محمد خياطة يوسع بحر إيجة ليشمل وطنا أرحب

فنان سوري يشكل سكونا غرائبيا يضمر جراحا لا تريد أن تستعرض ذاتها من خلال معرضه "تخلي".
الجمعة 2019/01/11
فكرة فنية ذات منحى بصري بالغ

"تخلي"، هو عنوان الحدث الفني الذي قدمه مؤخرا في بيروت الفنان السوري المتعدد الوسائط محمد خياطة، زرع الفنان أجزاء من هذا الحدث الفني الواحد في عدة أماكن من بيروت، ربما ليقدم نظرة شاملة أرادت أن تُساهم في استيعابه واستيعاب الآخرين، لا سيما اللبنانيين والسوريين، لمفهوم الطوبولوجيا كحالة اجتماعية/سياسية/عاطفية يتداخل فيها الخاص مع العام، والفرد مع الكل، وهي أبعد من مسح لجغرافيا منطقة ما بواسطة عدسات متطورة.

بيروت – وزّع الفنان السوري المتعدد الوسائط محمد خياطة أعماله التي عنونها بـ"تخلي" في صالات فنية ومنازل وأماكن ومكاتب متعددة بالعاصمة اللبنانية بيروت، نذكر منها مكتب مؤسسة “اتجاهات” ومكتب مؤسسة “آفاق”، كما وضع جزءا من الأعمال في مقاهي متفرقة من المدينة، وقام بعرض بعض الأعمال في منازل خاصة لفنانين ومراسمهم الشخصية كمرسم عزة أبوربيعة ومرسم ناجين فلاح.

ما صرح به الفنان السوري حول المعرض، هو تأكيد على أن من أهم الأهداف التي تقف وراء ما قدمه “الدعوة إلى تشجيع محبي الفن للتخلي عن الحواجز المتبادلة بين كل منهم والآخر، ودفعهم إلى كسر حاجز الخوف لأجل مشاهدة الأعمال الفنية، وتوعيتهم بضرورة التواصل فيما بينهم عندما تجمعهم الأعمال الفنية في أي منطقة مفتوحة كانت أم مُغلقة”.

حالة فنية، هذا ما قدمه الفنان محمد خياطة وكاد يبتكر تعبيرا جديدا عندما وصف ما قدمه بهاتين الكلمتين “فكرة فنية”، إذ صهر مضمون الأعمال بأشكالها المختلفة وأماكن عرضها المتباعدة بضرب من ضروب الكولاج الذي يطال الداخلي والخارجي على حد السواء.

طغت رغبته في التجريب الفني ليوظف في خدمة تماسك الكولاج، على شتى أنواع الفنون من موسيقى وتجهيز ورسم ونحت وتصوير فوتوغرافي مُعدل أحيانا بتقنيات معاصرة، كما استخدم مواد مختلفة من ورق وزجاج وخيطان وقطع بلاستيك وأخشاب وإسمنت وغيرها من المواد التي عثر عليها أو أحضرها لخدمة “فكرته الفنية”.

الفنان محمد خياطة يدعو من خلال معرضه  إلى تشجيع محبي الفن على التخلي عن الحواجز المتبادلة بينهم

فكرة فنية ذات منحى بصري بالغ قامت على أبحاث حثيثة قام بها خياطة قبل الشروع في تصميم وتنفيذ أعمال هي أشبه بتوثيق تاريخي “مُعدل” لمعظم الكوارث البيئية والحياتية التي عاشها ولا يزال يعيشها الشعبان السوري واللبناني على حد السواء، غير أن الفنان لم يقدم ولو عملا واحدا من أعماله بشكل درامي موجع، بل طغى على مجمل معروضاته، حتى تلك التي تجسد قبورا مُعلقة في الفراغ ومجسمات صغيرة لجنود ودبابات كلاسيكية شهيرة عالميا قام بشرائها وجمعها ومن ثم قام بتشكيلها في أعمال فنية مُستقلة، طغى عليها سكون غرائبي يشي بجراح لا تريد أن تستعرض ذاتها.

