محمد رمضان شاب من العشوائيات متهم بنشر ثقافة البلطجة

الأحد 2016/10/09
"أسطورة مصرية" تخشى الانهيار في مجتمع محافظ

القاهرة - ظاهرة الفتى الأول، أو “جان السينما”، أو البطل الذي يعتبر قدوة لأبناء جيله، يبدو أنها أصبحت مرتبطة بتغيرات المجتمع وثقافته وأطر حياته، حتى أن المظهر والمضمون والرسالة التي يقدمها اختلفت كثيرًا عن ذي قبل، ما أثّر في تغير شخصية البطل السينمائي الذي يعبّر عن زمنه ومجتمعه وأجياله وتغيراته.

لم يعد الفنان المصري الكبير عادل إمام ذلك “الزعيم” الذي يفرض نفسه على صناعة الفن في مصر، حتى وإن كان رصيده من الأعمال السينمائية والدرامية يحفظ له هذه المكانة التي لم يصل إليها أحد.

كما لم يعد كل من الفنانين الراحلين عمر الشريف وعبدالحليم حافظ وفريد شوقي، القدوة والمثل لكثير من أبناء الجيل الحالي، مثلما كان ينظر لهم أبناء جيلهم، ربما لأن الفن يمثل حقبة من تاريخ مصر، ويتغير بتغير الزمن والمجتمع والأجيال نفسها.

كل من هؤلاء، ويضاف إليهم الكثيرون، مثل كمال الشناوي ورشدي أباظة وحسين فهمي، كانت له فترة سينمائية احتفظ فيها لنفسه بلقب “الجان”، الذي يجسد الواقع، ويتحدث الشباب بلغته ويرتدون ملابسه ويتخذونه قدوة لهم، حتى في الأزياء وقصة الشعر، بل وفي لغة التحدث وطريقة الكلام.

مع اختفاء شمس كل “جان” من هؤلاء، سواء غيّبه الموت أو لم تعد أعماله تواكب العصر، ظهرت “جانات” سينمائية، اعتمدت بالأساس على مخاطبة الشباب، الذي يمثل أكثر من نصف تعداد سكان مصر، بثقافتهم وحياتهم الحالية، وما طرأ عليها من متغيّرات اجتماعية واقتصادية.

البحث عن الذات

ظهور “جان جديد للسينما” لم يعد مرتبطًا بمعايير محددة، مثل التي كان يجري العمل بها في السينما وقت جيل العمالقة، فقديما كان يتم اختيار رجل وسيم، ذي صفات جذابة ونادرة ليكون قدوة للمجتمع، إلا أن الاختيارات الحالية تغيّرت ولم تعد الوسامة وحدها تكفى، لكن يمكن مع الجرأة والجسد الرشيق وبعض من الموهبة أن يتحول الممثل إلى نجم سينمائي.

في مقدمة هؤلاء، الفنان الشاب محمد رمضان، ورغم أنه لم يكمل عقده الثالث بعد (28 عامًا)، فإنه أصبح أحد أهم الفنانين حاليا، بل أكثرهم قدرة على فرض شخصيته وموهبته، ويحظي بأكثر نسب مشاهدة، لا سيما أنه يسعى من خلال أعماله، سواء في السينما أو الدراما التلفزيونية، إلى أن يصبح “جان العصر الحديث”، والقدوة لأبناء جيله.

رمضان صاحب البشرة السمراء والجسد النحيف، بات يُنظر إليه في صورة الفنان الشاب الذي يتعمد إفساد الذوق العام وتدمير النشء وهدم القيم الحميدة في المجتمع، وحمّله البعض من زملائه في العمل الفني ونقاد سينما مسؤولية انتشار العنف وبعض الظواهر السلبية في المجتمع، مثل التحرّش الجنسي والبلطجة وغيرها.

منذ ظهوره على الساحة، ولعبه دور البطل، حصر محمد رمضان نفسه في شكل الشاب العشوائي والشعبي، الذي لا يعترف بالقانون ولا الأعراف المجتمعية، ويسعى إلى فرض نفوذه وسطوته على من حوله. ودارت أغلب أعماله تقريبًا في فلك واحد، فلم يقدّم من خلالها إلا شخصيات الأشقياء الخارجين على القانون في غيبة الدولة.

يحاول رمضان جاهدًا أن يكون “الأسطورة”، كما كان عادل إمام هو “الزعيم”، لذلك اختار لآخر أعماله في الدراما التلفزيونية، التي عرضت في شهر رمضان الماضي، اسم “الأسطورة”، وبسببه تعرّض لهجوم ضارٍ لقسوة المشاهد الإجرامية التي قام بها، وكانت تدور حول شاب يسكن في العشوائيات ويخشاه الجميع حتى تحوّل إلى أسطورة.

