محمد خلفان الرميثي رجل المهام المتعددة في الكرة الخليجية

الأحد 2015/05/24
الرميثي جنرال إماراتي كان أول من وطن مهنة تدريب المنتخبات

إشارات متعددة يمكن استخلاصها من فوز الإماراتي محمد خلفان الرميثي بعضوية المكتب التنفيذي للاتحاد الآسيوي لكرة القدم عن غرب آسيا في الانتخابات التي جرت مؤخرا في العاصمة البحرينية المنامة.

فقد تمكن الرئيس السابق للاتحاد الإماراتي لكرة القدم من تحقيق نسبة تصويت هي الأعلى على كل المناصب متساويا مع أحمد عيد رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم بمعدل 39 صوتا لكل منهما، من أصل 46 صوتا متاحة، وهي نسبة نادرة التحقق في انتخابات الاتحاد الآسيوي التي عادة ما تشهد تفتتا تصويتيا، في ظل تباين المصالح وتعقيدات “التربيطات” الانتخابية، ما بين شرق القارة ووسطها وغربها.

ما حققه الرميثي لا يفضي سوى إلى نتيجة واحدة أن المسؤول الإماراتي درس جيدا خريطة التحالفات الآسيوية، ثم تمكّن من تقديم أوراق اعتماده ضمن الفريق الفائز ليحجز مقعده القاري، حتى قبل الانتخابات المباشرة، خلال اجتماع كوالالمبور التحضيري الذي سبق انتخابات المنامة، وتمّ خلاله التنسيق بين المرشحين وتوزيع الأدوار بينهم، تجنّبا للدخول في تنافس قد يفسح المجال أمام الخصوم لانتزاع مقاعد من غير المرغوب الحصول عليها.

المؤشر الثاني في فوز الرميثي هو الفرحة التي يمكن وصفها بالشعبية التي سادت في الإمارات، بعد إعلان فوزه رغم أنه ليس أول مسؤول إماراتي يحظى بمنصب في الاتحاد القاري، وإنما سبقه آخرون أبرزهم يوسف السركال رئيس اتحاد الكرة الإماراتي الحالي الذي شغل عدة مناصب في الاتحاد الآسيوي آخرها نائب الرئيس.

قد يفسر البعض هذه الفرحة بانتماء الرميثي لنادي العين الملقّب بالزعيم لكونه صاحب الشعبية الأكبر في الإمارات، بعكس السركال الذي ينتمي إلى نادي الشباب الذي يصنّفه كثيرون، باعتباره النادي الرابع من حيث الشعبية في دبي بعد الثلاثة الكبار الأهلي والنصر والوصل، وقد يرجعها آخرون إلى مناصبه المتعددة في إمارة أبو ظبي والتي تعكس ثقة القيادة السياسية فيه.

لكن الحقيقة أن فرحة الإماراتيين بنجاح ابنهم تكمن في مقوماته الشخصية الفريدة، التي كفلت له حب الناس منذ أن تولى رئاسة اتحاد الكرة الإماراتي قبل أكثر من 7 سنوات، فهو يتمتع بتواضع لافت وأدب جمّ وزهد غير عادي في الأضواء، إلى جانب قدرة فذة على الانجاز وانحيازات وطنية حقيقية غير مشوبة بالعنصرية، وكلها صفات محببة لدى أهل الإمارات كونها تشبه تلك التي يتمتع بها قادة الدولة ورموزها التاريخيين.

تصريحات الرميثي بعد نجاحه في انتخابات الاتحاد الأسيوي تعبر عن انحيازه الوطني العاقل الذي يهدف لإعداد أجيال شابة لا تتولى المناصب المختلفة لمجرد تمتعها بجنسية الدولة

إنجازان وسمتان

من بين أعماله الكثيرة للكرة الإماراتية خلال فترة رئاسته لاتحاد الكرة المحلي بين عامي 2008 و2011، يحظى إنجازان دون غيرهما بالكثير من التقدير المصحوب بالجدل أحيانا، الأول هو توطين مهنة تدريب المنتخبات، حيث تمكن ملاحظة تكرار عبارة “خلفان الرميثي هو من أسّس ووطّن المنتخبات السنية” في أغلب الصفحات المعنية بالكرة الإماراتية، إذ لا ينسى له محبو الكرة إقدامه على إسناد مهمة تدريب منتخب الشباب تحت 20 عاما إلى المدرب المواطن مهدي علي، ثم إصراره على تصعيده مع لاعبيه للمنتخب الأولمبي بشجاعة كبيرة أتت ثمارها في بلوغ “الأبيض الإماراتي” نهائيات دوري الألعاب الأولمبية في لندن صيف عام 2012 لأول مرة في تاريخه.

