات كتاب أدبيات لورنس العرب بعد أن أعيد بدون حذف عبارة جميلة قرأتها “إن هذه القصائد تكافح لكي تقول شيئا قد يستغرق من المرء عشرين عاما ليكون قادرا على قوله مباشرة.. واليوم مع هذا الانفتاح الإلكتروني وفضاء الأنترنت أجد المبدع أقل تحرزا من مسألة الرقيب وبعيدا عن ملعبه الذي عادة ماتفرضه ثقافة المجتمع المتواضعة غالبا أدبيا والسلطة بكل أنواعها”.


موات السؤال

محمد خضر: القراء هم معيار النجاح والفشل


تشهد السعودية تناميا لأصوات شعرية لها اشتغالاتها المميزة منذ مطلع الثمانينات، وعن قراءته لهذا المشهد يقول: “هناك تنامٍ على مستوى الكم فقط، لا أحب تجييل الشعر لكن مايكتبه الجيل الجديد اليوم متجاوز كثيرا لما كتب في فترات سابقة، وربما حظوة أجيال سابقة بعينها كجيل الثمانينات وبقاء أصواته منتشرة في حالة أشبه ما تكون بالمقدسة مثار سؤال دائم.

هناك جيل متخلص من الذاكرة الشعرية طالما حوّلت الشعر إلى درس محدّد ومجموعة من المفاهيم سواء في العمودي والتفعيلة أو قصيدة النثر، جيل يكتب اشتغالاته وأمكنته الجديدة ورؤيته التي تخصه وحده ورهانه والتصاقه بالتجربة والواقع وبالتالي ليس ثمة من ينظر له بعين البّر للشعراء السابقين بل بعين التقدير لتجارب يمكن الاطلاع على منتجها وقراءتها لا أكثر.

حالة المشهد الشعري الصحية ستكون بالاشتغال النقدي الجاد على هذه الأصوات الجديدة.. بديلا عن تكريس نفس الأصوات منذ أكثر من 35 عاما تقريبا في الملاحق الثقافية والندوات والملتقيات التي لاتفرز كل مرّة سوى تدوير لحالة الشعر الثابتة وموات لحالة سؤال الشعر اليوم”.


مثقف انفعالي


عن كيفية تعامل المثقف السعودي مع معطيات الربيع العربي الثورية والاجتماعية والدينية، وأين يجد الشاعر نفسه ضمن السياق العربي العام، يقول محاورنا: “لا يمكن فصله كثيرا عن المثقف العربي في أيّ مكان بما أن المثقف لا تتضمنه جغرافيا محددة بل هو بشكل أو آخر ضمن سياق عام ويحمل نفس الأدوات والمعطيات، يختلف في إسقاط هذه الأدوات على واقعه وقضاياه، لكنه ظل مثقفا انفعاليا لحظويا وحياديا غالبا إزاء قضايا كبرى وباحثا عن دور يؤديه في أوقات كثيرة”.

هنالك مشاريع كثيرة اشتغل عليها محمد خضر –قبل سنوات قليلة- هو ومجموعة من المثقفين في أبها، كان لها سمة الجنون والمغايرة والاختلاف عن السائد على المستوى الشعري والتشكيلي والسينمائي يقول خضر رأيه في هذه التجربة: "مجموعة من الفنانين والشعراء شكلوا كتلة واحدة، لاتؤمن بالبيروقراطية والروتين فلا رئيس أو قائد، وكل يبدع كما يشاء كان الهدف هو كسر المألوف في الفنون فلا تقاليد فنية أو إبداعية فيما يطرح ويضاف، معالجة القضايا الإنسانية وذلك بنمط وأسلوب مختلفين، فلا حدود بين الفنون والآداب، مرّ على ذكراها الآن مايقارب عشرة أعوام وكانت أول إطلالة على الساحة الثقافية والأدبية من خلال عمل فني يجمع التشكيل والشعر وذلك في سنة 2004، بأتيلية جدة للفنون، حيث تضمن العمل الذي يحمل نفس الاسم مجموعة من الأعمال الفنية والشعرية التي تتحدث عن بعض القضايا الإنسانية من خلال رؤى مختلفة".

15