تعرّض للسخرية في صغره عندما عرض نفسه على أحد المخرجين للعمل في السينما، فرد المخرج عليه باستهزاء “يا بنيّ. السينما لها رجالها ولست رجلا لها”، من يومها ترسّخت بداخله عقدة النقص والبحث عن الذات، لدرجة أنه لم يُعرف عنه أن رفض عملًا سينمائيًا أو دراميًا، حتى لو كان دورا هامشيا، “كومبارس″ سعيا للوصول إلى حلم الظهور على الشاشة، والرد على المخرج الذي سخر منه في الماضي.

النجم الملقب بـ"الأسطورة" لا يمتلك رفاهية الوقت ولا النفس الطويل لذلك اختار الطريق السهل بأن استهدف فئة الشباب والمراهقين لمخاطبتهم.

هكذا يمكن تلخيص شخصية محمد رمضان، فهو الشاب الحالم الذي تطارده عقدة “زعامة” عادل إمام، و”شهرة” عمر الشريف العالمية، و”قوة” فريد شوقي، لدرجة أنه ذكر في حوارات منسوبة إليه إن “هؤلاء ليسوا أفضل مني حتى أكون مثلهم”، لكن الفارق بينه وبينهم، أنه عندما أراد الوصول سريعًا وضع نفسه في مواجهة مع مجتمع محافظ يرفض البلطجة والخروج على القانون، بينما هم وصلوا بعد مرحلة طويلة، وتجاوزوا فترات طويلة في حياتهم الفنية.

لم تكن عند “الأسطورة” رفاهية الوقت، ولا سياسة النفس الطويل، كي يكون نجمًا سينمائيًا يتهافت عليه المخرجون ويتنازلون أمام شروطه المادية للقيام بدور البطل، فاختار الطريق السهل بأن استهدف فئة الشباب لمخاطبتهم، لا سيما وأنهم يمثلون القاعدة الأكبر من المجتمع، وبسبب غياب دولة القانون، في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير 2011، وسيطرة ثقافة غياب القانون على الكثير من الشباب، وجدوا في رمضان من يمثلهم ويعبر عنهم، فأصبح قدوتهم.

بعكس فناني الماضي، وسعيهم لتقديم رسالة سامية نسبيًا من العمل الفني، حتى يكونوا قدوة إيجابية في التعبير عن قضايا الوطن، يوصف محمد رمضان بأنه قدوة غير إيجابية لشباب الجيل الجديد، لدرجة أن بعضهم رسم لحيته بنفس الصورة التي ظهر بها في مسلسل الأسطورة، والبعض الآخر ارتدى نفس الـ”تي شيرت” الذي ارتداه في فيلم “عبده موتة”، وقلّدوا طريقة حديثه، التي توحي بالنفوذ والبلطجة، فباتت تلك اللغة هي الدارجة بين الشباب.

مع أول بطولة درامية مطلقة خاضها، عندما تمرّد على الأدوار التي أجاد تقديمها سينمائيًا، وهي شخصيات البلطجي أو الشخص الخارج على القانون، قدّم شخصية “حبيشة”، في مسلسل “ابن حلال”، فخسر تعاطف المشاهدين، فـ”حبيشة” ذلك الشاب الفقير، الذي يمتهن حرفة بسيطة للإنفاق على أمه وشقيقته، تم اتهامه زورًا بقتل ابنة فنانة شهيرة، وحكم عليه بالإعدام، لكنه نجح في الهروب من السجن، ليتحوّل إلى شخص منتقم، يأخذ حقه بنفسه، ويقتل كل من اتهموه في القضية.

في جلباب أحمد زكي

رمضان لا يجيد الدفاع عن نفسه بجدارة، وكثيرًا ما يسوق مبررات غير مقنعة لتفسير وضع نفسه في صورة الشخص البلطجي الذي يعشق النفوذ والسيطرة على كل المحيطين به، ودائما ما يردد أن مبرره الوحيد “أنه يعبّر عن المرحلة”، وينقل صورة واقعية لما يحدث في المجتمع من انفلات أمني وأخلاقي، وسيطرة لغة النفوذ والقوة وغياب القانون، ما وضعه في مواجهة مع المؤسسات الأمنية في الدولة، لدرجة أنه تردد بقوة أن وزارة الداخلية تدخلت لتغيير نهاية مسلسل “الأسطورة”، حتى لا ينتصر البلطجي دون عقاب، لذلك كانت نهايته داخل السجن.

وبلغ حد تأثير رمضان على فئتي المراهقين والشباب، أن مشهد انتقام “الأسطورة” من صاحب متجر للهواتف المحمولة نشر صورة زوجته على “فيسبوك” بعدما باعت له هاتفها وعليه صور خاصة لها، (بأن أجبره على ارتداء قميص نوم نسائي)، تكرّر فيما بعد في أكثر من منطقة مصرية، وهي نفس صورة العقاب التي استخدمها رمضان للانتقام من خصومه في حلقات المسلسل.