خلفيات هذا القرار الذي يمكن وصفه بالتاريخي لم تخل من المفارقة بحسب ما يروي الرميثي نفسه، فقد كان مهدي علي مساعدا للتونسي خالد بن يحيي مدرب منتخب الشباب الإماراتي الذي كان يستعد للمشاركة في أمم آسيا للشباب عام 2008 المؤهلة لكأس العالم للشباب التي أقيمت بمصر عام 2009، وحدث أن المنتخب كان يقيم معسكرا إعداديا في كوريا بحضور الرميثي نفسه، فقرر أن يجلس مع المدرب ومساعده للوقوف على أسباب الإخفاق.

خلال الجلسة تحدث التونسي خالد بن يحيي أولا، ثم تلاه مهدي علي الذي تكلم بثقة ومنطقية أسرت الرميثي فقال، إن المدرب يحب الاعتماد على طريقة معينة لا يرى مهدي أنها مناسبة للاعبي منتخب الإمارات ولا تستغل قدراتهم، بدليل النتائج غير الإيجابية التي يحققها الفريق في مبارياته الودية، وحسم رئيس الاتحاد الأمر بطلبه أن يلعب مهدي علي بالطريقة التي يراها مناسبة للاعب الإماراتي.

في المباراة الأولى للأبيض بعد هذه الجلسة، قدم الفريق أداء لافتا أمام المنتخب السعودي للشباب، لكن المدرب التونسي خالد بن يحيى لم يكن سعيدا وطلب من الرميثي إعفاءه من منصبه أو إفساح المجال أمامه للعب بالطريقة التي يراها مناسبة، فاستجاب الرميثي للرغبة الأولى ووجه الشكر لبن يحيي، وتم تكليف مهدي علي بتدريب منتخب الشباب الذي فاز باللقب الآسيوي في ذلك العام لأول مرة في تاريخه، كما تأهل إلى نهائيات مونديال الشباب وخرج من ربع النهائي وقتها.

الإنجاز الثاني إدخال الكرة النسائية إلى الإمارات من خلال إنشاء لجنة كرة القدم النسائية التي تختص بتنظيم مسابقات كرة قدم النساء وتتعامل مع القوانين المتعلقة بها، وهو قرار جريء مثّل في وقت صدوره عام 2008 صدمة قوية لمجتمع اعتادت الغالبية فيه على التعامل مع المرأة وفق صورة نمطية معينة، لكن الرميثي خاض المعركة الذهنية بصلابة ونجح في دخول التاريخ ليس فقط بتكوين أول منتخب إماراتي للكرة النسائية، وإنما بتحقيق المنتخب الوليد بطولة غرب آسيا عامي 2010 و2011.

علاقة الرميثي الذي كان أول رئيس منتخب في تاريخ اتحاد الكرة الإماراتي مع الكرة تحمل سمتين تستحقان التوقف.

الأولى أنه يشترك مع جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، والشيخ سلمان آل خليفة رئيس الاتحاد الآسيوي، والكاميروني عيسى حياتو رئيس الاتحاد الأفريقي في أن أيّا منهم لم يلعب كرة القدم بشكل احترافي، حيث فضّل الجنرال الإماراتي التركيز في دراسته الجامعية على الاستمرار مع فريق الشباب بنادي العين، لينهي مشواره الكروي قبل الالتحاق صفوف الفريق الأول لـ”البنفسج” وهو اسم شهرة فريق العين.

