محمد رشاد ناشر مخضرم يراهن على الثقافة والإبداع

رئيس اتحاد الناشرين العرب شخصية فريدة تفكر عكس الجميع وتسير دوما ضد التيار، وتُراهن على المستقبل.
الثلاثاء 2020/10/13
حاصد الجوائز يقاوم التطرف بمزيد من الكتب

غزت البهجة الوسط الثقافي القاهري خلال الأيام الماضية، في ظل إحباطات متسعة نتيجة شهور العزلة وتراجع مبيعات الكُتب، حين افتتحت الدار المصرية اللبنانية مكتبة لها بحي الزمالك القريب من وسط القاهرة.

كان من الغريب أن يُفكر أحد في مشروع تجاري له جانب ثقافي، مع ارتفاع أعباء المعيشة ونشوء كساد نسبي في سوق الكتاب. وكان الأغرب أن يتم ذلك بعد شهور قليلة من ظهور وباء فتاك ومُخيف ألزم العالم بالبقاء في البيت لشهور طويلة، وتتسع الدهشة أكثر إذا علمنا أن حي الزمالك نفسه، الذي احتضن الفرع الجديد للدار، هو حي راق، تكلفة التواجد فيه مرتفعة للغاية، ومبيعات الكُتب، وأرباحها مهما كانت لا يُمكن أن تفي بمصروفات المكان.

تزول الدهشة إذا عرفنا أن من يقف خلف ذلك المشروع شخصية فريدة تفكر عكس الجميع، وتسير دوما ضد التيار، وتُراهن على المستقبل. إنه الناشر المصري محمد رشاد رئيس ومؤسس الدار، ورئيس اتحاد الناشرين العرب، الذي استحق وصف “الكُتبجي” الذي أطلقه عليه لإيمانه بالثقافة كرسالة قبل أن تكون فرصة ربح.

يُخالف رشاد التصورات القاصرة وهو يمد خطواته الأولى في العقد الثامن من عمره إلى المستقبل، ويُغامر وهو الناشر المُخضرم كشاب طموح في العشرين، ويُصر على أن النشر ليس مجرد عمل غرضه تحقيق أرباح، ولا صناعة وجاهة اجتماعية أو مكانة سياسية، إنما مُهمة تنوير لجوانب مُظلمة في مُجتمعات تُعاني أمية ثقافية حادة تجعلها نهشا لجهالات التطرف والتعصب وأرضا خصبة للأفكار الغريبة.

 يعرف رشاد ما يريد، ويسعى إليه بإخلاص وحماس وقناعة، يرى أن غايته أن يُغيّر ويؤثر ويمد يدا لإصلاح وتنمية مجتمع اضمحلت الثقافات لديه وسبب غيابها بلادة، وتبعية، وتسطيح. يؤكد أنه لا يسعى إلى أن يكون تاجرا ناجحا، إنما ناشرا متميزا، كما يقول لـ”العرب”، وهو الذي ومنذ بداية رحلته مع النشر كان يعتبر أن نجاحه الحقيقي تطوير مهنة النشر، وخدمة الثقافة لا تحقيق أرباح.

حلم بأن يحمل النور للناس، وينشر للجميع، من اتفق معهم ومن اختلف، من يسكن إلى جواره ومن يسكن بعيدا عنه، يعتبر الناشر الجيد مَن يفتح أبوابه لشتى الرؤى. يُراهن على الزمن، فالناس سوف يتغيرون ويتطورون وينضجون، وسوف تنمو المواهب ويستعيد العرب ركب الحضارة.

 من هنا لا نستغرب أن تكون الدار المصرية اللبنانية الحاضن الأوسع لكبار المبدعين في مصر، والسلم الأول لبزوغ نجوم جُدد في عالم الثقافة، والحاصد الأكبر للجوائز الأدبية والثقافية على المستويين المحلي والعربي.

