محمد زادة: المهجر قتلني وكل طفل سوري يموت هو طفلي

الجمعة 2014/07/04
زادة: الأمل صديقي اللدود الذي أداوي به الجراح

محمد سليمان زادة، شاعر ومسرحي سوري، مقيم بألمانيا، من مواليد قرية المعبطلي التابعة لمحافظة حلب عام 1970. عمل مخرجا لفرقة المسرح الجامعي ما بين عامي 1992/1996. صدر له “أمراء الوهلة الأولى” و”تماثيل الظل” و”التّدوين الخامس للعمر”، بالإضافة إلى ديوان سيرى النّور قريبا بعنوان “تفاصيل الملل”. “العرب” التقت بزادة لتتحدث إليه عن سوريا اليوم، وعن غربته وعن تجربته الإبداعية، وعن مواضيع أخرى، فكان هذا الحوار.

أسلوبه السّهل الممتنع كان جواز سفره لقلوب قرائه، فهو يستخدم اللّغة البسيطة التصويرية، ويعتمد التّشخيص والتّجسيد والحوار مع الأشخاص والجمادات وبينها، كما يستخدم الصور البيانية القريبة من تفاصيل الحياة اليومية، يعتمد قصيدة النّثر ويرى فيها امتحاناً صعباً للغاية بعد أن صارت قصيدة التفعيلة وقصيدة الشعر العامودي عاجزة عن جذب الجيل الجديد بأدواته الجديدة.


الجرح السوري


كانت للجرح السوري النّازف منذ أكثر من ثلاثة أعوام مساحة كبيرة في قصائده، حكى عن الوطن والحرية، عن الحب والإنسان، وعن الأم والحبيبة والطفل. عمّا يعني له الشعر، وعن العوالم التي يصحبه إليها، وما يحمّله به الشعر عند العودة يقول: “الشعر هو الوجود وهو التفسير الكامل للحقيقة الغامضة، الشعر يأخذني إلى عوالم لم ألتق بها من قبل، ويريني حجم الدمار الذي حل بنا، ثم يعيدني محمّلا بالأسئلة والرسائل، بالورد والقبل، بالحبّ والنزيف”.

المثقف الحقيقي يستطيع وبدقة عالية أن يرسم كل جراح الوطن والشعب

قصائده فيها جاذبية مضاعفة والنّبع الذي يمتح منه نصّه جميل، عن هذه المسألة يقول: “أعتقد أن السرّ يكمن في شخوص قصائدي، فأنا أعيش الحالة وأرسم المشهد ثم أكتبه بطريقة أرفض فيها التعقيد اللغوي وأريد لأي طفل أن يقرأ قصائدي ويستمتع، من هنا تنبع قصائدي من أشياء نعيشها يوميا دون أن ننتبه إليها، من التّفاصيل الصغيرة لحياتنا، تلك التفاصيل المجهريّة التي غيّرت كل مجرى الحياة دون أن نكتشفها، فالشعر أن تخلق كيانا في ذهنك لتعشقه وتهجره وتفشل معه وتهمل مواعيده لتكتب عنه”.

وعن الطفولة والمراهقة وأطفال سوريا اليوم، يقول: “عشت طفولة كلها شغب وقفز على الأسوار كنت أحبّ التمرّد على كل شيء وتمرّدت وهربت من المدرسة انتقاما من الأسوار وهربت من الوطن انتقاما من السّجون والأسلاك، وما زال ذلك المراهق في داخلي يكبر، مازلت أحبّ أن أركض أن أقفز كالأطفال، أن أرمي الرّسائل على الشرفة وأهرب”.

ويضيف زادة قائلا: “أنا حزين للغاية على أطفال سوريا، كل طفل يموت هو طفلي، أنا أنزف منذ سنوات لأجلهم، أعيش معهم لحظة بلحظة على مدار الوجع، كان ينبغي أن يكونوا الآن في مدارسهم كان ينبغي لكل هذا الألم أن لا يكون”.

زادة تحدث في قصائده عن الوجع السوري الذي لا يزال نازفا

عن المهجر والحنين إلى ملعب الصّبا الأول وقصيدة الحبّ الأولى “حلب وعفرين” يقول: “المهجر أخذ كل شيء، وترك لي ذاكرة تسافر تلقائيا كل مساء إلى هناك حيث الأحبة، المهجر قتلني، عفرين مسقط رأسي، تركت في روحي شرخا واسعا، وحلب هي الهواء الذي أفتقده، حلب هي البداية لكل هذا النّزيف، ففي كل ليلة من ليالي الغربة كنت أرسم حلم عودتي لحلب وفي الصباح تأتي الرّيح لتتطاير الأوراق”.

وعن تجربة المسرح وعن وقعه الحميم لدى محمد زادة، يقول: “حياتي بدأت مع الشعر وكان المسرح طريقي إلى الجمهور، كان الامتحان المباشر لما كُتب على الورق، ففي المهرجان القطري العاشر قدمتُ مع فرقة جامعة حلب مسرحية “مدينة الممنوعات”، ونال العمل عدّة جوائز بالإضافة إلى رأي النقاد والصّحافة بأنّ المهرجان أسفر عن ظهور مخرج متمكّن استطاع أن يقدّم للناس مادة جميلة. المسرح علّمني كيف تجعل الحضور يبكي بكلمة واحدة وتضحكه بحركة ما، المسرح كان يأتي بالبسطاء إلينا ليفرغوا همومهم اليومية أمام الخشبة وليغادروا القاعة وأدمغتهم مليئة بإشارات الاستفهام”.


