محمد دكروب.. من سمكري في ورشة إلى نجم أدبي

الثلاثاء 2013/11/19
محمد دكروب كاتب ظل على امتداد حياته لصيقا بالحزب الشيوعي

كانت فلسطين بدلالاتها المتعددة، بالنسبة إلى محمد دكروب وإليَّ، الباب الحقيقي الذي دخلنا منه إلى عالم لم تتضح معالمه عندنا إلا في أواخر الأربعينات وفي مطلع الخمسينات، إذ اندمج الهمّ الثقافي عند كلينا بالهمّ السياسي. فأصبحنا نحن الاثنين، يا للمصادفة، مهيّئين للدخول -كل منا بطريقته الخاصة مع فارق زمني قصير- في الشيوعية فكرا ومشروعا سياسيا لتغيير العالم وللتغيير في بلداننا.

كان محمد دكروب، قبل ذلك، قد تطوّع مع عدد من رفاقه في جيش الإنقاذ لتحرير فلسطين. تطوّع في ذلك الجيش من دون أن يدخل في الحرب التي لم تقع أصلا! وعاد خائبا.. وكان مصيري في العام ذاته ببغداد، التي كنت قد انتقلت إليها في أواخر عام 1947 لمتابعة دراستي فيها، مثل مصير محمد في مدينة صور، لكن في صورة مختلفة.

كانت الأمم المتحدة في عام 1947 قد اتخذت قرار تقسيم فلسطين بين دولتين عربية ويهودية. وهو القرار الذي عارضته ست دول عربية وخاضت الحرب لمنع تطبيقه في عام 1948 انتهت بهزيمة كبرى أعطيت صفة "النكبة". الخيبة، إذن، واليأس من الأفكار والأدوات السائدة آنذاك هما اللذان قادانا، محمد وأنا، بخطى واثقة في اتجاه الشيوعية، كطريق اعتبرناه أكثر سدادا إلى مستقبل أفضل لبلداننا يتناغم ويتطابق مع أحلامنا ومطامح ثورتنا. وفي حين انتقلت أنا بقدرة قادر من الثقافة إلى السياسة وولجتها من أبوابها الواسعة، أكمل محمد سيره بثبات في طريق الأدب الملتزم، كناقد أدبي باسم الواقعية الاشتراكية.

النكبة والخيبة

في أواخر الأربعينات تعرّفنا، دكروب وأنا، بالمراسلة على الأديب اللبناني رئيف خوري، عندما كان يحرّر مع مجموعة من الكتّاب التقدميين باسم "إخوان عمر فاخوري" الصفحة الثقافية في جريدة "التلغراف" اللبنانية. أرسل كلّ منا لرئيف نصا أدبيا نشره في تلك الصفحة الثقافية، وكان ذلك مصدر اعتزاز عند كلينا.
وتوطدت علاقتنا مع رئيف خوري فيما بعد عندما انتقلنا دكروب وأنا إلى بيروت. وفي بيروت، منذ عام 1950، ومن دكان بيع الورق والمغلفات الواقع مقابل سينما "كريستال" التاريخية، التي شهدت في عام 1925 أول احتفال علني بعيد أول أيار نظمه حزب الشعب، حزب الشيوعيين، انتقل محمد دكروب من عالم الدكاكين الحرفية الصغيرة إلى عالم الثقافة الأرحب.
غادر الحياة وترك للأجيال تراثه الثقافي الغنيّ وسيرته الجميلة، وذكريات خالدة تستقر في وجدان أصدقائه وحبا وحنينا إليه يستعصيان على النسيان

وكانت مجلة "الثقافة الوطنية" أول تجربة له في ذلك العالم الجديد الكبير، برفقة صديقه الشهيد حسين مروة وبقيادته، ومعهما حشد من أهل الثقافة كان في مقدمتهم العلامة في الفقه والأدب والتاريخ واللغة الشيخ عبدالله العلايلي والروائي محمد عيتاني والناقد علي سعد والشاعر أحمد أبو سعد.

وصار محمد دكروب، في سنوات قليلة، أديبا معروفا. صار صاحب القلم الجميل وصاحب الرأي النقدي الذي يحسب له حساب، لا في مجلة "الثقافة الوطنية" فحسب، ولا في مجلة "الطريق" وحسب، بل في عدد لا يحصى من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية. صار اسما لامعا في عالم الأدب، لا تكاد تخلو مناسبة أدبية من حضوره ومن إسهامه فيها.

وكان المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب العرب الذي تأسس في عام 1954 في دمشق نافذته الأولى إلى علاقات صداقة واسعة وعميقة مع الأدباء في لبنان وسوريا ومصر والعراق والأردن وفلسطين، وفي كل دنيا العرب. وصار مع الأيام، بفعل اجتهاده، مرجعا في التأريخ لمرحلتي الخمسينات والستينات وما بعدهما في عالم الأدب العربي المعاصر.

