محمد ساري: القارئ العربي سلفي وخلوق يحب البساطة والرومانسية

الروائي والمترجم الجزائري يؤكد أن الكتابة بالفرنسية أكثر انفتاحا من الكتابة بالعربية، وأن عوائق ضعف الترجمة مالية بالأساس.
الأربعاء 2019/11/27
الترجمة تحتاج إلى المال

الكثير من الكتّاب المغاربة يكتبون بلغتين مختلفتين، هما الفرنسية والعربية، وإن كان أغلبهم يفضل الفرنسية لأسباب عديدة. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الكاتب والمترجم الجزائري محمد ساري الذي ينتصر للكتابة بالفرنسية، حيث يتحدث إلينا حول مساره الأدبي ورؤيته للإبداع وللواقع الجزائري الراهن.

أربعون سنة والروائي والمترجم محمد ساري يداوم على الكتابة منذ بدأها كما يقول لـ“العرب” في القسم الثانوي بالشعر وباللغة الفرنسية، نظرا إلى أن التعليم في الجزائر بعد الاستقلال كان مُفَرنسا، وقراءاته الأدبية الأولى كانت باللغة الفرنسية. وقد اكتشفت الرواية الجزائرية باللغة الفرنسية، وبالأخص مولود فرعون ومحمد ديب وأسيا جبار.

بعد البكالوريا سجل ساري في قسم اللغة العربية ليعمّق معرفته بها، وقد تزامن ذلك مع موجة تعريب التعليم التي انتهجتها السلطة لتتخلص من الإرث اللغوي الاستعماري. وفي الجامعة بدأ يكتشف عوالم النقد والترجمة.

الكتابة والقارئ السلفي

كان أول عمل نشره ساري هو رواية “على جبال الظهرة”، وهي أول رواية يقول، “كتبتها بالعربية وهي تتشكل من جزأين، تدور أحداث القسم الأول أثناء ثورة التحرير، أما القسم الثاني ففي فترة الاستقلال، والمكان هو العنصر المشترك مع القليل من الشخصيات”.

أثناء تلك الفترة كانت موضة الرواية الواقعية مسيطرة من خلال أهم روادها، يستذكر ساري الأمر “كنت مولعا بالرواية الواقعية العربية: نجيب محفوظ وحنا مينة زيادة إلى الطاهر وطار وعبدالحميد بن هدوقة، دون أن أنسى قراءاتي المتواصلة للرواية الغربية الكلاسيكية عموما، تولستوي، بالزاك، ديكنز، غوغول، ستاينباك.. إلخ”.

القارئ والناشر بالفرنسية منفتحان على كل المواضيع سواء السياسية أو الدينية وحتى الجنسية خلافا للقارئ بالعربية

وحفّز فوز رواية “على جبال الظهرة” بجائزة أدبية وإشادة لجنة التحكيم بها، الكاتب لنشر روالية ثانية بعنوان “السعير” (1986)، ثم تتالت أعماله الروائية ليكتب رواية “البطاقة السحرية”. لكن ساري توقف عن الكتابة الروائية، ويرجع السبب إلى “ارتباك أصاب وعيي بسبب الإرهاب والقتل، فكتبت مقالات سياسية وقصصا واقعية بالفرنسية في جريدة أسبوعية، مواكبة للأحداث، لسنتين متواليتين (1993-1994)، ثم عدت إلى الكتابة الروائية ابتداء من 1995، فأنجزت رواية ‘الورم‘. لم يكن ممكنا نشرها في الجزائر لحساسية الموضوع وخوف الناشرين من موضوع يتناول ظاهرة الإرهاب”.

لاحقا عاد ساري إلى موضوع الإرهاب في روايتين وهما “القلاع المتآكلة” 2013، و“حرب القبور” 2018. كما نشر رواية “الغيث” 2007، وهي تتناول، كما يقول، “فترة ما قبل اندلاع المواجهة المسلّحة بين السلطة والجماعات الإسلامية الراديكالية، أي، كيف تشكّل الوعي الإسلاموي الجديد، وتغلغل في المجتمع مع فشل الاشتراكية في الجزائر والعالم وغرق البلد في أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة وحدوث الثورة الإسلامية في إيران كحل في أفق المجتمعات العربية والإسلامية؟ وكيف تشبّث الشباب بهذا الحلم الجميل الذي سيتحوّل إلى كابوس مرعب؟”.

الحرص على الوفاء للنص الأصلي
الحرص على الوفاء للنص الأصلي

مثل بعض الروائيين الجزائريين المعربين الذي انتقلوا إلى الكتابة باللغة الفرنسية، خاض ساري هذه التجربة. ويعدد أسباب ذلك، من بينها يقول إن “تعليمي الأول كان بالفرنسية، وبها بدأت قراءاتي الأدبية ثم الكتابة. فعندي من الزاد اللغوي والأدبي ما يسمح لي بالكتابة بها بأريحية. وعندنا في الجزائر كتّاب كثر يكتبون بها وقراء كثر أيضا يتابعون ما ينشَر وجرائد تغطي الأحداث الأدبية وتروّج للروايات المنشورة. إنّ دائرة الأدب الفرنكوفوني متسعة جدا في الجزائر والبلدان المغاربية، إضافة إلى فرنسا وبعض الدول الأفريقية. إذ كان المحيط مساعدا لي كثيرا لأكتب بالفرنسية”.

