محمد زفزاف ساموراي مغربي قبض على قلمه حتى احترقت يداه

ناقدون يرون أن الكاتب استطاع أن يطبع المشهد الأدبي العربي بطابع خاص يشهد له به الجميع باستيحائه العوالم السفلية في المجتمع المغربي.
السبت 2015/11/21
روائي ساند الفقراء والمنبوذين وناجى ليلاه العراقية في لحظات عزلته

الرباط - كانت مدينة الدار البيضاء في ذلك الصباح تغتسل من صخبها البشري والآلي بالمطر، كان الفصل شتاء، وكان المرور من منطقة “عين الذئاب” بجانب البحر إلى حي “المعاريف” بعيدا يصعب الوصول إليه بسبب صخب البحر وصفير الريح القوي. كانت أرجلنا في ذلك الصباح الماطر تحدث صوتا موسيقيا رتيبا وسط أحذيتنا السوداء الخاصة بموسم الأمطار التي يحسبها الناظر إليها جلدية لامعة، وهي في الحقيقة بلاستيكية مائية.

لقد كان حي المعاريف يومذاك بعيدا لا بد لنا من ركوب الحافلة للوصول إليه، فحي المعاريف، الذي غنّى له الأشياخ المغاربة فقالوا “أنتم المعاريف أولاد بن عريف فيكم الشريف”، وهي أغنية كان صديقي عبدالحق يردّدها كلما ذكرنا هذا الحي التاريخي في مدينة الازدحام؛ كازا بلانكا، يوم كان حيا متكاملا متساكنا فيما بين سكانه “بيضاوة الأحرار”، الذين لا يتردّدون في إكرام الزائرين والعناية بهم، لقد كان أعضاء مجموعة ناس الغيوان المعروفة يسكنون الحي المحمدي، في حين كان الروائي محمد زفزاف يعيش حياة الانفتاح والحرية، لدرجة وصف البعض لها بـ”البهيمية” في حي المعاريف.

 

ثعلب يظهر ويختفي

 

في ذلك اليوم الممطر، ودعت صديقي عبدالحق، الممرض المجاز الملتحق حديثا بوظيفته الطبية بمصحة صندوق الضمان الاجتماعي، وعرّجت أنا على شارع إبراهيم الروداني لأدخل في الدرب المقابل حيث يسكن صاحب رواية “الثعلب الذي يظهر ويختفي”، وبينما الأمطار وريحها “الزفزاف”، أي القوي، على حد تعبير المغاربة بلسانهم الدارج، يكاد ينزع عنك ثيابك، كانت خطاي تسابق الريح العاتية في اتجاه ذلك البيت الدافئ، الذي سأسمّيه في ما بعد بيت “تلاقي أصدقاء الأديب”، فما كدت أصل بابه بأحد طوابق بناية المطلة بشرفتها على الشارع، حتى سمعت الفنان أديب الدايخ يصدح بصوته الرخيم بموال شامي “يقولون ليلى في العراق مريضة”، فأيقنت أن السي محمد زفزاف موجود في البيت، وقلت في نفسي وداعا أيها البلل والتبرد، الناتج عن غزارة المطر الذي هطل عليّ في ذلك اليوم .

 
تقرير صادق عن معاناة الفقراء
 

 

ورغم الاحترام الذي كانت تفرضه عليّ لحيته الكثيفة المنسدلة كالشلال على وجهه الشبيه بوجوه قدماء المحاربين اليابانيين “الساموراي”، ووفرة شعر رأسه الناعم الكثيف، فإنه كان لا يتوانى في المناداة عليّ بـ”العروبي” أي البدوي، لينتزع مني تعليقا، كان غالبا ما يهم صديقنا الثالث في البيت، وهو سلحفاة كان أديبنا يرفع من مرتبتها لدرجة قوله “إنها أحسن من بعض البشر”، ثم يستمر نقاشنا حول نعته إيّاي بالعروبي فجأة بقوله “العروبي راني حتى أنا عروبي”.

معلقا في خيلاء “ولد سوق لأربعاء الغرب” ؛ وهو منطقة تجارية تقع بين مدينة القنيطرة ومنتجع مولاي بوسلهام، التي يخيل إليك، وأنت فيها، أنك في أكبر مهرجان للشواء اللذيذ، فالعابر لمنطقتها لا يقدر على العبور منها دون تمتعه بأكل شواء الكفتة المنسمة بالتوابل المغربية الطبيعية.

