محمد سلماوي: القوى الحاكمة مسؤولة عن تراجع القوة الناعمة لمصر

أصبح تدهور الحال الثقافي لمصر مثار اهتمام الكثير من المتابعين لهذا الوطن ودوره الريادي، وفي الوقت الذي تخطو فيه مصر خطوات لافتة على المستوى السياسي ولديها طموحات على الصعيد الاقتصادي، لم تظهر بعد ملامح واضحة لنهضة ثقافية تعيد لهذه الدولة الكبيرة دورها المحوري في الثقافة العربية، وإذا كان للتدهور أسبابه، فإن تشخيصها وعلاجها أول معالم العافية الثقافية.
الأحد 2018/01/07
الحل الأمني غير كاف لمواجهة الإرهاب والطرح الثقافي سلاح معطّل

يعترف الكاتب محمد سلماوي في حواره مع “العرب” بتراجع دور القوة الناعمة في مصر والعالم العربي خلال السنوات الأخيرة، نافيا أن يكون هو أو أحد من المثقفين مسؤولا عن ذلك الخفوت في دور الأدباء والمبدعين والفنانين، الذين يرفض وصفهم بالخواء أو التسطيح في الوقت نفسه، ملقيا باللوم على الحكومات العربية في تجاهلها للثقافة والمثقفين.

وبقدر تشعّب مجالات الكتابة وآفاق العمل العام والميداني التي يخوضها محمد سلماوي، وتعدّد اهتماماته بين المسرح والرواية والمقال والتاريخ والسياسة وأخيرا أدب الاعترافات أو المذكرات، بقدر ما جاء حواره زاخما ومثيرا، يفسح المجال للمصارحة والمكاشفة والمواجهة، والرد أيضا على الانتقادات والاتهامات.

وللكاتب محمد سلماوي مؤلفات عدة سابقة، نال عنها جائزة الدولة التقديرية في الآداب، منها مسرحياته؛ “فوت علينا بكرة”، “القاتل خارج السجن”، “رقصة سالومي الأخيرة”، وأعماله السردية؛ “الرجل الذي عادت إليه ذاكرته”، “الخرز الملون”، “أجنحة الفراشة”.

تراجع القوة والدور

في اعترافاته الخاصة لـ”العرب”، التي تأتي موازية لصدور مذكراته “يوما أو بعض يوم” عن دار “الكرمة” بالقاهرة، يقر الكاتب محمد سلماوي (72 عاما) بأن المشهد الثقافي الراهن في مصر ضبابي، والقوة الناعمة ليست في أزهى عصورها، مقارنة بعهود سابقة تعاظم فيها تأثير العمالقة في الفكر والأدب والفن.

وينفي سلماوي ما يراه البعض من أن المثقفين أنفسهم، خصوصا الذين يتولون المناصب ويترأسون المؤسسات الثقافية، مسؤولون عن تدهور أوضاع الثقافة والمثقفين بمصر خلال الفترة الماضية، مؤكدا أن وصف الأدباء والمبدعين والفنانين بالفراغ والاضمحلال أمر يجافي الحقيقة.

وقد تقلد سلماوي مناصب عديدة عبر عمره الممتد، منها رئاسة اتحاد كتّاب مصر، واتحاد الكتاب العرب، وشغل صفة المتحدث باسم “لجنة الخمسين” لإعداد مسودة الدستور المصري المعدل في 2013، واختاره الراحل نجيب محفوظ ممثلا شخصيّا له في الاحتفال بفوزه بجائزة نوبل بالسويد في العام 1988.

ويعيد محمد سلماوي السبب في “تراجع دور القوة الناعمة” إلى عدم الاكتراث بأهميتها من جهة القوى الحاكمة والمجتمع على السواء، ويقول “لا أدين المثقفين بشأن عدم وصول كلمتهم، وضعف حضورهم في السنوات الأخيرة على الساحة العربية، فالمشكلة في مصر والمجتمعات العربية عموما هي عدم التفات الكثير من الحكومات إلى القوة الناعمة كسلاح حيوي واستراتيجي نافذ، لخدمة الأهداف الوطنية، والمعاونة في مواجهة المشكلات الكبرى، ومعالجة القضايا المصيرية”.

