محمد دكروب.. الأديب العصامي والمثقف العضوي

الاثنين 2013/11/18
حياته الفريدة كانت وراء نجاحه الأدبي

سيرة المبدع محمد دكروب تتوفّر على كثير ممّا يجب أن يُدوّن ويُصان، لأنها حافلة بنضالات أدبية وسياسية إضافة إلى نضالات ذاتية صورتها سعيُه إلى التكوّن الذاتي ونحت كيانه بيديْه. ونزعم أنّ في هذه السيرة كثير من التفاصيل التي لم تظهر لقرّاء دكروب في ما أصدر من كتب ومقالات، ولعلّ أفضل من يلقي الضوء على هذه التفاصيل هو رفيقه كريم مروة، الكاتب والمناضل السياسي اللبناني الذي خصّ "العرب" بمناسبة مرور اربعين يوما على رحيله بمقالة حول المصادفات العجيبة التي جمعته بدكروب ستنشرها العرب على ننشرها في قسمين.

لعلي لا أبالغ إذا قلت بأن محمد دكروب هو من النماذج الفريدة للأديب العصامي في تاريخ الأدب العربي الحديث. والمقصود هنا بالأديب العصامي في مثال محمد دكروب هو أنه كوّن نفسه بنفسه، من دون أن يكون قد ذهب إلى المدرسة، إلا لعامين فقط في المرحلة الابتدائية. إذ هو قد اقتحم عالم الأدب من خارج الأبواب المعروفة التي يلجها القادمون إلى هذا العالم الجميل، عالم المواهب والثقافات والإبداع في فروعه وفي ميادينه المختلفة المتنوعة.

محمد دكروب، بائع الزهور والخبز المتجول، في بدايات حياته، ومساعد والده الفوّال إبراهيم وشريك شقيقه البكر العبد في دكان السمكرية في مدينة صور والمستخدم في دكان لبيع الورق والمغلفات في بيروت في مطالع الخمسينات، كان حريصا بالفطرة أن يعمل بجهد ودأب وبإرادة فولاذية لكي يتجاوز واقعه الصعب في الاتجاه الذي ينقله إلى عالم آخر مختلف أكثر ارتقاء وأكثر كرامة من عالمه.

الوعي المتمرِّد

رأى دكروب، بوعي متقدم على عمره، وهو في أول شبابه، أن الممر الضروري إلى ذلك العالم الذي كان يسعى إليه هو المعرفة. وكانت وسائطه إلى امتلاكها المجلات والكتب التي كانت تحفل بها مكتبات المدينة. ولم يلبث أن اكتشف عبر تلك الوسائط تباشير مستقبله الواعد في عالم الأدب قراءة وإبداعا. في تلك الفترة بالذات في أواخر عام 1943 وأوائل عام 1944 تعرّفت إلى محمد وانعقدت بيننا على الفور صداقة حميمة. وصارت لقاءاتنا شبه يومية في دكان السمكرية.

في ذلك الدكان بالذات كنا نتداول فيما كنا قد قرأناه في المجلات المصرية التي كانت "الهلال" و"الرسالة" و"الثقافة" الأبرز بينها، ثم انضمت إليها في عام 1945 مجلة "الكاتب المصري".

كما كنا نتداول فيما كنا قد قرأناه من كتب ولا سيما ما كان يرد إلى مكتبات المدينة من مصر لطه حسين وجرجي زيدان وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني ومصطفى لطفي المنفلوطي وآخرين.. لكننا اكتشفنا ونحن نمارس تلك الهواية الجميلة في عالم الأدب والمعرفة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة اللذين أدخلا في حياتنا الوعي والتمرّد على الواقع القائم في بلداننا وحرّضانا على البحث مبكرا عن مستقبل أفضل لم تكن معالمه واضحة بالنسبة إلينا.

هكذا بدأ محمد دكروب في دكان السمكرية ليصبح أديبا بالتدريج في الطريق إلى نجوميته التي تحوّل فيها بأدبه وبسماته الشخصية إلى مدرسة خاصة به حملت اسمه على امتداد حياته وستظل تذكر به. استمرت صداقتنا تتوطد ونحن نجهد لتكوين شخصيتنا الثقافية، كل منا على طريقته وفي مدرسته، هو في دكان السمكرية وأنا في الكلية الجعفرية. وعندما وصلنا إلى مشارف السادسة عشرة من عمرنا جاء إلى مدينة صور وإلى الكلية الجعفرية بالذات الأديب الشاب إنعام الجندي قادما من بلدة السلمية في سوريا لتعليم مادة الأدب العربي.

صديقان نحن

كان مجيء إنعام الجندي إلى عالمنا، أنا ورفاقي في الكلية الجعفرية ومحمد في دكان السمكرية، أحد الوسائط لإشعال الثورة في وعينا التي كانت تتبلور عناصرها بتأثير من قراءاتنا ومن نقاشاتنا حولها ومن العلاقات التي كنا قد بدأنا ننشئها مع من هم أكبر منا في العمر وفي المعرفة وفي التجربة. كان إنعام بالنسبة إلينا بثقافته الواسعة مصدرا للدمج بين روح التمرد والثورة الكامنين عندنا وبين العقلانية التي كانت راجحة عنده.