 

ورغم انتمائه إلى تلك البلدة المعروفة بشوائها وفلاحتها، كانت رغبة زفزاف في الأكل قليلة جدا، لقد كنت أعدّ له، متى زرته، طاجينا باللحم والخضر، فكان يكتفي بأكل قليل من اللحم وما خفّ هضمه من الطماطم. وكنت يومها أمازحه، خصوصا حين رفض الاستمرار في الأكل، الذي قد لا يبدأه أصلا، أو يوهمك أنه يأكل وهو لا يأكل.

لقد كان صاحب روايات “المرأة والوردة” و”أفواه واسعة” و”محاولة عيش”، وهذه الأخيرة يصفها النقاد بالرواية ذات الارتباط بالفقراء والمنبوذين من الشعب وأنها الرواية “التقرير الصادق” عن معاناتهم، شديد الارتباط بالفقراء، وما حميد بطل الرواية إلا واحد منهم يريد الفرار بذاته، روحا وجسدا، من الفقر وقلة ذات اليد، لكن يكون قدره المعاناة والصراع مع الفقر الذي يلتصق به دون أن يعطيه الفرصة للخلاص منه.

النقاد يصفون رواية “محاولة عيش ” بالمستوحاة من عالم الهشاشة، نحت بها الروائي محمد زفزاف شخوصه من واقع مثقل بالكدمات والآلام، ولعل أبرز ما طبع روايته تلك معاناة بطلها حميد، الشخصية الأقوى في الرواية، الذي كان يحاول في سنّ مبكرة السعي إلى كسب قوت والديه ببيع الصحف في البواخر والسفن التي كانت ترسو بميناء القنيطرة، عاصمة إقليم الغرب المغربي الذي ينتمي إليه الروائي نفسه، فكان حميد الشاب الطموح يتعرض للاستغلال والابتزاز من طرف حراس السفن التي كانت تنقل الخمرة المعتقة من المغرب إلى أوروبا.

 
بعض روايات زفزاف ضمن المختارات القصصية العالمية
 

 

كانت “براكة” والديه، وهي بيت من قصدير، فضاء للاسترخاء في الأمسيات ومحاورة حميد في عدد من الأمور، كالحصيلة اليومية من عائدات بيع الجرائد ومناقشته في بناء “براكة” جديدة مجاورة لتلك التي يملكها والداه، خصوصا وأنه أصبح يافعا في سن الزواج، الأمر الذي يجعل منه رب أسرة مستقل ومسؤول، بينما كانت حانات المدينة مسرحا لأحداث التجاذب والصراع بين الأميركيين أنفسهم ويريدون لحميد أن يأكل معهم لحم الخنزير ويشرب النبيذ، فيعيش الصراع بين ما هو حرام وما هو حلال.

 

بوابة الشعر

 

يصف الناقد عبدالرحيم العلام الروائي محمد زفزاف بأنه بدأ مشواره الإبداعي شاعراً في أوائل الستينات من القرن الماضي قبل أن يتجه فيما بعد لكتابة القصة والرواية، واستطاع أن يطبع المشهد الأدبي العربي بطابع خاص يشهد له به الجميع، وخصوصاً ما يتصل منه باهتمامه الوفي باستيحاء العوالم السفلية في المجتمع المغربي في كتاباته القصصية والروائية، بما يوازي ذلك الاستيحاء من رصد وتمثل لعوالم المهمشين والمقهورين، اجتماعياً ونفسياً وفكرياً.

تمثل حياة الفقراء المقهورين والمهمشين الخصوصية التي يتميز بها أدب الأديب الراحل محمد زفزاف والتي جعلته يتبوأ مكانة خاصة واستثنائية في المشهد الأدبي العربي والعالمي، فبعض أعماله اليوم تُدرس في الجامعات الأوروبية والأميركية، وخصوصاً روايته الشهيرة “المرأة والوردة”، فشهرته اخترقت المحلي إلى العالمي بفضل ما ترجم له من أعمال إبداعية إلى عدة لغات أجنبية، واختيرت بعض قصصه ورواياته ضمن المختارات القصصية العالمية.

