محمد ديبو: الثقافة شاركت في بقاء الاستبداد

الأربعاء 2015/04/08
الثقافة لم تكن بريئة من بقاء الاستبداد بل كانت شريكته في كثير من الأحيان

الثقافة هي دائما محور الثورات الشعبية حتى وإن بدت خافتة مقنعة أو مختفية، حتى أننا نظن ثورات الربيع العربي اليوم بمنأى عن كل ما هو ثقافي، بينما نحن لم نقرأ ما كتب أو لم نستقرئ كل أشكال الفعل الثقافي العربي لنتمكن من رصد دور الثقافة في الربيع. علاقة الثقافة بالثورة وبالتغيير علاقة وطيدة عميقة إذن، لكنها قد تشهد كما أسلفنا فتورا أو تخفيا، ما يجعل من ثنائية الثقافة والثورة تلك الثنائية التي يصعب رصدها. ثم لنا أن نتساءل اليوم أين هي الثقافة مما يحدث في العالم العربي؟

محمد ديبو، كاتب وشاعر سوري، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “خطأ انتخابي”، ومجموعة شعرية بعنوان “لو يخون الصديق”، وأخيرا كتاب “كمن يشهد موته” الصادر ضمن سلسلة شهادات سورية، والتي يوثق فيها إرهاصات الثورة السورية، وتجربة اعتقاله إبانها. عن كتابه الأخير، وأحوال بلده سوريا السياسية والثقافية كان لنا معه هذا الحوار.

يتحدّث محمد ديبو عن دوافعه لكتابة “كمن يشهد موته”، والذي سجّل فيه يومياته في المعتقل الذي دخله بعد قيام الثورة السورية، قائلا «حقيقة لا أعرف بالضبط ما الذي دفعني لامتشاق القلم وبدء عملية الكتابة، إذ في لحظة ما وبعد زمن طويل على خروجي من المعتقل وجدت نفسي أكتب دون تخطيط مسبق، إلى درجة أنني اليوم بعد أن خرجت من سوريا إلى المنفى أستغرب من حماقتي بممارسة فعل الكتابة والنشر وأنا في الداخل، متسائلا كيف تجرأت على الكتابة وسط هذا الموت والخوف والقلق؟».

ويستطرد ديبو «قد يكون اللجوء إلى الكتابة نوعا من محاربة الخوف من الاعتقال مرة أخرى بالذهاب إلى الأقصى، ورفع سقف التحدي في وجه سلطة لا أملك مواجهة دباباتها ومعتقلاتها وهمجيتها بغير القلم واللافتة، أي محاولتي لقطع حبل الخوف الذي كانت تبثه السلطة في كل مكان لإجبار الناس على العودة إلى بيت الطاعة، في حين أن روحي تريد أن تلتحق بروح شعب كسر أصنامه، وصرخ “الشعب يريد إسقاط النظام”. الكتابة هنا في مستوى أول كانت نوعا من هزيمة الخوف الداخلي، وفي مستوى ثان يأتي العام المعروف بأن الكتابة في زمن الثورة هي نوع من الإصرار على فضح الاستبداد وأساليبه. فما بالك حين يكون الكتاب عمّا يحصل في المعتقلات من انتهاك وجرائم ومصادرة لأبسط الحقوق البشرية، علما أن الكتاب- الشهادة لا يقتصر على تجربة الاعتقال بل يتجاوز ذلك إلى أن يكون شهادة من داخل البيت عن الثورة السورية التي دخلت اليوم أفق الحرب الأهلية».

رواية الثورة

ويشير ديبو إلى أنه ابتعد عن كتابة عمل روائي مستفيدا من أحداث المعتقل أو الثورة السورية، لأن كتابة الثورة في رواية تحتاج ابتعادا زمنيا ورمزيا عن الحدث، وهذا متعذر اليوم لشخص مثله منخرط فيها بكل جوارحه. فالرواية تحتاج أن نقرأ جيدا ما حصل، وأن نحلله بعين محايدة.