الناشرون وكتب التطرف

رشاد يُخالف التصورات القاصرة وهو يمد خطواته الأولى في العقد الثامن من عمره إلى المستقبل، ويُغامر وهو الناشر المُخضرم كشاب طموح في العشرين، ويُصر على أن النشر ليس مجرد عمل غرضه تحقيق أرباح.
رشاد يُخالف التصورات القاصرة وهو يمد خطواته الأولى في العقد الثامن من عمره إلى المستقبل، ويُغامر وهو الناشر المُخضرم كشاب طموح في العشرين، ويُصر على أن النشر ليس مجرد عمل غرضه تحقيق أرباح

تمثل تجربة محمد رشاد نموذجا رائدا للنشر الناجح والمؤثر المناهض لفكر التطرف والتغريب، والمُحفز للشباب على الإبداع والأطفال على القراءة.

 تبدو التجربة برهانا عمليا على إمكانية النجاح والتحقق والريادة دون استغلال لأفكار متطرفة أو تسويق لكتب إثارة أو اعتداء على حقوق ملكية فكرية أو احتيال على مؤلفين.

ليس أدل على ذلك من أن سمعة الدار تسبقها في كل مكان، حتى أن جابر عصفور وزير الثقافة المصري الأسبق كتب يوما أن رشاد من الناشرين أصحاب الرسالة، لأنه لم يدخل سوق موجة الصحوة الإسلامية، ويروج لكتب التطرف الديني ويجني منها ثروات مثلما فعل معظم الناشرين، بل إنه من القلائل الذين يحترمون حقوق المؤلفين.

هو رجل يؤمن بالحرية لأقصى درجة، ويرى أن الانغلاق والتطرف نقيضان للحضارة، والإبداع لا يُمكن أن يُسجن أو يُدفن. يقول الشاعر أحمد الشهاوي لـ”العرب”، إن رشاد واجه بصلابة شديدة الحملة الشعواء التي شنها الإسلاميون على كتابه “الوصايا في عشق النساء” ورفض مقترحا بوقف توزيع الكتاب، وكان يأخذه معه في الدول العربية كلما سافر أو شارك في معرض، إيمانا بحق المبدع في الوصول إلى الجمهور.

بدأ رشاد تجربته في مجال النشر في يوليو سنة 1985 عندما أسس الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة. وكان قد عمل منذ سنة 1970 في مهنة النشر بموطنها العربي الأول لبنان في سن مبكرة، وهو ما يفسر تأخر تخرجه في الجامعة حتى سن السابعة والعشرين. دفعه اشتعال الحرب في لبنان إلى العودة إلى مصر ليحصل منها على بكالوريوس التجارة من جامعة القاهرة، قبل أن يعمل مسؤولا لدار الكتاب اللبناني في القاهرة.

كانت تلك السنوات باعثا أساسيا في تشكيل وعي رشاد بضرورة إطلاق مشروعه الخاص، فبعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، قطعت معظم الدول العربية علاقاتها مع مصر، وانقطعت جسور التلاقي الثقافي بين القاهرة والمُدن العربية الكبرى.

شعر بالاستفزاز الشديد من رؤية جديدة أطلقها الباحث الفرنسي فرانك ميرمي، خلاصتها أن الهيمنة الثقافية المصرية على العالم العربي انحسرت تماما مع بداية حقبة الثمانينات، وأن القاهرة فقدت تأثيرها الثقافي بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد.

يقول رشاد إن ذلك التصور دفعه للسعي نحو استعادة المكانة الغائبة للثقافة المصرية، وأن الإبداع يُمكن أن يعوض غياب العلاقات السياسية الرسمية. كان النشر في مصر في ذلك الوقت يقتصر على النشر الحكومي، إلى جانب عدد محدود من الدور الخاصة التي تُعد على أصابع اليد الواحدة. وكانت تلك الدور تُركز على كتابات مَن أسمتهم

بالمفكرين الإسلاميين مثل محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، سيد قطب، تجاوبا مع طلب الجمهور وقت ما عرف بالصحوة الإسلامية. وكانت هُناك شلل معينة من المثقفين تحدد المسموح نشره والممنوع، ولم تكن هناك كيانات قوية تُنظم العلاقة بين المؤلف والناشر.