روح الحياة وعطرها


للمرأة مساحة حاضرة بقوة في قصائد الشاعر، عن المرأة الأم.. المرأة الحبيبة.. ومن هي ملهمته يتحدث: “المرأة روح الحياة وعطرها.. هي عطاء مستمر دون أي مقابل وهي السبب الوحيد لتعلقنا بالحياة رغم صعابها، المرأة مدرسة ونحن طلابها، أمي تركت بي التسامح وطيبة القلب وأن أتقاسم خبزي مع الأصدقاء، الأم هي تلك الخيمة الواقفة في البرد والمليئة بالدفء فكلما كبرت يوم ازداد تمسكي بها واكتشفت أن كل ما درسناه عبر السنين لخصته لنا الأم في حكمة منها”.

ويضيف زادة قائلا: “أما ملهمتي فهي شريكة حياتي وحبيبتي شيرين، لي معها قصة حب طويلة، وهي قارئة جيدة لما أكتب ورأيها يؤثّر في لأنها تمتلك قدرات نقدية صائبة وكثيرا ما تجعلني أعيد النّظر في فكرة ما، هي إنسانة رائعة وأم عظيمة وجميلة، وعانت مثلي من تقارير البعثيين لأنها كانت ضدهم”.

تحدّث محمد زادة في قصائده عن الثّورة السّورية، وعن الوجع السوري الذي لا يزال نازفا ومفتوحا على مصراعيه، وكان له رأي في مستقبل الأكراد بسوريا، يقول: “كنت على يقينٍ تام بأن نواة الثّورة ستشتعل وستنفجر في أيّ لحظة مناسبة، فالشعب الذي عانى أربعة عقود من الظلم والاستبداد الممنهجين، والذي سُرقت كرامته لا بد أن يفكّر في الانتقام، لقد انتصروا علينا حين حرفوا مسار الثورة، ولكن المهم بالنسبة إلينا هو أنها قامت وكسر الخوف الذي قمعونا به طيلة عقود، لكن لا بدّ من الاعتراف أن الثّورة السورية سُرقت منا وصارت مصدر رزق للكثيرين وحتى للنّظام، أعتقد أن المشوار صعب بعد نجاح الثورة، فالدّيمقراطية عبءٌ ثقيل”.

ويضيف زادة قائلا: “لا أعتقد أن الثَورة السورية ستمنح الكرد السوريين حقوقا وهنا يكمن السَبب في عدم انخراط الأكراد بشكل جدّي في هذه الثورة فللأسف الشّديد تصريحات الكثيرين من الذين يعتبرون رموزا للمعارضة جاءت مسيئة للأكراد وواضحة بعدم الاعتراف بهم كثاني قومية في البلاد”.


دور المثقف


الشعب الذي عانى أربعة عقود من الاستبداد الممنهج، والذي سرقت كرامته لا بد أن يفكر في الانتقام

عن دور المثقف في سبر جرح الوطن، وفعل الكلمة ومهمتها المقدّسة بالتغيير، وعن إن كان المثقف السوري قاد هذا التغيير وحكى عنه كما ينبغي.. وموقف الضبابيين، يقول: “المثقّف يستطيع أن يكتب عن جرح الوطن قبل أن يكون الوطن جريحا.. دور المثقّف أن يقي الوطن من الجراح أن يكون غيورا على جسد الوطن أن لا ينحاز لجهة إلا لجهة المظلومين، المثقّف الحقيقي يستطيع وبدقة عالية أن يرسم كل جراح الوطن والشعب بيتا بيتا وكأنّه عاشها، المثقّفون والشّعراء وجدان الشعب وعليهم أن يكونوا صوت الشّعب إلى العالم، وإن لم يفعلوا فهم خونة، فالكتابة هي وظيفة مبادئ، ومن يفتقد تلك المبادئ عليه أن يرمي القلم ويمضي، ما زلت أومن بقدرة الكلمة على التغيير ولكن ليس في مجتمعاتنا الشّرقيّة أو العربيّة تحديدا”.

ويتابع قوله: “لقد كشفت الثورة كلّ الأقنعة وهناك الكثير من المثقفين والكتاب والشعراء والتشكيليين والفنانين وقفوا مع الثورة وحاربوا على الورق كل من كان ضدّها، أعتقد أن الثّورة السورية هي أكبر ثورة في التاريخ من حيث الإخلاص لها من قبل المثقفين الذين على مدى سنوات وفي كل يوم يقدمون نشاطا أو عملا أو أمسية أو معرضا.. إلخ لأجل الثورة”.

وعن الأمل من أين يأتي به الشاعر في زحمة الموت والدمار الذي يعيشه السوريون يقول: “الأمل يتكاثر بداخلي لكي أعيش فكلما سقطت عمارة أبني بداخلي عمارة جديدة وأقول لنفسي إن تلك التي سقطت لم تسقط، الأمل صديقي اللدود الذي أداوي به كل الجراح وأثق به وأراهن عليه دوما بأنّه سيمسك بيدنا يوما ما”.

15