القوى المضادة -أو أبناء النظام القديم- قد تحكم لسنوات قادمة، ولكنها حشرجة الميت الأخيرة، التي تمهد لولادة الجديد الساطع والذي ستكون ولادته عسيرة

ويضيف «أيّ كتابة اليوم هي كتابة معجونة بالحدث ومنفعلة به -بما في ذلك كتابي-، وهذا ما يجعل إمكانية التعبير عنه روائيا عسيرة، لأن الرواية تحتاج أن تقلب أحشاء كل شيء، هي بمثابة كتابة تاريخ اجتماعي للثورة، فكيف يمكن كتابتها اليوم ونحن نصنع الحدث ولا نعرف نتائجه؟ أنا شخصيا أعتقد أن الثورة السورية هي من العمق والتعقيد حيث يصعب أن ندركها اليوم بعمق، سنحتاج إلى الكثير من الدراسات والمراجعات والقراءات كي نفهم ما حصل أولا، لكي نتمكن من سرده ثانيا، عندها قد نتمكن من الكتابة عنه روائيا».

ويؤكد ديبو أن هناك الكثير ممّا لم يذكره في كتابه “كمن يشهد موته”، فكلما قرأ الكتاب أو تصفحه يتذكر تفصيلا ما، ويقول لذاته مؤنبا “لماذا لم أكتب هذا؟”، لافتا إلى أنه أثناء عملية الكتابة ثمّة عقل داخلي يعمل وفق منطقه الداخلي ووفق رؤيته، يقدّم ما يشاء ويغيّب ما يشاء، وهو ما فعله حيث ترك الصوت الداخلي يتحدّث بفطرته وعفويته، ويقول ما يراه ويشعر به دون تدخل مباشر منه قدر الإمكان.

ويستطرد «بعض ما لم يكتب يتعلّق بحماية زملاء كانوا معي في المعتقل وباحوا لي ببعض الأسرار، وبعد الخروج من المعتقل لم أتمكن من التواصل معهم لأعرف إن كانوا بأمان أم لا، لذا فضلت عدم نشر هذه المعلومات كي لا تؤذيهم، وخوفا من أن تستغل ضدّهم. وأنا في الشهادة ركزت على الإنساني الذي يجمع السجّان مع المعتقل لاعتقادي بأنه الأهم في هذه المرحلة، ولم أركز على الجوانب التي يتمّ التركيز عليها عادة في هذا النوع من الكتابات، وأعني التعذيب والإهانات وغيرها».

تقدم بطيء

وفي ما يتعلق بالوضع الثقافي في سوريا إبّان الفترة الراهنة يقول ديبو «حصلت تغيّرات كثيرة في المشهد الثقافي السوري. ماتت أسماء كبيرة ولم تصعد أسماء جديدة بعدُ، وإن كان بعضها يتقدم ببطء. أقول هذا رغم أن ثمة أسماء كثيرة سطعت تحت الضوء بفعل الثورة، ولكن لا يعوّل عليها لأن الأدب الذي يحتاج إلى ثورة ترفعه ليس أدبا، فهو سيموت مع انتهاء الثورة بكل بساطة، لأن السؤال الأهم يبقى: كيف تصنع ثورة من نصك سواء تكلم عن الثورة أم عن الحب؟».

هناك ثقافة جديدة تتقدم في ضوء امتحانها، وعلى ضوء الواقع المتحول يوما بعد يوم، وليس على ضوء الكتب فحسب

ويضيف قوله «أهمّ ما حصل في سوريا، أن الثقافة الماضية ماتت كلها وثمة ثقافة تولد اليوم، وحين أقول الثقافة أعني بذلك المفاهيم والمنظومات التي حكمت الثقافة طيلة عقود، إذ لم تكن الثقافة بريئة من بقاء الاستبداد بل كانت شريكة في كثير من الأحيان، وهذا ما نحن بصدد اكتشافه اليوم في سوريا؛ لقد تساءلت في بحث لي حمل عنوان “المثقف والمعارضة والشأن العام في سوريا”، عن سبب عدم وجود كتاب بقلم مثقف سوري يشرح ماذا حدث في ثمانينات القرن الماضي مثلا بلغة علمية؟ وما هي بنية نظام الاستبداد السوري في العمق، وكيف حكم سوريا طيلة عقود؟ غياب هذه المعرفة ساهم في تكوين معارف خاطئة عن سوريا، لهذا كان وعينا قاصرا عمّا يمكن أن يفعله هذا النظام في حالة الثورة عليه، وهو ما نحصد ثمنه اليوم».

