محمد خير الجراح: سوريا تحتاج الآن إلى مسرح شعبي

الفنان السوري يرى أن الحالة التي تمر بها سوريا تستوجب توفر مسرح شعبي يستوعب الحالة الفنية والاجتماعية التي تحاكي هموم الناس.
السبت 2018/10/13
من الناس وإليهم

حلب (سوريا) - درس الفنان السوري محمد خير الجراح الاقتصاد، لكن وجوده في بيت فني جعله متشبّعا به ومتفرغا للعمل فيه، فوالده هو الفنان الحلبي المعروف عبدالوهاب الجراح الذي رحل مبكرا وشارك في العديد من الأعمال الفنية السورية بين السينما والمسرح. وعلى خطى والده انطلقت مسيرة الابن في المسرح الذي عشقه ثم انتقل ليعمل في التلفزيون وكذلك السينما، فقدم شخصيات تلفزيونية شهيرة منها “جوهر” في “الخربة” و”بدر” في المسلسل الشهير “باب الحارة” مع النجمة شكران مرتجى.

وقدم محمد خير الجراح مؤخرا في دمشق مع المخرج غزوان قهوجي عرضا مسرحيا بعنوان “السيرك الأوسط”، تصدّيا فيه بجرأة لنص مسرحي للكاتب الراحل محمد الماغوط هو “المهرج”، وهو النص الذي قدم في أكثر من تجربة مسرحية عربية، كما ظهر في مهرجان “ليالي قلعة حلب” الأخير، فأمتع الجماهير من خلال فن المونولوج الساخر.

وعن آفاق تجربته وضرورة وجود المونولوجست، وصدى التجربة التي يقدمها يقول الجراح لـ”العرب”، “هذا الفن الذي يسميه البعض مونولوج يقوم على معايير خاصة، يجب أن تتوافر في شخص الفنان، وفن المونولوج له أهمية قصوى في المخيال الشعبي في الكثير من البلدان العربية، وهو يقوم على أن يكون المغني ممثلا، حتى يستحضر الحالة الحقيقية التي يقدمها، وفي سوريا لعب هذا الدور الفنان رفيق السبيعي وفي مصر الفنان الشهير إسماعيل ياسين الذي أداها بطريقة كوميدية محببة”.

ويضيف “في هذا الصنف من الفن لا يشترط أن يكون المونولوجست مطربا، بل عليه أن يقدمه بالشكل الموسيقي السليم، البعض يسمي المونولوجست مؤديا وليس مطربا، وهذا صحيح في رأيي”.

وهنا تبدو التجربة اللبنانية حاضرة من خلال تجارب قدمها الأخوان الرحباني (عاصي ومنصور)، وكذلك الفنان فيلمون وهبة،  وسار على ركبهم زياد الرحباني الذي قدم عبر سنين طويلة العديد من التجارب الناجحة وكذلك جوليا بطرس، ومن سوريا تميّز سمير كويفاني في هذا النمط، وكل هؤلاء قدموا هذا النوع من الفن بأسلوب غنائي بحت لم يعتمدوا فيه على مغن، لذلك بقيت الموضوعات مؤطرة.

ويوضح الجراح “أما في حال تقديم الأعمال من قبل ممثل فستكون الرسالة أوضح وقدرة وصولها إلى الجمهور أكبر، فمثلا أغنية ‘دفش’ التي قدمتها حديثا، من الصعب أن يقدمها فنان مطرب لأنها بعيدة تماما عن مزاج الطرب وأقرب للتمثيل”.

محمد خير الجراح يعد امتدادا لرفيق السبيعي وإسماعيل ياسين اللذين قدما فن المونولوج بطريقة كوميدية محببة
محمد خير الجراح يعد امتدادا لرفيق السبيعي وإسماعيل ياسين اللذين قدما فن المونولوج بطريقة كوميدية محببة

وعن مسرحية “السيرك الأوسط” التي عرضها في دمشق وستعرض في حلب قريبا، قال “كنت أهجس دائما بأنه لا بد من إيجاد مسرح شعبي، مثل الذي قدمناه في مسرحية الماغوط التي تلامس الناس العاديين، هذا المسرح بعيد عن المسرح النمطي المعتاد، المسرح الشعبي يهمّ العامة، يعرض مشكلاتهم وينجذبون إليه بسلاسة وتلقائية بعيدا عن الغوغائية والشعارات الفضفاضة”.

ويؤكد الجراح أنه تعاون سابقا مع الكاتب محمد عمر في صياغة بعض أفكار محمد الماغوط وتحويلها إلى عرض مسرحي متكامل، ولكنهما يصطدمان في كل مرة بالعملية الإنتاجية التي لا ترى فيها مشروعا استثماريا ماليا ناجحا.

وتحقق حلم محمد خير الجراح أخيرا حين اقترح عليه غزوان قهوجي مشروع مسرحية “السيرك الأوسط”، المستلهمة من أعمال الماغوط، فاقتحم التجربة دون تفكير زاده في ذلك شغفه وقناعاته بأفكار الماغوط القريبة جدا من ذائقته الفنية أولا، والذائقة الشعبية السورية ثانيا.

وعن موقفه كفنان ممّا يجري حاليا في المحيط العربي من تغيرات سياسية كبرى، وهل يعتبر المسرحية بمقولاتها السياسية تشكل صرخة في وجه الساسة، قال “المسرحية تصرخ بوجه الجميع، هي صرخة الألم التي يعاني منها المواطن السوري والعربي عموما جراء هذه الحروب القاسية التي عبثت بأوطانهما وجعلت عجلة الأمان والتنمية فيها تتراجع عشرات السنين إلى الوراء”.

وأكد أن “الوضع السياسي مأزوم حاليا في الوطن العربي بشكل عام، وهذه الظروف الصعبة رغم خطورتها الكبيرة التي تهدد أوطاننا بأكبر الشرور، انشغلنا عنها بمتطلبات الحياة اليومية البسيطة منها والقاسية على حد سواء، فالمواطن العربي صار معنيّا بمفردات تتعلق بتأمين الطعام والكساء وساعات إضافية من الطاقة الكهربائية والمياه والنقل والمستلزمات المدرسية لأبنائه، وترك الأخطار الكبيرة الداهمة التي تحيط بالبلاد”.

ويختم محمد خير الجراح حواره مع “العرب”، بتأكيده على أن مسرحية “السيرك الأوسط” لم تحرك فقط الوضع السياسي المأزوم، بل حركت أيضا الوسط الفني الراكد في ما يخص المسرح الشعبي السوري.

والمسرحية عنده “تعد إسقاط حجر في المياه الراكدة، وصار واضحا أننا بحاجة ماسة إلى هذا النمط المسرحي الجاذب للجمهور، والذي تنادي به جهات أهلية ورسمية في سوريا، فالحالة التي تمر بها سوريا الآن، لا بد فيها من مسرح شعبي يستوعب الحالة الفنية والاجتماعية التي تحاكي هموم الناس ويحقق فكرة أنه منهم وإليهم”.

13