الرحلة إلى موسكو

في أواسط الستينات سافر محمد إلى موسكو للتأهيل السياسي والفكري في المدرسة الأممية، التي كانت قد أنشئت منذ أيام لينين لإعداد الكوادر الحزبية في الأحزاب الشيوعية الفتيـّة أساسا، وحتى غير الفتيـّة أيضا. وكنت زميلا له في تلك المدرسة. كنت أنا المسؤول عن الفريق بصفتي عضوا في قيادة الحزب.

وكان محمد واحدا من أعضاء الفريق، وكان "مهضوما" كعادته خفيف الظل وصاحب الابتسامة التي لا تعرف الهدوء والراحة. وكنا، نحن بعض أصدقائه من أعضاء الفريق، نجتمع حول مائدته الشهية التي كانت تخفف من جفاف وثقل دروس الفلسفة والاقتصاد الماركسيين.

فقد كانت تلك الدروس تقدّم لنا بالطريقة السوفياتية الكلاسيكية القديمة. بعد انتهاء سنة الدراسة في المدرسة الأممية ببضع سنوات عاد محمد من جديد إلى موسكو للعمل الصحفي، ولمتابعة التحصيل العلمي كتبرير للسفر، ولإعداد كتاب عن الأديب اللبناني عمر فاخوري لم ير النور، أسوة بروايته الأولى.

في أول السبعينات عاد محمد إلى لبنان من موسكو، بعد أن كاد يصبح روسيا، مصطحبا معه صديقته القديمة "سفياتا" التي أصبحت زوجته. وكنت قد ذهبت إليه في موسكو لأقنعه بالعودة إلى الوطن وإلى حرفة الأدب التي كانت حرفة حياته، فوافق. وانخرط من جديد في الحياة الأدبية والفكرية، بعد أن كان قد انقطع عن هذا العالم لعدة سنوات.

وكانت باكورة كتبه كتابه الجميل "جذور السنديانة الحمراء"، الذي أرّخ فيه لمرحلة تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني. وصدر الكتاب في عام 1974، عام الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب. وللمصادفة فقد كانت باكورة كتبي أنا أيضا في ذلك التاريخ، كتابا يحمل عنوان "كيف نواجه الأزمة في حركة التحرر الوطني العربية؟".


مصادفات


وتستمرّ المصادفات بيني وبين محمد دكروب منذ شبابنا الباكر، الواحدة منها تلو الأخرى. وكأن حياتنا كلها، وصداقتنا كلها، لم تكونا إلا فعل مصادفات. وهل في هذا ما يدعو إلى الاستغراب أو الاستنكار؟ فإذا كانت المصادفات، بهذا المعنى وعلى هذا النحو، فأهلا بها ألف مرّة ومرّة! أجمل تلك المصادفات التي حكمت تاريخ علاقتنا، محمد وأنا، تتمثل في التقائنا على إعادة إصدار مجلة "الطريق"، في صيغة جديدة وبوظيفة جديدة أكثر انفتاحا على الرأي الآخر والفكر الآخر، التي استمرت من أواخر عام 1993 حتى أواخر عام 2003.

كان هو رئيس التحرير فيها، وكنت أنا المسؤول السياسي عن إصدارها وعن كل شؤونها. كان هو رئيسي، وكنت أنا مسؤولا عنه! ورغم أن المجلة أخذت قسطا مهما من وقته إلا أنه تابع إصدار كتبه الواحد تلو الآخر؛ وقد كانت تتمحور حول إلقاء الأضواء على سير وإبداعات عدد من كبار أدبائنا ومفكرينا. وكان أهم تلك الكتب كتاب "وجوه لا تموت".

لكن الكتب التي كان يعتبرها الأكثر أهمية بالنسبة إليه من كتبه السابقة، هي التي شغلته في الأعوام الأخيرة من حياته ولم يتمكن من إنجازها؛ وهي خمسة كتب كما كان يُسِرّ لي ولعدد من أصدقائه. وكان يعتبر أن كتاب "على هامش السيرة" لطه حسين هو الأهم بينها؛ لكنه غادر الحياة قبل أن ينجز تلك الكتب.

ظل محمد دكروب على امتداد حياته لصيقا بالحزب الشيوعي من دون أن يكون عضوا في أية خلية من خلاياه. وهو بسيرته الأدبية والثقافية والسياسية كان صيغة خاصة به لـ"المثقف العضوي" الذي تحدّث عنه غرامشي.

غادرنا محمد دكروب، نحن أصدقاءه ومحبيه، فجأة وبدون استئذان وقبل الأوان المتخيل للرحيل؛ غادرنا وغادر عالمه الجميل في ميدان الأدب وفي ميادين الحياة التي كان يحبها والتي كانت تجمعه بكثرة لا تحصى من الأصدقاء، ولا سيما النساء، على امتداد العالم العربي؛ غادر الحياة وترك للأجيال تراثه الثقافي الغنيّ وسيرته الجميلة، وذكريات خالدة تستقرّ في وجدان أصدقائه، وحبا وحنينا إليه يستعصيان على النسيان.

15