ويشير ديبو إلى أن الثقافة التي تموت اليوم لم تهتم بسوريا كوطن وكإنسان، بل رفعت القضايا قبل كل شيء، فحضرت الأمة العربية وإسرائيل والقومية ولم تحضر سوريا أو السوري. اليوم يعيد السوريون اكتشاف سوريتهم والبحث عنها. وفي خضم هذا البحث والمراجعة تولد ثقافة جديدة تتقدّم في ضوء امتحانها، وعلى ضوء الواقع المتحوّل يوما بعد يوم، وليس على ضوء الكتب فحسب، وهذا أيضا يحتاج وقتا لكي نرى ثماره.

ويوضح أن أبرز ما يحصل اليوم هو اكتشاف أهمية الثقافة من جديد، فالشعوب التي خبرت كذب الإعلام والسلطات، ومحدودية وسائل التواصل الاجتماعي، باتت تدرك أنها تحتاج شيئا جديدا، وهنا تكمن أهمية الثقافة التي باتت تتغيّر هي الأخرى؛ حيث سقط الكثير من النظريات والمعارف لصالح ما يولد اليوم تحت ضوء الشمس، أي العودة إلى الواقع لقراءته من جديد، واكتشاف ما يحصل فيه لفهمه، بعد طول إقامة في الكتب والنظريات.

تغير العمق

وعن رؤيته للحالة السياسية في سوريا يقول ديبو «اليوم تحولت الثورة إلى حرب أهلية مسدودة الأفق، حيث يمكن القول إن قوى الثورة تراجعت لصالح تقدم قوى الثورة المضادة، حيث يتصارع النظام المستبد اليوم عسكريا من حيث كونه قوة ظلامية مع القوى الظلامية الإسلامية، التي تعمل على وراثة الاستبداد، في حين أن قوى الثورة تركز على المجتمع المدني، ولا مكان لها عسكريا في الصراع الدائر».

ديبو: ما يحصل اليوم هو اكتشاف أهمية الثقافة من جديد

ويستطرد «ما نفتقده في سوريا هو السياسة كلها، إذ لا يوجد أي شيء له علاقة بها، بل إن الثورة السورية في أحد معانيها هي سعي لاستعادة السياسة التي ألغاها نظام حكم عقودا طويلة بالنار والحديد، جاعلا من القمع والقتل سياسته الوحيدة. وهنا جاءت القوى الظلامية الهمجية لتكمل الباقي بمصادرة السياسة حتى من المستقبل، كما يقول الناطقون باسمها».

ويضيف ديبو «مشكلتنا السورية أن هذا القمع الطويل أنتج معارضة عاجزة عن فهم ألف باء السياسة، فبات العنف والسلاح هما السياسة الوحيدة في ظل ارتهان طرفي الصراع السوري اليوم للقوى الإقليمية الدولية، التي تستثمر في الطرفين لتحقيق مصالحها على حساب مصالح الشعب السوري ودمه المهدور في الطرقات والمنافي وفي مخيمات اللجوء».

ويلفت ديبو إلى أنه رغم وصول أفراد من النظام السابق إلى السلطة في كل من مصر وتونس واليمن، وذهاب سوريا وليبيا نحو حرب مفتوحة لا ترحم، فإنه لا يزال متفائلا أو بتعبير أكثر دقة، هو متشائم على المدى القصير متفائل على المدى الطويل. مما يعني أن قطار الثورات انطلق ولن يتوقف، رغم كل الكوابح التي تضعها أنظمة قمع تخشى وصول الربيع إليها وقوى الثورة المضادة (الإخوان والجهاديون…).

ويضيف «ثمة ما تغيّر في العقليات العربية وهذا أمر لا يمكن لأي سلطة أن تمنعه، فحين يتغيّر العمق يصعب ضبط الفوق، وهذا ما لم تنتبه إليه حتى اليوم قوى الظلام ومثقفوها الذين يقرأون الثورات ونتائجها في اللحظة الراهنة وبما أفرزت من عفن اجتماعي، متجاهلين أن هذا العفن نشأ أساسا في ظل الاستبداد الطويل وليس في ظل الحريّة، ولهذا ستبقى المنطقة العربية وفق رأيي في مرحلة انتقالية طويلة قد تمتدّ لسنوات قادمة ريثما تؤتي الثورات نتاجها».

