محمد ديبو يكتب يوميات الطالع من جحيم الديكتاتورية وصور الحلم والكابوس

الثلاثاء 2014/09/23
ديبو الحي ينقل صورة ما عن ديبو الراحل.. أحدهما يطمئن الآخر على أنه لا يزال حيا

دمشق - أنت مهدد بالموت في أيّة لحظة في سوريا، إما اعتقال أو قصف أو اختفاء قسري في أحد أقبية أفرع الأمن التي تعتبر “قطع من الجحيم على الأرض” في كتابه “كمن يشهد موته”، يقدم الكاتب محمد ديبو اعترافات طويلة تتداخل فيها مشاعر الحزن والخوف والفرح والأفكار السياسية المختلفة بنبرة معارض للنظام السوري ذاق الأمرين من سلطة القمع، الكتاب جزء من سلسلة شهادات سوريّة صادرة عن “بيت المواطن للنشر- دمشق” و”دار أطلس- بيروت”عام 2014.

العنوان يؤسس لبداية السرد الذي تقوم عليه تجربة ديبو، إذ يبدأ بخبر استشهاد محمد ديبو آخر، شهيد من دوما له نفس اسم المؤلف، هنا يقع ديبو في هواجس الموت الذي تفاداه وتقمص آخر له ذات الاسم، لينتقل في حديث بينه وبين نفسه عن هواجسه والموت الذي من الممكن أن يكون قد أصابه إلى الحديث عن الاقتتال الذي تشهده سوريا، ودور النظام في ترسيخ مفاهيم الطائفية والانقسامات التي أصابت الشعب السوري.

كل ذلك من وجهة نظر المعاين/ المشارك على أرض الواقع، القادر على تلمس حساسية العمل الثوري والتناقضات التي يحويها، ودور النظام في زرع الفتنة والخوف وتفكيك الثورة من الداخل بمقولات الخوف والاستبداد.


استدعاء الأنثى


يستدعي محمد ديبو الأنثى متمثلة بأمه، الأم التي تمثل قيدا بالنسبة لأيّ طالب للحرية، فهي قيد مجازي لا يمكن إدراكه، وهي التي تتحمّل أكثر الفقدان والخسارات التي تقع على أبنائها، الأم التي ترى أطفالها مقيدين أو في غياهب سجون الأسد، محمد ديبو يستدعي والدته دائما فهي رادع يراوده ليوقفه عن أيّة مخاطرة بحياته.

محمد ديبو يسرد بصورة بعيدة عن التكلف ما شهده في سوريا منذ بداية الثورة وحتى اعتقاله وخروجه

أما الاعتقال الذي لا بدّ منه، فنراه يصف تفاصيله ويطرح ثنائية الجلاد والمعتقل، وأيهما أكثر إنسانية وأيهما الضحية فيما يحدث، ففي فرع الأمن الكل سجناء، السجين والجلاد، الكل على قدم المساواة لكن لكل دوره، ديبو يطرح هذه التساؤلات وينساق وراء تحليلات سياسية واجتماعية تأتي بعفوية في تداع حرّ لما يدور في خلده متحدثا عن سلطة القمع وأساليب تفكيك النظام.

الاعتقال هو المكان الوحيد الذي يحدد معنى كلمة “إسقاط النظام” فمؤسسات التخويف والوسائل المستخدمة تجعل من الصعب جدا تفكيك هذه البنى القمعية القائمة ولا بدّ من وقت طويل لإزالة كافة عوامل الاستبداد التي يستخدمها نظام الأسد في السيطرة على أفراد الشعب، ويتجلى ذلك في عقلية المخبر، المخبر الموجود داخل المعتقل وخارجه في حياتنا اليومية.

المخبر الذي من الممكن أن يكون صديقا أو غريبا، عقلية الخوف الدائم التي زرعها النظام بين صفوف المواطنين لا يمكن التخلص منها بسهولة أو بثورة واحدة، نحتاج إلى وقت طويل للتخلص من مفرزات القمع التي زرعها نظام الأسد.

تجربة الاعتقال التي مرّ بها ديبو في بداية الثورة ترسم ملامح بداية الحراك في سوريا، والأصوات التي كانت فعّالة على الأرض والتي قررت الخروج عن صمتها، وديبو لا يتوانى عن ذكر أسماء المتظاهرين ومن شاركوه التظاهر في أحياء دمشق، أسماؤهم الكاملة، إذ لا مجال للاختباء أو التراجع بعد الآن.

الموت الذي أثار ديبو هو مقدمة لموت لاحق يخاف أن يشهده


السجن الآخر


بعد المعتقل الذي يراه ديبو نوعا من الحرية الروحية له ولا تتجاوز قيوده سوى الجسد، ينتقل ديبو إلى معتقل آخر، وهو الخارج، هو بيته وقريته، فيكتب بعد خروجه من المعتقل أنه في ضيعته الساحلية أحس بنفسه في سجن أكثر مما أحس بذلك في السجن الحقيقي.

فصورة المعارض حسبما رسمها النظام هي صورة للقاتل والإرهابي الراغب في تدمير الوطن، الذي يتحوّل بمجرد اكتشاف هتافه بكلمة حريّة، إلى عدو للشعب البسيط، عدو للفقراء والمساكين الذي يخاطر بحياته لأجلهم، أثناء إقامة ديبو في قريته تعرض للمقاطعة ولم يحدث أن حدثه أو زاره أحد، فهو “معارض”، هو “عميل”، هو “كل الألفاظ” التي زرعتها بروباغاندا النظام في عقل الشعب لتجعل من النظام المخلص ومن المعارضين إرهابيين.

تفاصيل صغيرة تجعل “كمن يشهد موته” كتابا يستحق القراءة لمن يريد أن يعرف تفاصيل الحراك السوري، محمد ديبو لا يسعى إلى التأسيس لكتابة جديدة، ولا لدفع عجلة الأدب، هنا هو يكتب ما يراه وما يشعر به، بعفوية مطلقة، وكأننا أمام حالة عُري يتحدث فيها عن كل ما يجول في نفسه وما تراوده من أفكار تتعلق بالموت والحياة والله وماهية الحراك السوري، وحدث الموت الذي أثار ديبو هو مقدمة لموت لاحق يخاف أن يشهده، وهو موت الثورة وأثر التدخلات والأطماع الخارجية والتسليح.

الثورة مستمرّة ولن تتوقف، وصدور هذا الكتاب في حدّ ذاته هو دعوة لاستمرار الثورة، الثورة بنقاوتها وأفكارها الأولى التي تدعو إلى حرية الإنسان من كل قيود الديكتاتورية سواء كانت من السلطة أو من الدين أو حتى من الآفات الاجتماعية التي زرعها النظام وجعلها مراكز لثقله وأذرعا لبطشه.

14