اكتشاف المواهب

الدار المصرية اللبنانية تعتبر اليوم الحاضن الأوسع لكبار المبدعين في مصر، والسلم الأول لبزوغ نجوم جُدد في عالم الثقافة، والحاصد الأكبر للجوائز الأدبية والثقافية على المستويين المحلي والعربي
الدار المصرية اللبنانية تعتبر اليوم الحاضن الأوسع لكبار المبدعين في مصر، والسلم الأول لبزوغ نجوم جُدد في عالم الثقافة، والحاصد الأكبر للجوائز الأدبية والثقافية على المستويين المحلي والعربي

يُمكن القول إن السلطة العشوائية الحاكمة كانت كفيلة بإحباط أي صاحب رسالة حقيقية في مجال الثقافة، غير أن رشاد رأى غير ذلك. ففي تصوره، النشر الخاص هو الأقدر على اكتشاف مواهب حقيقية، والدار الناجحة ليست هي التي تتعاقد مع النجوم، لكنها التي تصنع النجوم.

هكذا رسم مخططا جديدا لتطوير النشر من حيث المحتوى والشكل، فاستعان بمستشارين مثقفين، وفتح الباب لتلقي مختلف الكتابات، كما استعان بمجموعة من الرسامين والفنانين لوضع أغلفة جديدة مختلفة وجاذبة. واستكتب مجموعات من الكُتاب من مختلف الأعمار في فئات العلوم الإنسانية، الفكر، الفلسفة، الموسوعات العلمية، الآداب وكتب الأطفال.

حرص رشاد على اعتماد صيغ قانونية واضحة للتعاقد مع المؤلفين، واستخدام نظم تسويق وترويج متطورة لنشر الكُتب. ومن مظاهر نجاح المشروع، قيامه بعد ثلاث سنوات فقط بتأسيس دار نشر أخرى شقيقة، لتنشر نوعا آخر من الكتب، هي الدار العربية للكتاب، ثم أسس في سنة 1993 دار ”أوراق شرقية“ في بيروت، ورغم كل ما تواجهه تمثل مركزا ثقافيا وإبداعيا عربيا مهمّا. وقد بدأ مشروعه بثلاثة موظفين فقط، ووصل العدد الآن إلى 120 موظفا، ولم يلبث أن أنشأ مطبعة خاصة حملت اسم “آمون”، ونشرت مؤسسته بشركاتها الثلاث ما يقارب ثلاثة آلاف كتاب.  أسهم في إحياء كيان قديم لم يكن مفعلا خاصا بالناشرين، هو اتحاد الناشرين المصريين، الذي انتخب أمينا عاما له، ولم يلبث أن اختير سنة 2004 رئيسا له، وأفادته تجربته في الاتحاد المصري في التوجه لتفعيل الاتحاد العربي للناشرين، حيث انتخب رئيسا له عام 2016، ثم أعيد انتخابه لدورة ثانية العام الماضي.

على مدار رحلته في النشر، حازت مؤسسة رشاد جوائز تربو على الخمسين جائزة عامة وخاصة، ما جعلها أكثر دور النشر العربية نيلا للجوائز. ففي عام 1997 اختير كأفضل ناشر عربي من إمارة الشارقة، وفي العام ذاته اختير كأفضل ناشر للأطفال في مصر، كما اختير عامي 2000 و2001 كأفضل ناشر ثقافي مصري، ثُم حصل على جائزة الإبداع الذهبية من الكويت. وحصل على جائزة الشيخ زايد لأدب الطفل، ونال جائزة خادم الحرمين الشريفين للثقافة، ثم جائزة أفضل كتاب علمي سنة 2010 بالكويت.

فازت روايات الدار بجوائز عديدة أبرزها البوكر العربية، وساويرس، والشيخ زايد، وكتارا، وضمت قائمة الأدباء الفائزين من خلال الدار كلا من إبراهيم عبدالمجيد، ناصر عراق، فاروق شوشة، أشرف العشماوي، هشام الخشن وأحمد القرملاوي.

ولم تقتصر قائمة المؤلفين بالدار على الكتاب المصريين، حيث حرص رشاد على مشاركة مؤلفين ومبدعين من كافة أنحاء العالم العربي، مثل عمر زرتي، سعيد فاندي، رحيم كاظم الهاشمي من ليبيا، وأحمد آدم، ريم كبة، علي حسن الفواز من العراق، ومن لبنان مروة حلاوة وأمل نصرالله، ومن السودان محمد زين الهادي وعمر حمزة، ومن تونس عبدالمجيد بوعزة وعبدالسلام المسدي، ومن سوريا هيام المفلطح وليلى صايا، ومن الجزائر سليمان الشيخ.