ويستطرد «قد تحكم القوى المضادة أو أبناء النظام القديم لسنوات قادمة، ولكنها حشرجة الميت الأخيرة، التي تمهّد لولادة الجديد الساطع والذي ستكون ولادته عسيرة بطبيعة الحال وليست سهلة، لأن القوى التي قادت الثورات تكتشف يوما بعد يوم أنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها، وستعمل على أن تتعلم كيف تُمأسس فعل الحرية لتقطف نتاجه، وهذا يعني أن القوى الثورية التي قامت بالثورة وفشلت في الوصول إلى السلطة ستكوّن أحزابها ومؤسساتها وتتقدم تدريجيا نحو مسرح الفعل التاريخي في السنوات القادمة، لأن عقلية الاستبداد انتهت ولكنها مازالت تحكم جزئيا لأن العقلية الجديدة لم تقبض على أدواتها بعد، وهي تعمل على ذلك اليوم وتتعلم في الميدان. التاريخ السوري ذاته حافل بمحطات كثيرة من عودة الماضي ليحكم فترة قصيرة بعد ثورات، فالثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي انتهت عمليا بهزيمة الثورة عسكريا ولكنها فتحت ثغرة في جوف نظام الانتداب سمحت بتقدم الفعل السياسي الذي حصد أول نتاج له في عام 1936، لتبدأ مرحلة جديدة انتهت برحيل المستعمر الفرنسي عام 1947، ليحكم بعدها الأعيان والبرجوازية التي تعرّت عمليا مع النكبة والعدوان الثلاثي إلا أنها لم تبدأ عملية رحيلها إلا بعد عام 1954 رغم أنها بقيت محتفظة بقسم كبير من السلطة إلى حين الوحدة السورية المصرية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ سوريا أيضا، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أن القديم لا يموت دفعة واحدة بل على درجات، وهذا ما يحصل اليوم من عودة بعض السلطة السابقة إلى الحكم، ولكنها عودة محكومة بقدرة القوى الجديدة على بلورة مشروعها السياسي».

كتابة الثورة في رواية تحتاج ابتعادا زمنيا ورمزيا عن الحدث، والأدب الذي يحتاج إلى ثورة ترفعه ليس أدبا

وعن مدى إمكانية الحل السياسي في سوريا بعد تفاقم الأزمة يقول ديبو «هو الحل الوحيد الممكن، ولكنه الحل الذي لم تكتمل شروطه بعد، فبعد أن أصبح الداخل السوري رهين القوى الدولية والإقليمية، بات الحل للأسف في قسم كبير منه -وليس كله- في يد تلك القوى. وفي انتظار هذا التوافق ستبقى سوريا تستنزف. فما يجري اليوم من مبادرات لا يعدو أن يكون أكثر من تجريب بحثا عن الحل، حيث تنطبق مقولة “من كثرة الطباخين تحترق الطبخة” على ما يجري اليوم في سوريا، حيث المبادرة الروسية ومبادرة دي مستورا والمبادرة المصرية المفتوحة على الدوام ووو…

وهذا يعني ضمنا غياب الإرادة الدولية لحل الأزمة، وطالما أن الإقليم كله مفتوح على استنزاف القوى لبعضها البعض، مع ارتباط الأمر بالصراع الدولي بين روسيا وواشنطن والحوار الإيراني الأميركي والصراع بين دول الإقليم على من يفوز بحصة اللاعب الإقليمي الأقوى، فإن الحل لا يزال بعيدا، علما أن أي حل لا يقدم الحد الأدنى من مطالب السوريين برحيل نظام الاستبداد لن يجد له مكانا من النجاح في سوريا، حتى لو وافقت كل القوى الإقليمية والدولية عليه، لأنه حينها لن يكون هذا حلا بل استسلاما وتأجيلا للمشكلة لا غير».

وعن مشاريعه الأدبية المقبلة يقول ديبو «بين ما تستلزمه اللحظة اليوم من انخراط كامل في الفعل الثوري كتابة وواقعا، وبين الانحياز لمشروعي الأدبي-الفكري، يبقى سيّد الموقف في ظل ضيق الوقت هو الضياع والتشتت. ثمة الكثير من المشاريع المؤجلة والكتب المؤجلة. ولا يسعني إلا أن أحلم بأن أتفرغ للانتهاء من روايتي التي بدأت كتابتها منذ نحو ثلاثة أعوام».

15