محمد سرور.. شق الإخوان بتنظيم السرورية

وفاة محمد سرور زين العابدين ذكرت المتابعين بالتيار السروري، الذي يتخذ موقعا وسطا بين الإخوان المسلمين والسلفية، ويعدّه البعض بأنه يأخذ من كل تيار بطرف. لكن تراجع المدرسة السرورية في السنوات الأخيرة، لا ينفي القول بكونها زودت التطرف الديني السائد اليوم بأدوات كثيرة فكرية وبشرية.
الاثنين 2016/11/14
السرورية أنتجت دعاة العنف والتكفير

لندن – بغياب الشّيخ محمد سرور زين العابدين بن نايف تكون جماعة السرورية، التي دشنها في المملكة العربية السعودية، بعد 1965، التي مازالت ناشطة بفكرها الإخواني- السلفي، قد فقدت مؤسسها، وهو بالنسبة إليها بمثابة حسن البنا بالنسبة إلى الإخوان المسلمين. كان محمد سرور، الذي توفي الجمعة 11 نوفمبر 2016، عن عمر ناهز الثامنة والسبعين، من الإخوان السوريين، الذين هاجروا إلى المملكة العربية السعودية، أيام نكبات الإخوان المتتالية، في سوريا ومصر، وحل مُدرسا بمدينة بريدة من إمارة القصيم، حيث هناك قوة السلفية التاريخية.

تعين في بيردة مدرسا للحساب، لكن إخوانيته كانت طافحة، وخلال تلك الفترة تحلق حوله طلاب، من الشباب آنذاك، ثم برزوا بعد ذلك كناشطين في الجماعة التي عُرفت باسم مؤسسها محمد سرور (السرورية)، وهي جماعة يمكن اعتبارها خلطة من السلفية التقليدية والفكر الإخواني، وقد أخذت أفكار سيد قطب لينتج منها الجهاديات المعروفة.

كان في ذهن محمد سرور أن المجتمع السعودي قد رفض أفكار الإخوان المسلمين، الذين لم يحترموا الضيافة والمساعدة، فراحوا يحاولون تأسيس فروع لهم، والبداية كانت قد صُدت من قبل الملك عبدالعزيز، عندما طلب منه حسن البنا تأسيس فرع لإخوان، فأجابه، حسب المشهور في ما كُتب وقيل عن تلك الفترة “كلنا إخوان”، أو قال له عندما قدم أسماء الذين يتولون الفرع الإخواني في الحجاز “نسيت واحد، وهو أنا”.

لكن بعد ضربة جمال عبدالناصر للإخوان المسلمين، إثر محاولة اغتياله في المنشية توافدوا على السعودية، واحتلوا مراكز التعليم، وبدأوا بترتيب المناهج التعليمية، والنشاطات التدريسية.

السرورية: عباءة محمد بن عبدالوهاب وبنطال سيد قطب .. التيار مثل انشقاقا إخوانيا دون القطيعة مع الإخوان

غير أن محمد سرور الإخواني السوري قد كشف ذلك التباعد بين السلفية والفكر الإخواني، فمال إلى الجمع بينهما، وكانت البداية بتقديم كتاب زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ذلك الكتاب الذي أُعجب به أحد تلاميذ سرور في بريدة، وهو سلمان العودة، الذي ارتبط هو وطلبة آخرون بالإخوان عن طريقة (خلطة) السرورية.

فقد استطاع “بنباهة مستغربة منه قراءة خارطة المجتمع وحاجاته، فحاول الجمع بين العقيدة المحلية (السعودية) كأولوية، وبين آليات الإخوان الحركية في تجميع الشباب والتأثير في المجتمع، إضافة إلى الاهتمام السياسي، والتعامل الواقعي مع المستجدات، وبهذا نشأ التيار الذي أُطلق عليه بعض المراقبين اليوم تسمية السرورية… فقد اتضح له أن اهتمام الإخوان السياسي ينقصه توجه سلفي في المعتقد، وأن التوجه السلفي بحاجة إلى جرعة سياسية تنظيمية، تمنحه حضورا مؤثرا في المشهد السياسي” (من بحث الكاتب السعودي عبدالله بن بجاد، كتاب المسبار العدد 1 المؤرخ في يناير 2007)، وبالفعل نجح في ما نوى عليه من تشكيل تلك الجماعة، والتي لا ترتضي بالتأكيد تسميته بالسرورية على أنه صحوة إسلامية.