أعمال الرميثي الكثيرة للكرة الإماراتية خلال فترة رئاسته لاتحاد الكرة المحلي يتصدرها إنجازان كبيران تمثلا في توطين مهنة تدريب المنتخبات، وإدخال الكرة النسائية إلى الإمارات من خلال إنشاء لجنة كرة القدم النسائية

الثانية أنه يبتعد طويلا ثم يعود أقوى مما كان، حدث هذا عندما ابتعد عن لعب الكرة وتفرّغ لدراسته الجامعية عام 1983، قبل أن يعود بعد 15 عاما كاملة عضوا بمجلس الشرف العيناوي أعلى هيئة إدارية في النادي، ومنه حقق انطلاقته الكبرى في عالم الإدارة الرياضية، حيث ترأس اللجنة التنفيذية للنادي عام 2001، ثم اختير لمجلس إدارة اتحاد الكرة عام 2004، قبل أن يتولى رئاسته في يناير 2008.

بعد اختفائه عن الأنظار، عقب استقالته عام 2001، عاد مجددا ممثلا لبلاده في الاتحاد القاري، وربما رئيسا لاتحاد الكرة في الانتخابات القادمة.

الخصم اللطيف

من أبرز صفات الرميثي التي مهدت أمامه الطريق نحو الترقّي في المناصب المختلفة داخل عالم الكرة وخارجه تواضعه عند الإنجاز ولطفه في الخصومة، إلى جانب زهده في الأضواء ووطنيّته العاقلة، وهي صفات يندر أن تجتمع في مسؤول عربي.

تواضعه يظهر في أكثر من موقف آخرها بعد فوزه بعضوية المكتب التنفيذي للاتحاد الآسيوي لكرة القدم حيث أرجع الفوز الكبير إلى وقوف الدولة ومسؤوليها إلى جواره، معتبرا أن فوزه ليس ثقة في شخصه بقدر ما هو نابع من ثقة القارة في دولة الإمارات وقيادتها.

كذلك رأى بتواضع شديد أن محبّة الناس نجاح أهم وأغلى من أيّ منصب ناله، وبدا متأثرا بوضوح بما وجده من ترحيب شعبي بفوزه من أناس كثيرين منهم لا تربطهم به معرفة شخصية.

الرميثي الزاهد في الأضواء

وطنيّته تنعكس بوضوح في انحيازه المنطقي للناجحين والمميزين من أبناء وطنه في هدوء، من دون صخب أو عبارات عنصرية من تلك التي يلجأ إليها البعض، كسبا لتعاطف مؤقت أو بحثا عن شعبية زائفة.

لعل موقفه من قضية المدرب المواطن مثال دقيق على وطنيته، فقد جاء قراره بإسناد مهمة تدريب منتخب الشباب إلى مواطنه مهدي علي بعد تنفيذ الإجراءات التي توصي بها علوم الإدارة الحديثة بداية من توفر الدافع (سوء النتائج) مرورا بتحليل المعطيات (التحدث مباشرة إلى المدربين) ثم القدرة الاستشرافية (مقارنة كلام المدربين والاقتناع بكلام أحدهما) وصولا إلى اتخاذ القرار بقبول استقالة التونسي خالد بن يحيي وإسناد المهمة كاملة إلى المواطن مهدي علي.

تصريحات الرميثي بعد نجاحه في انتخابات الاتحاد الآسيوي التي كشف فيها عن خطة لتأهيل شباب الإمارات في المؤسسات الرياضية الآسيوية، وإعدادها لتولي مناصب قارية ودولية بكافة الألعاب، تعبّر كذلك عن انحيازه الوطني العاقل الذي يهدف لإعداد أجيال شابة لا تتولّى المناصب المختلفة لمجرد تمتعها بجنسية الدولة، وإنما لأنها تستحق هذه المناصب وتستطيع تقديم الإضافة النوعية المطلوبة من خلالها.

زهده في الأضواء يمكن تمييزه في موقفه من وسائل الإعلام، سواء عندما كان رئيسا لاتحاد الكرة الإماراتي أو بعد ذلك، فهو نادرا التحدث للإعلام، كما أنه لا يبادر أبدا للاتصال بإعلامي أو صحفي رغم علاقاته الوثيقة بالعديدين منهم مثلما يفعل الكثير من المسؤولين، خاصة في مجال كرة القدم، الذين يعتبرون المنصات الإعلامية جزءا من أدوات عملهم لفرض رأي معين، أو تهيئة الرأي العام لتوجه ما، وأحيانا لتكسير عظام منافسيهم وخصومهم المحتملين.