كتب الأطفال

رشاد يملك فكرا مستحدثا لدعم صناعة النشر، ويرى أن الحكومات العربية مطالبة بدعم صناعة النشر، باعتبار أن الثقافة حائط صد حقيقي أمام التطرف
رشاد يملك فكرا مستحدثا لدعم صناعة النشر، ويرى أن الحكومات العربية مطالبة بدعم صناعة النشر، باعتبار أن الثقافة حائط صد حقيقي أمام التطرف

ثمة كُتب للدار حققت مبيعات مبهرة، من بينها كتاب “إسلام بلا مذاهب” لمصطفى الشكعة، وباع نحو 82 ألف نسخة، وهناك رواية لعصام يوسف بعنوان “ربع جرام” تجاوزت مبيعاتها الثلاثين ألف نسخة، فضلا عن كتب عديدة حققت مبيعات مرتفعة في زمن ندر فيه النشر والقراءة. بينما تمثل كُتب الأطفال ثلث إنتاج الدار المصرية اللبنانية، وتحظى باهتمام كبير لدرجة ترجمة كثير من إصداراتها إلى اللغات الأجنبية، ما يجعل الدار أكبر دار لنشر كتب الأطفال في العالم العربي.  ولذلك حكاية رواها كاتب الأطفال عبدالتواب يوسف، إذ أشار إلى أنه ذهب لتهنئة رشاد بافتتاحه الدار قبل 35 عاما، وسأله إن كان سينشر كتب أطفال، فنفى، ورغم ذلك عاد إليه بعد بضعة أشهر وقدم له كتابين وطلب منه أن يخوض تجربة النشر للأطفال، وبالفعل حقق الكتابان نجاحا مبهرا، وتمت ترجمتهما إلى عدة لغات، وفاز أحدهما بجائزة منظمة الثقافة العربية في تونس، وفازت باقي الكتب بجوائز عديدة، وصار رشاد رائدا في أدب الطفل.

يملك رشاد فكرا مستحدثا لدعم صناعة النشر، ويرى أن الحكومات العربية مطالبة بدعم صناعة النشر، باعتبار أن الثقافة حائط صد حقيقي أمام التطرف. وقال “لا نريد من الحكومات أموالا لدعم الصناعة، إنما نريد من الجهات المختلفة أن تقتني كتبا وتتيحها للمكتبات العامة والمراكز الثقافية والهيئات الإعلامية ودور الشباب”. ويؤكد أن الترجمة هي لغة التواصل بين الشعوب، ولا بد أن يسعى الناشرون العرب لنقل أحدث ما وصل إليه الغرب، لكن في نفس الوقت يجب الاهتمام بنقل الإنتاج العربي إلى اللغات الأخرى، وهذا أحد الموضوعات المهمة التي يتبناها الاتحاد، وتتبناها بعض دور النشر وتضعها ضمن أولوياتها. وهو يرى “أن بلادا مثل مصر والإمارات، لديها برامج تتبنى مشروعات للترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، وليس فقط اللغات الأشهر مثل الإنجليزية والفرنسية، وبشكل عام الترجمة تحتاج إلى اهتمام أكبر، وتواجهنا بعض المشكلات مع دور النشر الأجنبية، كتشددها في منح الحقوق، وقلة عدد النسخ المطبوعة”.

أخيرا لا ينسى رشاد الحرص على مساندة الكُتاب والمؤلفين والوقوف إلى جانبهم في محنهم، ويقول عباس الطرابيلي إنه شخصيا ممن ينشرون أعمالهم ضمن الدار المصرية اللبنانية، وتعرض قبل أكثر من عشر سنوات لوعكة صحية طارئة استدعت إجراء جراحة له في القلب، ففوجئ بزيارة رشاد له وقدم له شيكا بحقوق مالية لكتبه، رغم عدم حلول موعد استحقاقها، ما ترك انطباعا إنسانيا بالشراكة.

13