عُرف عن رمضان أنه يسعى لأن يكون خليفة الفنان الراحل أحمد زكي في السينما المصرية، وأن يحظى بنفس الشهرة والصيت الواسعين في الداخل والخارج، ويصبح “جان السينما الأسمر”، لا سيما أن التقارب في البنيان الجسدي والملامح الشخصية بينهما كبير، خاصة في البشرة السمراء والجسد النحيف، لكن رمضان كثيرًا ما ينفي عن نفسه ذلك، ويعتبر أن “طموحه أن يصل إلى ما بعد ذلك”، رغم أن هناك واقعة شهيرة له مع أحمد زكي أبلغه رمضان خلالها “أنه مثله الأعلى”.

ففي نهاية عام 2004، عرف محمد رمضان أن أحمد زكي موجود للتصوير في مدرسته، السعيدية الثانوية بالجيزة المجاورة لجامعة القاهرة، حيث كان يصوّر المشاهد الأولى من فيلمه الأخير “العندليب”، ونجح في التسلل إلى المكان الذي يجلس فيه الفنان الراحل، وأخبره بحبه للتمثيل وأنه مثله الأعلى، وقلده في مشهد من فيلم “أيام السادات”، فأعجب به زكي.

إصراره على دخول الفن كان بلا حدود، فبعد هذه الواقعة بأيام توجه إلى مكان عرض مسرحية “قاعدين ليه” للفنان الراحل سعيد صالح، وقابله بعد أن غافل عامل الأمن في المسرح ودخل إلى غرفته، وطلب منه أن يختبره، ومثّل مشهداً أمامه، وكانت المفاجأة أن سعيد صالح أتاح له فرصة التمثيل أمامه في اليوم نفسه على خشبة المسرح، وقال له “سأترك الحكم للجمهور”، وقدم فقرة ارتجالية لمدة 20 دقيقة، نالت إعجاب المشاهدين، وأصبحت الفقرة أساسية في المسرحية.

محمد رمضان يخشى الآن أكثر على الشهرة التي حققها

خليفة عمر الشريف

دفعه إصراره وعناده المعروفان عنه، ومحاولة التخلص من عقدة “أنه لا يصلح فنانًا”، إلى أن يوافق على أن تكون بداية ظهوره في السينما في دور هامشي “كومبارس″ في فيلم “حمادة يلعب” عام 2005 ، أمام أحمد رزق وغادة عادل، غير أن ملامحه السمراء الشبيهة بأحمد زكي أوصلته للشهرة كما تمنّى، حيث قدّم شخصية زكي في مسلسل “السندريلّا”، أمام الفنانة الشابة منى زكي، والذي كانت تدور أحداثه عن قصة حياة سعاد حسني، التي ارتبطت في مرحلة من حياتها بأحمد زكي فنياً.

فجأة التقطته المخرجة إيناس بكر، التي نجحت في تقديم النجم العالمي عمر الشريف للمرة الأولى في الدراما التلفزيونية بمسلسل “حنان وحنين”، وأسندت إليه دور ابن بواب العمارة التي يسكن فيها عمر الشريف، وفي أول يوم تصوير فوجئ بإحضارهم “تي شيرت” لا يتناسب مع شخصية ابن البواب الفقير، فخلع “التي شيرت” وقام بتنظيف زجاج سيارة أمام العمارة.

وقتها وقف عمر الشريف مذهولًا من فعلة محمد رمضان وقال له بعدما انتهى من تنظيف زجاج السيارة “أنت شاب مجنون”، فشرح له رمضان مبرره في ذلك بأن “التي شيرت” الخاص بابن الفقير لا بد أن يكون متسخًا، وبعد انتهاء تصوير المشهد، أشاد به الشريف وقرر تبنّيه، وقدمه للصحافة على أنه خليفته، وقال “لا يوجد غير رمضان يأخذ مكاني بعد رحيلي. فهو وليّ العهد الذي اخترته”، وبسبب هذه العبارة تهافتت عليه الأعمال السينمائية ببطولات مطلقة، وتخلّص من عقدة الشاب الذي لا يصلح للفن.

من يدقق في شخصية محمد رمضان، يجده شابا “لا ينسى من أساء إليه، أو وقف في طريقه”، حتى لو كان سلطة حاكمة، فنظام حسني مبارك بأجهزته الأمنية والرقابية وقفت حائلًا أمام أن يكون بطلًا لفيلمين مهمين في حياته، هما “اليوم العاشر”، الذي رفضته أجهزة الأمن، و”الخروج من القاهرة”، الذي طاردته الأجهزة خوفًا من إثارة فتنة طائفية، لتناوله علاقة بين قبطية ومسلم، فغاب رمضان عن السينما إلى حين حلول العام 2011.