من أبرز صفات الرميثي التي مهدت أمامه الطريق نحو الترقّي في المناصب المختلفة داخل عالم الكرة وخارجه تواضعه عند الإنجاز ولطفه في الخصومة، إلى جانب زهده في الأضواء ووطنيّته العاقلة

على العكس من ذلك يتصرف الرميثي الذي لا يمكن أن تجد في أرشيف تصريحاته هجوما على منافس، أو حتى إشادة بإنجاز شخصي له، وربما تجسد زهده الإعلامي حينما أعلن قراره بالاستقالة من رئاسة اتحاد الكرة المحلي في ديسمبر عام 2011، فقد آثر الاستقالة متحملا مسؤولية إخفاق المنتخب الأول في أول مباراتين له ضمن تصفيات آسيا المؤهلة لمونديال 2014 أمام كل من الكويت ولبنان وتضاؤل فرصه في تحقيق حلم الإماراتيين ببلوغ النهائيات.

ثم أعلن استقالته من خلال بيان مقتضب تجاوز فيه عن ذكر أسباب ابتعاده أو دوافعه، مثلما رفض الخوض في أسباب الإخفاق مفضلا أن يبقيها خلف الأبواب المغلقة مثلما تعلّم خلال حياته العسكرية التي أصّلت فيه قيمة الصمت.

وتبقى خصومته اللطيفة أو النبيلة واحدة من أهم مميزاته الشخصية، لدرجة أنه من النادر أن تجد له خصوما مرئيين، وإنما يحتاج الأمر إلى قراءة متعمقة فيما بين السطور لإدراك بعض المشاعر الإنسانية المتقلبة في علاقته ببعض مسؤولي اتحاد الكرة الحاليين، وذلك حين عبر عن اندهاشه من أن يكون نصيب الاتحاد من الفرحة الرسمية والشعبية الهائلة بفوزه في انتخابات الاتحاد الآسيوي تهنئة من 5 سطور فقط لا غير نشرها في الصحف المحلية، وهي غصة يمكن الإحساس بها حتى مع تأكيد الرميثي نفسه على أنه ليس حزينا ولا يتوقف عند هكذا محطات صغيرة لأن عقله كبير.

جنرال الكرة الاماراتية

من الصعوبة العثور على تصريح لجنرال الكرة الإماراتية يهاجم فيه مسؤولا أو زميلا مهما تعرض للضغوط، وفي أقصى الأحوال يكتفي بتلميح سريع تاركا التفسيرات لاجتهاد من يقرأ، مثلما فعل تعقيبا على قرار اتحاد الكرة بتشفير بعض مباريات دوري الخليج العربي الإماراتي حين نقل عنه أحد المواقع قوله إنه لم يتمكن من الحصول على جهاز الاستقبال “الريسيفر” الخاص الذي يذيع مباريات الدوري، فهل من نصيحة؟ معبّرا بتصريحه المقتضب عن حالة من الاستهجان سادت الشارع الرياضي الإماراتي من قرار التشفير، وتاركا المجال أمام تفسيرات لما قاله يمكن أن تقود إلى نتيجة واحدة هي فشل اتحاد الكرة، في تسويق الفكرة، وكيفية حصول الناس على الخدمة، لأنه من غير المعقول أن يكون رجلا بقيمة الرميثي، بما له من علاقات في الوسط الكروي، ولا يعلم كيفية الحصول على الريسيفر ولا مكان بيعه، فكيف الحال بالمواطنين العاديين.

الجنرال أو اللواء محمد خلفان الرميثي في عبارة واحدة هو الرجل صاحب المهام المتعددة في الإمارات، ما يعكس ثقة كبيرة في إمكانياته وقدرته على الإنجاز رغم صغر سنه نسبيا (49 عاما)، فهو يشغل منصب نائب القائد العام لشرطة أبو ظبي ومدير عام الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، قبل أن يكلف العام الماضي بعضوية المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي.

يحسب له أنه لم يشغل منصبا إلا وترك عليه بصمته الشخصية، فهو بحسب ما وصفه ناصر اليماحي عضو مجلس إدارة اتحاد الكرة الحالي شخصية قيادية تؤمن بقدرات الآخرين وتحترم آراءهم، داعما لكل مبادرة خلاقة ولكل فكرة تخدم تطور اللعبة في البلاد ويؤمن بالعمل الجماعي.

8