استغل محمد سرور وجوده تحت ستار التدريس وأنشأ تلك الجماعة، كانشقاق إخواني، من دون القطيعة مع الإخوان، وكانت له ارتباطات مع مختلف الجماعات الإسلامية، التي تطلعت كلها، عبر ما سُمي بالصحوة الدينية، إلى تغيير الأنظمة، لذا كانت في مواجهة السرورية داخل السعودية جماعة عُرفت بالجامية نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي، وهذه عكس السرورية والإخوان المسلمين تماما، فهي ترى طاعة ولي الأمر مهما كانت الظروف، وترفض أي عمل ديني سياسي.

ترك محمد سرور السعودية إلى الكويت، وظل ينشر كتاباته في مجلات إسلامية كانت محسوبة على الإخوان المسلمين، ومن خارج السعودية أخذ يتهجم على الدولة ورموزها، وعلى وجه الخصوص بعد انتقاله إلى لندن، ثم إلى برمنغهام ليؤسس هناك مركزاً إسلامياً، يجعله خلية دولية لجماعته وأفكاره.

وقد ورد في بحث يوسف الديني “مؤسس السرورية”، ضمن الكتاب 1 (يناير 2007) “السرورية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، أن “محمد سرور كان في بداياته الحركية من المقربين إلى الجناح “الإخواني”، التابع لعصام العطار والمعروف بجناح “إخوان دمشق”، ثم انتقل إلى مروان حديد صاحب منهج استخدام العنف، أي “المنهج الانقلابي”، الذي أسسه أبو الأعلى المودودي في الفكر الإسلامي المعاصر، وتابعه عليه سيد قطب في “معالم على الطريق”.

وأن سيد قطب كان “ملهماً لمحمد سرور زين العابدين، في ما يتعلق بتكييف الواقع المعاصر للأنظمة والحكومات، مع الرؤية السلفية من بوابة “التصور القرآني” الجديد، الذي تميز به سيد قطب، حيث أعاد شكل وملامح العديد من المفاهيم القرآنية لتتلاءم مع الرؤية السياسية المتشددة”.

بتأسيسه للسرورية أنتج محمد سرور دعاة العنف والتكفير، ومد اتحاد علماء المسلمين، بشخصيات تتبنى فكره الإخواني

ظلت لمحمد سرور والسرورية كجامعة، صلات بجماعات الإسلام السياسي من الجماعات العنفية إلى السياسية، التي يصفها البعض تجنيا بالمعتدلة، وفي مقدمتها الإخوان المسلمين. لقد أنتج محمد سرور بتأسيسه للسرورية دعاة وخطباء العنف والتكفير، ومدّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (البعض يُشير إليه على أنه مؤسسة التنظيم الإخواني الدولي)، بزعامة يوسف القرضاوي، بشخصيات مازالت تلعب دوراً في هذا الاتحاد، وتتبنى فكره الإخواني وتحركه السياسي.

أخيرا برحيل محمد سرور زين العابدين فقد التكفيريون الإسلاميون أحد أبرز رموزهم؛ وتأتي أهميته من دمجه للفكر السلفي مع الإخواني الحركي، فالرجل لا يتأخر عن تكفير الأنظمة السياسية، ولا عن التنظير للعنف ضدها، وحتى أواخر حياته كان ينشط عبر اليوتيوب والفضائيات الإسلامية، من دون أن يراجع الحطام الذي تركه هو وجماعات الإسلام السياسي الأخرى، في ترقب دولتهم لتحل محل الدول الكافرة لتستبدل المجتمعات الجاهلة بمجتمعات مؤمنة، حسب منطق سرور وسيّد قطب معا.

يذكر أنه تمّ تشييع جثمان محمد سرور زين العابدين، السبت الماضي في العاصمة القطرية الدوحة، بحضور لفيف من كبار الشخصيات الإسلامية، وقد نعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ببيان وصفه فيه بـ”الشيخ الداعية المربي”.

13