محمد راسم رسام المنمنمات الذي تحرر من الماضي

الأحد 2015/12/13
محمد راسم فنان قدم دروسا في المقاومة عن طريق الفن

ستوكهولم - غالبا ما ينأى الفنانون بأنفسهم عن الماضي، كونه حاضنة لعالم انتهى مفعوله ولم يعد تأثيره قابلا للحياة. أما أن يقوم فنان بالعودة ألف سنة إلى الوراء وإحياء فن زمن صار ملكا للتاريخ فإن ذلك الفعل يعد مغامرة، قد لا يوفق مَن يخوضها في الخروج منها فنانا طليعيا، يشار إليه بالبنان. الجزائري محمد راسم كان هو الاستثناء في تاريخ الرسم في العالم العربي.

فعل الفن باعتباره سلاحا

هذا الفنان الذي سحره فن المصغرات التزويقية الإسلامي (المنمنمات) فوضع موهبته في خدمة ذلك الفن، باعتباره نوعا معاصرا من الفن كان في الوقت نفسه رائد حداثة فنية من نوع خاص. وهو ما دفع بعض نقاد الفن إلى تشبيه الدور الذي لعبه في تاريخ الرسم الجزائري المعاصر بالدور الذي لعبه محمود مختار في مصر وجواد سليم في العراق. وهو حكم يقبل النقاش الذي لا تُفند دقته.

راسم الذي لم يكن فنانا شعبيا، حيث تميزت معرفته بتحولات الفن الحديث في أوروبا بالعمق والأصالة كان باحثا عن هوية تضع الفن في مساره التاريخي الصحيح وسط خيارات فكرية وفنية فرضها المستعمر الفرنسي ليمارس من خلالها تطبيع أحواله ثقافيا. بهذا المعنى كان فن راسم فنّا مقاوما، اتخذ من العودة إلى نوع ماضوي من الفن ذريعة لصنع فن يشيد الحاضر على قاعدة وطنية.

تذكّر رسومه للوهلة الأولى برسوم فناني العصر العباسي الأوّل، غير أن التمعن في النظر إليها لا بد أن يقودنا إلى مكان آخر. مكان يقيم فيه شعب، كان حريصا على أن يدافع عن وجوده بمختلف ما يملك من أسلحة ومنها السلاح الثقافي.

في السنوات التي شهدت تصاعد وتيرة الثورة الجزائرية لم يحمل راسم السلاح، غير أنه كان يقف في مقدمة المقاومين وكان الفن سلاحه.

محمد راسم رسم جنات متخيّلة

الرسام المكرس عالميا

ولد محمد راسم في حي القصبة بالجزائر عام 1886. درس الرسم في مكتب الرسم للتعليم المهني، هناك حيث بدأ شغفه بالمنمنمات. عام 1914 التقى بالمستشرق نصرالدين دينييه الذي سبق له أن اعتنق الإسلام فكان ذلك اللقاء بمثابة النقطة التي تمحورت حولها حياة رسام في المستقبل. يومها كلفه دينييه بتزيين كتابه “حياة محمد” برسومه.

عام 1917 أنجز راسم أول منمنمة مستقلة بعنوان "حياة شاعر" بعدها حصل على منحة لزيارة الأندلس ولندن، وهو ما جعله يطلع وبشكل مباشر على المخطوطات العربية القديمة ويرى عن قرب رسوم يحيى الواسطي التي زينت كتاب مقامات الحريري الذي يعود إلى القرن الحادي عشر.

بدءا من عام 1922 يستقر راسم في باريس لتبدأ مغامرته في رسم حكايات ألف ليلة وليلة التي صدرت في عشرة مجلدات وهي التي أهلته لنيل الوسام الذهبي من قبل مؤسسة الرسامين المستشرقين الفرنسيين عام 1924.

لم يعد راسم إلى الجزائر إلا عام 1932 متزوجا من سويدية، هي المرأة التي لقيت حتفها معه عام 1975، يوم هجم لصوص على بيتهما، وهي حادثة لا تزال غامضة، بسبب تستر السلطات عليها. ما بين عودته ووفاته مارس راسم تدريس المنمنمات في مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر وأقام العديد من المعارض كما أصدر كتابين عن فنه هما “الحياة الإسلامية في الماضي” و”محمد راسم الجزائري”.

عدو الاستشراق في جنته

محمد راسم يتجاوز مفهوم الفنان الشعبي

حرص راسم على أن يُقدم باعتباره فنانا جزائريا كان يشكّل مصدر خيبة للمؤسسات الاستشراقية التي تبنّته، ذلك لأنها كانت تريده فنانا عائما، فنه يصف شيئا من ماض لا يمكن استعادته إلا عن طريق الصور. بالنسبة إلى تلك المؤسسات فإن القضية التي كان يدافع عنها راسم لم تكن واضحة.

