محمد سبيلا: المدرسة الفلسفية المغربية قائمة بذاتها

عبدالله العروي يُعدّ رائد الحداثة في المغرب دون منازع، وهو الذي فكر فيها من مختلف الجوانب وقام بالتنظير لها وجعلها جوهر كل أعماله الفكرية.
الأربعاء 2018/04/11
المفكرون يتصدون لمن يعتبر الحداثة مروقا وجهالة

الدار البيضاء (المغرب) – في سياق اللقاءات الفكرية الشهرية، التي ينظمها الفضاء الثقافي للكونفيدرالية الديمقراطية للشغل في الدار البيضاء، أقيمت مؤخرا ندوة للمفكر المغربي محمد سبيلا للحديث عن المدرسة الفلسفية المغربية.

وتساءل سبيلا في بداية اللقاء عن مشروعية الحديث عن وجود مدرسة فلسفية مغربية قائمة بذاتها، قبل أن يعود للتأكيد على أن الأمر لا يتعلق بادعاء وإنما بحقيقة ساطعة.

واعتبر سبيلا أن هذه المدرسة نشأت من قلب الصراع السياسي بين التيار التقدمي والتيار التقليدي الذي مثله المخزن، وكذا القوى المحافظة في الحركة الوطنية، كما أن تقاسيم هذه المدرسة تبلورت انطلاقا من الجامعة المغربية التي عرفت روادا في الفكر من أمثال عبدالله العروي وعبدالكبير الخطيبي ومحمد عابد الجابري.

وقال إن المدرسة الفلسفية المغربية استطاعت أن تستقل عن التيارات الفلسفية المشرقية وأن تكوّن لنفسها إطارا خاصا بها، حيث اتصفت بالنزعة النقدية وتميزت حتى عن المدرسة الفلسفية التونسية، التي نشأت تحت رعاية الدولة واستفادت من الدفعة العلمانية البورقيبية، فيما المدرسة المغربية قامت في مواجهة الدولة وفي صراع حاد معها واعتمدت على نفسها.

العروي قام بانتقاد المفكرين العرب الذين اعتنقوا تيار ما بعد الحداثة من دون أن يستفيدوا بعد من الحداثة

وأكد سبيلا أن النظام المخزني فطن إلى أن هذه المدرسة، التي جاءت في سياق عالمي يتسم بصعود الحركات التحررية والتيارات الاشتراكية، تشكل خطرا عليه لأنها هي التي تغذي اليسار المغربي والقوى السياسية التقدمية، فقام بخنق الفلسفة في الجامعة بأن ألغاها بقرار سياسي، وفي مقابل هذا الإجراء قام النظام بتشجيع الأصولية من خلال اعتماد تدريس الدراسات الإسلامية وذلك حتى يقضي على منابع التفكير الفلسفي العقلاني.

وذهب سبيلا إلى أن عبدالله العروي يُعدّ رائد الحداثة في المغرب دون منازع، فهو الذي فكر في الحداثة من مختلف جوانبها وقام بالتنظير لها وجعلها جوهر كل أعماله الفكرية، بل إنه أبدع في التنظير للحداثة عندما قام بالكشف عن عوائقها في بلده المغرب؛ معطيا المثال على أنه كان مهموما بالتحديث وبإخراج المغرب من التخلف.

وأكد أن هذه النظرة التي حكمت فكر عبدالله العروي تقوم على أن البشر هم الذين يصنعون تاريخهم وليست أي قوة أخرى، وأن التاريخ قائم على الصراع بين البشر، ولذلك فهو يرى أن الحداثة، من هذه الوجهة، هي قدر لا يستشير الشعوب، وأنها اكتسحت جميع الشعوب والدول دون استثناء، وكل من حاول تحاشيها فهو يفعل كمن يغرس رأسه في الرمال. واعتبر محمد سبيلا أن ما بعد الحداثة، حسبما بيّن ذلك العروي في كتاباته الفكرية، ليست رجوعا إلى ما قبل الحداثة أو هي تعويض عن الحداثة، وإنما تعتبر نقدا للحداثة نفسها، إن لم تكن موجة من موجاتها.

وأوضح كيف قام العروي بانتقاد المفكرين العرب الذين اعتنقوا تيار ما بعد الحداثة من دون أن يستفيدوا بعد من الحداثة، ولم يعرفوا مكتسباتها الكثيرة حتى يمكنهم انتقادها كما يفعل المفكرون الغربيون الذين تلذذوا على مدى ثلاثة قرون بثمار الحداثة وتعرفوا على إيجابياتها وسلبياتها.

وبيّن مجهودات العروي في كشف تحايلات التقليد في إعاقة الحداثة في المغرب، حيث اعتبر أنه أكبر العوائق، خصوصا حين يكون هذا التقليد واعيا بنفسه ويمثل اختيارا، وقال سبيلا إن أحزاب الإسلام السياسي تجسد أبرز مثال لهذا النوع من التقليد، لأنها تعتبر الحداثة مروقا وجهالة يستوجبان التوبة والرجوع إلى جادة الصواب.

14