لكن الطريف في لقاءاتنا، محمد وأنا وعدد من أصدقائنا المشتركين في دكان السمكرية، أن المكان لم يكن يتسع إلا للسمكري محمد ولشخص آخر قبالته، هو الزبون المفترض للدكان من حيث المبدأ. وكثيرا ما كنت أحتل ذلك المقعد، فلا يبقى للزبون المفترض قدومه مكان للجلوس. فيبقى واقفا على الرصيف يجادل السمكري محمد من خارج الدكان في أمر تصليح جهازه. أما باقي مساحة الدكان فكان مخصصا لبابور الكاز ولأدوات العمل وللأجهزة القادمة من الزبائن للتصليح. وصار جزء من المدخول المفترض تحقيقه في الدكان، وهو هزيل بذاته، يتحوّل مع محمد إلى شراء الكتب والمجلات. وكان ذلك مصدر صراع دائم بينه وبين شقيقه العبد.

لم يكن محمد دكروب إذن خريج مدرسة أو معهد، ولا حامل شهادة من الشهادات التي يحملها الخريجون في أية مرحلة من مراحل الدراسة. كان، بالمعنى الدقيق والحاسم للكلمة، خريج ذلك الدكان بكل أحداثه والتباساته، وخريج تلك القراءات وتلك النقاشات، وخريج اجتهاداته الشخصية. فهل كان ذلك هو مصدر الغنى في شخصية محمد دكروب؟

ندم متأخِّر


تمرّد محمد دكروب لم يأخذ منحى واحدا. صحيح أنه كان يطمح لأن يكون روائيا. لكن روايته الأولى ظلت مشروعا لم يكتمل، تماما مثلما ظل مشروعُ تحوّلِي إلى شاعر مشروعا فاشلا بكل معنى الكلمة. والرابح في فشلي هو الشعر بالتأكيد. أما الخاسر في مثال دكروب فهو الرواية. وفي الواقع فإن حياة محمد في الأساس، وبيئته العائلية وتفاصيل حياته والنمط السائد فيها وهمومه واهتماماته، كانت جميعها تشير منذ البداية إلى أنه كان مشروع قصاص وروائي. وكنت أردّد ذلك أمامه. إلا أنه هو وحده الذي كان يستطيع أن يحدد السبب الذي كان يمنعه من متابعة الجهد لكي يصبح قصاصا وروائيا؛ لكنه لم يفعل، واكتفى بأن أعلن ندمه في وقت متأخر. ومعروف أنه كان قد نشر بعض قصصه في المجلات اللبنانية التي كانت مجلة "الطريق" الأولى بينها.

وكان محمد، عندما يتذكر تاريخ بداياته القصصية، يذكر باعتزاز قصته الأولى "الشارع الطويل"؛ وقد كانت من أجمل القصص الواعدة. وهي تعود تاريخيا إلى أول خمسينات القرن الماضي، أي عندما انتقل إلى العمل مستخدما في دكان لبيع الورق والمغلفات في بيروت.

في السنوات الثلاث الأولى لعلاقتي بمحمد دكروب في صور، قبل أن أغادر إلى العراق لمتابعة دراستي، تكوّنت الملامح الأولى لشخصيته والملامح الأولى لشخصيتي. كنا توأمين، بالمعنى الإنساني، رغم أننا كنا نختلف في بعض توجهاتنا الفكرية. ذلك أن عالمه كان أكثر التصاقا بعالم الكتب والمجلات. في حين أن عالمي كان، في المدرسة وعلى هامشها، إلى جانب اهتمامي بالثقافة في المجلات والكتب، أقرب إلى عالم السياسة. كلانا كنا ننتسب إلى من كان يصطلح على تسميتهم بالقوميين العرب في ذلك الحين، أي قبل أن يتأسس بعد ذلك بأعوام حزب سياسي يحمل هذا الاسم. لكننا كنا محاطين بشيوعيين وقوميين سوريين متنافرين متصارعين بالفكر وبالموقف السياسي وصولا إلى الاشتباك بالأيدي في بعض الأحيان أو في أكثرها. كان كلانا على صلة صداقة مع العديد من المنتمين إلى الحزبين، كبارهم وصغارهم. وإذا كنا، محمد وأنا، معروفين بتسامحنا، فإن بعض أصدقائنا من الذين كانوا ينتمون مثلنا إلى مدرسة القومية العربية لم يكونوا ميّالين إلى أية مصالحة أو مساومة، لا مع الشيوعيين ولا مع القوميين السوريين. وكان موقفنا ذاك مصدر استغراب عند البعض، وموضع إعجاب عند البعض الآخر.

في عام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية بسحق الجيوش النازية على يد الحلفاء وبدور أساسي للجيش الأحمر السوفياتي. ومع انتهاء الحرب لم يكن همّنا، محمد وأنا وزملاؤنا الآخرون، إلا فلسطين. لم نلتفت كثيرا إلى دلالات ذلك الحدث الكبير في تاريخ العالم، رغم أننا كنا نسخر من بعض أنصار هتلر الذين كانوا يرفضون تصديق انهياره وانتحاره؛ إذ كانوا يرون فيه صديقا للعرب وحليفا لهم في صراعهم التاريخي مع اليهود حول فلسطين. في ذلك الحين كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بتشجيع من الدول الغربية، قد أصبحت ظاهرة خطيرة. وبات الخوف من تهويد هذه الأرض العربية وإلغاء هويتها وقتل تاريخها هاجسنا الدائم، نحن شباب تلك الحقبة.

___________

* مفكر وسياسي لبناني

15