موهبة محمد راسم الكبيرة أجبرت مؤسسات فرنسية على تكريسه رساما محترفا، غير أنها وسط حماستها لفنان حضر فجأة من الداخل الجزائري، كانت حريصة على أن تصنفه فنانا استشراقيا، لتضمه إلى قائمة فنانيها الكبار الذين ذهلوا بالمشهد الجزائري بدءا من جيروم وانتهاء بديلاكروا الذي رسم لوحته الشهيرة “نساء الجزائر”. فهل كان راسم فنانا استشراقيا حقا؟

ما فعله راسم كان أكبر من أن يتم إدخاله في ذلك القالب الجاهز. لقد عاد الرجل إلى مدرسة بغداد مسحورا برسوم الواسطي وبهزاد. غير أنه لم يكن قد قرر أن يكون رساما ماضويا. لو فعل ذلك لكان ذكره قد امّحى. ما فعله الرجل كان بمثابة إحياء لفكرة أن يكون هناك رسم عربي بمقاسات معاصرة.

لم يكن فعل الرسم بالنسبة إليه استعاديا بقدر ما كان محاولة لفهم قوانينه التي أثبت أنها لم تنقطع. فرسام القرن العشرين الذي هو “محمد راسم” كان في إمكانه أن يخترق زمنه بتقنية سبق وأن اخترعت قبل تسعة قرون من قبل رسام بغدادي هو “يحيى الواسطي”. استعادة روح الواسطي لا تعني بالضرورة استعادة رسومه.

على غرار الواسطي كان راسم قد زين كتاب ألف ليلة وليلة. غير أنه رسم الحياة في الجزائر بالتقنية نفسها. لم يستعن بذاكرته البصرية بل لجأ إلى تسجيل ما تراه عيناه مباشرة من الواقع الجزائري. كان رسّام مشاهد واقعية. كان هوسه بالماضي تقنيا. أما مضامين رسومه فقد كانت تنبعث من تجربة العيش المباشر. ما لم يكن يراه الأوروبيون كان راسم يراه بعينيه الجزائريتين.

المنمنمة وهي فن عربي خالص

لم يقلده أحد. هل قُدّر لمحمد راسم أن يكون رسام المنمنمات العربي الوحيد في القرن العشرين؟ كان من الصعب أن يتأثر به أحد. أصعب من التأثر برسومه كان النظر إليه باعتباره فنانا معاصرا.

راسم وجد هويته العربية في فن المصغرات التزيينية
لقد تأخر الفنانون العرب في فهم مغزى ما فعله راسم. فإذا ما كان الغربيون قد صنفوه فنانا استشراقيا فإن العرب لم ينظروا إلى فنه إلا من جهة كونه محاولة لاستعادة فن قديم. لقد أحيطت تجربة محمد راسم بقدر هائل من سوء الفهم. ما رحّب به الغرب كان بمثابة نوع من الخيال الفلكلوري بالنسبة إلى العرب. ألهذا لم يتم الاحتفاء براسم عربيا؟

في حقيقته فإن راسم كان قد أحيا تقليدا فنيا عربيا كان قد عفا عليه الزمن. غير أن إحياء ذلك التقليد كان يقع في قلب قضية، كان رسامو خمسينات القرن العشرين العرب قد اهتموا بها وجعلوها قضيتهم المركزية. ما معنى أن يكون الرسام عربيا؟ لقد وجد راسم هويته العربية في فن المصغرات التزيينية، مثلما وجد شاكر حسن آل سعيد تلك الهوية في ما بعد في جماليات الحرف العربي.

ما لم يفهمه الكثيرون أن راسم كان يقاوم عن طريق الفن. لقد فرض عليه ظرفه التاريخي ذلك النوع من المقاومة الذي يتماهى مع قدرته على أن يكون إنسانيا في لحظة، تتعرض فيها الإنسانية إلى خطر الإبادة.

المنمنمة هي فن عربي خالص كانت خلاصة تعبيرية لوجود جزائري خالص. “هناك يقيم شعبي” كما لو أنه يرتجل جمالية، هي خلاصة ما كان وما يمكن أن يكون. الرسام الذي أقام جسرا عبر تسعة قرون نجح في أن يتخيل طريقا، لا تصل الماضي بالحاضر، بقدر ما تجعل من الحاضر مصفاة للماضي.

لقد رسم محمد راسم جنات متخيّلة، هي عبارة عن مشاهد تمتزج فيها حكايات الماضي بما ارتجله الواقع من حكايات، فكانت النتيجة فنا يرتقي بالواقع خياليا.

10