بطريقة المنتقم من النظام، غامر وخرج ليتحدى السلطة التي وقفت أمام صعود نجمه، وانضم للحشود التي ملأت ميدان التحرير للمطالبة برحيل نظام مبارك، واستقبل الميدان صعود رمضان على منصة التحرير بحفاوة، واضعًا علم مصر على كتفه الأيسر، قائلا في جزء من خطبته، التي بدا فيها عقلانيًا غير منفعل “لعن الله قوما ضاع الحق بينهم، يا شباب مصر كلنا هنا ندافع عن حق 80 مليون مواطن مصري”.

عقب تنحي مبارك، بدأ المنتجون يبحثون عن “تيمات” جديدة، ونجوم جدد، ليجذبوا الشباب من السياسة والميادين إلى دور السينما، وكادت الصناعة أن تتوقف، وبدا أن شيئًا يتغير. وانقسم الفنانون بين من تغيّب خوفًا من مواجهة الجمهور لوقوفهم إلى جوار مبارك، أو من حضروا وزادت شراهتهم للحصول على حقهم في النجاح والشهرة.

عائلة (السبكي)، التي تهيمن على سوق الإنتاج السينمائي في مصر، وجد فيها رمضان ضالته، فارتفع أجره من 6 آلاف دولار إلى 300 ألف دولار

القفزة الأخطر في السينما

وجد رمضان ضالته مع عائلة “السبكي” التي سيطرت على سوق الإنتاج السينمائي، وصعد كنجم شباك عبر فيلم “الألماني” في العام 2012، حيث حصد إيرادات قياسية ورفع أجره من 60 ألف جنيه (6 آلاف دولار) إلى 3 ملايين جنيه (300 ألف دولار)، وتحول إلى قدوة للشباب الذي أحب “تيمة” بطل العشوائيات البلطجي، المسجل خطر، وصار له جمهور من المراهقين والشباب الذين اعتاد أن يخاطبهم في أعماله.

ووصل الحال به إلى أنه قام بنشر صورة على حسابه الشخصي بموقع التواصل “فيسبوك”، وهو يقف بين سيارتين يصل سعرهما نحو 6 ملايين جنيه (600 ألف دولار)، وكتب أعلى الصورة “أردت مشاركة جمهوري فرحتي بشراء السيارتين المقرّبتين إلى قلبي”، ولم تمرّ أيام حتى اشترى سيارتين أخريين وكتب يقول “الآن امتلكت أسطولًا من السيارات”.

لم يكن الموقف مألوفًا، حتى عند بعض الفنانين زملاء جيله، ما عرّضه لهجوم شديد منهم، على شاكلة محمد هنيدي أو أحمد حلمي، لكنه رد بعناد كعادته، ونشر صورة للفيلا الجديدة التي يمتلكها بمدينة 6 أكتوبر، وما تحويه من تحف فنية وأثاث راق وثمين، على سبيل التفاخر بحياته التي وصل إليها بعد سنوات قليلة من انخراطه في العمل الفني، لكنه كثيرًا ما يهرب من النقد ويلجأ إلى حجة “مشاركة الجمهور فرحته”.

ما يحسب له فنيًا، أنه شخص جرئ يسعى لتقديم المشهد بمصداقية دون تزييف، لدرجة أنه أصرّ على أداء قفزة خطيرة من أعلى كوبري أكتوبر ليسقط أعلى سيارة هربًا من رجال الشرطة، دون الاستعانة بممثل بديل، ضمن تصوير أحد مشاهد الحركة “الأكشن” في فيلمه “قلب الأسد”، رغم صعوبتها وخطورتها، حتى صنّفت هذه القفزة من أكثر المشاهد خطورة في تاريخ السينما المصرية، وفسّر ذلك بأنه يحب المغامرة، ولا يستعين بدوبلير حتى تكون هناك واقعية أكثر لدى الجمهور.

أمام النّجاح الكبير والشهرة الواسعة التي حققها، أصبح يتخوّف أكثر مما يتفاءل بالمزيد، فهو الذي صرّح في لقاء تلفزيوني بأنه “مرعوب من الشهرة والنجاح السريع، ويخشى أن يخطئ في حق جمهوره أو يقدّم عملًا فنيًا هابطًا يجعله يخسر الذين قلدوه في ارتداء الملابس وقصة الشعر ورسم الذقن”، لكنه أقر بالبحث عن جمهور جديد يضاف إلى الشباب والمراهقين، فإذا خسر ذلك، وجد هؤلاء، فهو ينظر للمستقبل أكثر من الماضي والحاضر.

9