ومن بين أسباب هذا الانتقال يشير ساري بالقول “إن القارئ والناشر بالفرنسية منفتحان كثيرا على كل الموضوعات سواء منها السياسية أو الدينية وحتى الجنسية، خلافا للقارئ بالعربية. ورغم أن الاستثناءات موجودة دائما، فإن القارئ العربي لا يزال يحتكم إلى الأخلاق وإلى فهم سلفي للدين لتقييم العمل الأدبي، خاصة طلبة الجامعة وأغلبهم إناث ذوات ثقافة محافظة يتأففن من الرواية عموما، وبالأخص من الرواية التي تخوض في ما يسمى المحرّمات من السياسية والدين والجنس، وكذا أغلبية الأساتذة ذوي الثقافة التقليدية والمحافظة”.

ينظر ساري إلى تجربة الكتابة بالفرنسية على أنها أضافت إليه الكثير إنْ على المستوى الأدبي أو الأسلوبي أو الإعلامي أو حتى الفردي.

الترجمة والحراك

يقول ساري إن اهتمامه بالترجمة جاء عفويا، فمند الصغر وهو ينتقل بين لغات عديدة في اليوم الواحد؛ القبائلية في البيت، العربية الدارجة في ألعاب الأطفال، الفرنسية داخل القسم، والعربية الفصحى في دروس العربية التي كانت ساعاتها قليلة مقارنة بساعات اللغة الفرنسية (لغة، حساب، جغرافية، علوم..).

ويتابع، “جاءت الترجمة تلقائية. أولا استعنت بالترجمة في دروسي بالجامعة. انتسبت إلى هيئة التدريس بالجامعة وعملت على تدريس الدروس نفسها التي تلقيتها أثناء دراستي في السوربون، خاصة في مناهج النقد الأدبي وتحليل الخطاب. فكانت الترجمة عبارة عن تلخيص حر لتلك النظريات، ما سمح لي بهضمها وتدريسها. ومن ثمة جاء كتابي النقدي الأول ‘البحث عن النقد الأدبي الجديد‘ مكرسا في شقّه النظري حول البنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان، ونظرية الرواية وعلاقتها بالملحمة عند جورج لوكاتش. ثم ترجمت كتاب ‘عناصر لتحليل الخطاب‘، ورواية ‘الممنوعة‘ لمليكة مقدم، و‘العاشقان المنفصلان‘ لأنور بن مالك”.

عوائق ضعف الترجمة هي مالية، هكذا يشخص ساري واقع الترجمة، حيث يرى أنها “أمر أساسي، قبل حتى أن نتكلم عن نقص احتراف المترجمين. تحتاج الترجمة إلى شراء حقوق الترجمة وحقوق المترجم، زيادة عن تكلفة طبع الكتاب وحقوق المؤلف، وكل هذا يرفع من ثمن الكتاب المترجم ويعوق عملية تسويقه بشكل جيد”.

جمال الأسلوب وثراء اللغة
جمال الأسلوب وثراء اللغة

وعن الكيفية التي يترجم بها يقول، “أنا لا أترجم إلا النصوص التي تعجبني عند قراءتها، تعجبني أدبيا، أستفيد منها لغويا وأسلوبيا. أتعامل مع النص المترجم كما لو أنه نصي الذي ألفته، وأحرص على جمال أسلوبه وثراء لغته، كما أحرص على الوفاء للنص الأصلي، وأتحرى طويلا في معاني نصه وألفاظه، وأعمل على أن يكون النص المترجم في مستوى النص الأصلي، وإن أمكن أفضل منه في بعض فقراته حتى لا يحس القارئ بثقل أسلوب الترجمة، وغموض معانيها كما يحدث في الكثير من الترجمات إلى العربية، سواء في الجزائر أو العالم العربي”.

يشارك ساري مثله مثل أي مواطن في الحراك الذي هز الجزائر بثورة شعبية سلمية، يقول، “إن ما يحدث في الجزائر لأمر عظيم فاجأ الجميع، سلطة ونخبا. صحيح أن الشعب الجزائري كان متذمرا ورافضا للوضع السياسي، ويعبّر عنه يوميا في المقاهي والأسواق وفي مدرجات ملاعب كرة القدم، ومع ذلك لم يتوقع أحد أن يخرج الشعب إلى الشارع بهذه المدنية المتحضرة، وتمتنع قوات الأمن عن قمعه ومنعه من التظاهر”.

وقد لاحظ  ساري أن الشعب الجزائري، أفرادا وجماعات، أدرك أن العنف لا يأتي إلا بالخراب، وقد جرّبه في أكتوبر 88 وفي العشرية السوداء، زيادة إلى ما حدث في ليبيا وسوريا من دمار، وأول متضرر هو الشعب، كما يقول.

وبعد كل هذه الأشهر من الحراك الشعبي يعتقد ساري أن “النخب ساهمت فيه بشكل مكثّف، وناقشت قضايا المجتمع، وآفاق الخروج من الأزمة، وهي ليست سهلة ولا واضحة الخطوط، ولكن لم نخرج بعد بأي نتيجة، فنحن ما زلنا إلى الآن لا نعرف، هل ننتخب رئيسا جديدا ونتركه يتولى مسار الإصلاحات، أم ننجز كل الإصلاحات السياسية والدستورية ثم ننتقل إلى انتخاب الرئيس ومجلس النواب”.

15