من الصعب جدا اختصار ما قدمه الفنان من مفردات فنية متصلة وإن تباعدت جغرافيا أماكن عرضها، ولكن يمكن ذكر أبرز الأفكار التي نسجت خارطة الأوجاع المُلثمة بالصمت، نذكر منها الأفكار المتعلقة بالهجرة والموت والتلوث البيئي والشتات والحرب وإحساس الفقد. وهنا أساسا، لم يخرج خياطة عن أسلوبه الفني المعهود الذي بناه بالخيوط ورقع القماش المجموعة والمرصوصة إلى جانب بعضها البعض.

وإن كان الفنان ارتقى إلى مكان ما في مسيرته الفنية، فهو أنه استطاع أن يقيم من الشرذمة التي لم تفارق أعماله السابقة وحدة بصرية متقشفة في ألوانها وخفيفة خفة المناطيد التي شغلت العديد من أعماله السابقة.

معرض

ويكاد مُجمل ما قدمه خياطة لا يعدو أن يكون منطادا من مناطيده، وقد تفجر أجزاءً كثيرة لم تتناثر، بل ثبتت مُعلقة في الفراغ بأشكال أعمال فنية لتتلو كل واحدة منها قصتها الشخصية جدا والتي لا تتناقض، بل تكمل قصص الأجزاء الأخرى.

ومن الأعمال نذكر تلك التي تحمل عنوان “دار السلام”، والتي يقول عنها “إنها مقبرة وادي السلام، بالقرب من مدينة النجف العراقية، تعد هذه المقبرة الأكبر في العالم وتغطي مساحة ستة كيلومترات مربعة، وتضم رفات أكثر من خمسة ملايين شخص، ظلت هذه المقبرة تنمو بشكل متسارع خلال الغزو الأميركي وبعده حتى أصبحت أشبه بمدينة هائلة تسكنها أعداد هائلة من الضحايا..”، هي إشارة واضحة إلى الموت الذي ضرب المنطقة العربية بأسرها، غير أن الفنان كما في الأعمال الأخرى لفحها بهدوء حزين.

ويحمل أحد الأعمال عنوان “أرض الصبارة”، ويخبرنا خياطة بأن الصبار المُعمّر قد اقتلع من أحياء منطقة المزة في دمشق، لتحل مكانه مجمعات تجارية ضخمة أفقدت المدينة الكثير من رونقها الأخضر، ويمكن لهذه الخاطرة أن تجد صداها لدى البيروتيين الذين ما زالوا يذكرون كيف كان الصبار ينمو بكثرة في مناطق متعددة من بيروت قبل اقتلاعه، ويجسد الفنان فكرته بكتلة إسمنتية نمت منها نباتات الصبار بالرغم من الإسمنت.

ويعنون خياطة مشروعه الفنّي/المفاهيمي المؤلف من خمسة عشر عملا فنيا تركيبيا بـ”تخلي”، عنوان لافت لأنه يحمل أكثر من تأويل، وقد يكون التأويل الأقرب إلى ما قصده الفنان هو التخلي عن الثقل واعتماد الخفة المُبلسمة بعد أن كانت أعماله السابقة تنطق زرقتها الطاغية بصراع شديد فيما بينهما، بيد أن هذه الخفة مرجعها ليس عدم الاكتراث بما حدث ويحدث، كما لا يعني الثقل قيمة الأشياء أو مدى تجريحها في النفس.

معرض

الخفة المقصودة هنا هي شمولية النظرة المُمكنة حصرا من مكان مُرتفع وصل إليه الفنان بعد أن استقل أحد مناطيده التي رسمها في أعماله السابقة، ليلقي نظرة من الزرقة إلى زرقة المنطقة المتجزئة بأهوالها وكوارثها البيئية.

كل أعمال محمد خياطة التي تناثرت هنا وهناك في فضاء بيروت، ومعظمها معلق بخيوط دقيقة نسبيا، تحيلنا إلى لوحة سبق أن قدمها، وهي من أروع أعماله بعنوان “بحر إيجة”، يومها قال خياطة عن العمل “عن أخي الذي ملأ قاربا بجسده، ومضى بعيدا باحثا عن أمل جديد وسط الحيتان”، بدت أعمال الفنان المشرذمة بألوانها الباهتة وكأنها في تصالحها مع قدرها ما يكوّن معالم هذا البحر، ولكن.. من بعيد.

17