إن أديبنا الكبير، الذي احمرت يداه من جهة الكفين احمرارا غير طبيعي من أثر القبض على قلم الرصاص حتى الاحتراق، لم يكن قط يسعى إلى الشهرة في حياته، كما أنه لم يشهد له البتة تهافته وراء الأضواء ووسائل الإعلام والدعاية، فالشهرة هي التي سعت إليه، غير أنها لم تستطع أن تغيّر من أصالته ونبل قيمه، ومن وفائه لمبادئه ومواقفه، وهو الذي عاش بسيطاً إلى حد الجرح ومات بسيطا.

 
روائي مخلص للكتابة الأدبية الإبداعية الملتزمة
 

 

 

أول المغاربة في المشرق

 

يجمع النقاد أن أعمال الراحل، القصصية والروائية، حظيت بمتابعات نقدية وتحليلية مكثفة داخل المغرب وخارجه، فأنجزت بصددها الرسائل الجامعية والأبحاث الأكاديمية. وهنا لا بد من الإشارة إلى الأطروحة الجامعية المهمة التي أعدها الباحث الأسباني راموس، الأستاذ بجامعة إشبيلية، حول الأعمال الروائية لمحمد زفزاف، ومن بين النقاد المشارقة الذين كتبوا عن آخر أعماله نذكر الناقد المصري صبري حافظ ودراسته المتميزة لآخر رواية صدرت للراحل بعنوان “أفواه واسعة”.

مساره الأدبي، يثبت أن الراحل محمد زفزاف كان واحدا من الكتاب المغاربة السبّاقين إلى النشر في المشرق العربي، وقد تركت قصته “الديدان التي تنحني”، التي نشرت في مجلة “المجلة” المصرية، التي كان يرأس تحريرها الراحل يحيى حقي، وقعاً كبيراً على قراء القصة العربية آنذاك، كما لفتت الأنظار إلى هذا الكاتب المحارب في صمت، والذي استمر في نشر إبداعاته ومقالاته الأولى في أمهات المجلات العربية آنذاك “المعرفة السورية ـ الآداب اللبنانية ـ الأقلام العراقية، وغيرها”، حيث فرضت إبداعاته نفسها على أشهر تلك المجلات العريقة في وقت كان الوصول فيه إليها من الصعوبة بمكان.

الناقد العراقي شاكر فريد حسن يقول عن محمد زفزاف إنه القاص الروائي المخلص للكتابة الأدبية الإبداعية الملتزمة بهموم الإنسان، فكان له حضوره الواسع ومكانته البارزة في المشهد الأدبي المغربي، وقد حظيت نتاجاته وأعماله القصصية والروائية باحترام الأوساط الثقافية والشعبية في الوطن العربي، مؤكدا أنه قامة أدبية يقف في خندق الواقعية ويستقي ويستلهم موضوعاته وعناوينه ومادة نصوصه من حركية الواقع الاجتماعي الزاخر بالتناقضات، وينقل الحكايات والصور الواقعية المثيرة للاهتمام والفضول ويرسم المشاهد من حياة المقهورين والمنبوذين والمقموعين والمضطهدين والمطاردين في الشوارع والأرصفة والأزقة.

تزوج زفزاف زوجته العراقية التي كانت من بنات الموصل، وابنة عميد سابق في الجيش العراقي لقي حتفه في بغداد بداية التسعينات، فاضطرت ابنته لترك زوجها محمد زفزاف في المغرب لتطمئن على أمّها وأخوتها حيث انقطعت أخبارها عن زوجها نهائيا بعد ذلك، وذهبت كل محاولاته في العثور عليها بالفشل، فشكل اختفاؤها القسري على أدبه ندبة حزن لا تنسى، وذلك سرّ أغنيته المحببة التي سمعتها ببيته وأنا أطرق بابه في ذلك اليوم الماطر؛ “يقولون ليلى بالعراق مريضة”، لكن زفزاف كان ينطقها “في العراق مريضة”، المرض العضال الذي صاحبه حتى السفر به إلى فرنسا قبل أن يغادر عالمنا جسداً ويبقى تراثاً.

 

13