لا أنحاز إلى سلطة غير القلم وسحب "اتحاد الكتاب" الثقة من الرئيس الأسبق مرسي واقعة فريدة مصريا وعربيا

وينتقد سلماوي آليات استثمار القوة الناعمة في مصر، من جانب الحكومة والمؤسسات الرسمية، واصفا إياها بأنها “أدنى من المستوى المأمول، وتكاد تقتصر على المؤتمرات والكرنفالات الكلامية المكرّرة”.

ويقول “معركة الإرهاب، على سبيل المثال، يبدو الطرح الثقافي سلاحا معطّلا فيها، مع أن العلاج الفكري من خلال التنوير هو الحل الوحيد لاستئصال جذور العنف والتطرف، فالتعامل الأمني لا يجدي وحده في مسألة شائكة ومعقدة كهذه، لكن أصحاب القرار لهم رأي آخر”.

ويؤكد سلماوي أن أسباب تفوق وازدهار القوة الناعمة لمصر في أعقاب ثورة يوليو 1952، إلى إدراك الدولة لقيمة الأدب والفن، وتأثير المثقفين في نشر الإبداع وتغذية روافد المعرفة، “يتجلى مدى تقدير ثورة يوليو للكلمة، بإهدائها جوائز النيل إلى كتّاب ومبدعين من أمثال طه حسين، بعدما كانت هذه الجوائز في عهد الملكية حكرا على الملوك والرؤساء الأجانب، وهكذا جعلت الثورة يوسف وهبي فنان الشعب، وأم كلثوم مطربة الشعب، وصارت للمبدعين مكانة لائقة، وتأثير حقيقي”.

المثقف العضوي

تنتمي أعمال محمد سلماوي إلى ما يمكن وصفه بالأدب الملتزم، حيث تحضر القضايا المجتمعية في مقدمة الطرح الأدبي للمثقف العضوي، أو تكون هي المحور المشكّل للبناء والمحرّك للأحداث. وفق هذا التوجه، قدم مسرحيته “الجنزير” (1992) لرصد ظاهرة الإرهاب التي كانت حديثة الظهور بمصر، كما وصف البعض روايته “أجنحة الفراشة” بأنها من الأعمال التي تنبأت بثورة 25 يناير 2011، التي أزاحت نظام الرئيس المصري حسني مبارك.

يرى بعض النقاد أن إعطاءه “القضية” أولوية في أعماله، يشكل نوعا من التقييد لحرية التجريب، والتوجيه لعناصر الفن نحو رؤى ذهنية جاهزة وتصورات أيديولوجية وسياسية.

وعن ذلك الانتقاد يقول لـ”العرب”، “تنبع قيمة الكاتب من قدرته على أن يكون ضمير أمته، وبقدر تفاعله مع قضايا مجتمعه بقدر ما تكون لكتاباته معنى، ولوجوده ضرورة. لا أتصور أن يحلق عمل إبداعي في فراغ، ولا أن يكون الكاتب غير منشغل بالقضايا الكبرى في أوطانه”.

ويرى سلماوي أن اختزال جيل الستينات من القرن الماضي، وهو أحدهم، القضايا الكبرى في قوالب سياسية هو شأن طبيعي، وليس اتهاما يجب دحضه، لأن المصريين، والعرب عموما، أكبر قضاياهم وأكثرها سياسية في المقام الأول.

وتساءل “هل يدعي أديب أو كاتب عربي خلال العقود الستة الأخيرة مثلا أن هناك قضايا كبرى أكثر إلحاحا وأهمية من قضية فلسطين، والتحرر من الاستعمار، والحروب مع إسرائيل، والقومية العربية، والعدالة الاجتماعية، والثورات العربية، ونظم الحكم الديمقراطية؟”.

وحول مدى التوافق والانسجام بين كتابة الأديب، كمبدع، ودوره الحياتي على الأرض، كإنسان ومثقف فاعل، يقول “يجب أن يكون هناك اتساق تام، وإلا صار الكاتب غير أمين أو غير صادق، ولا يمكن لكاتب المناداة بالحرية في عمل أدبي، وهو في الحقيقة مهادن للسلطة مثلا”.

القوة الناعمة ليست في أزهى عصورها

وأضاف، من جهتي “لا أنحاز إلى سلطة غير القلم، وتكاد واقعة سحب اتحاد كتّاب مصر الثقة من الرئيس الأسبق مرسي في العام 2012، أثناء رئاسته الجمهورية، تكون واقعة فريدة مصريّا وعربيّا، وقد كنتُ أشرف على رئاسة الاتحاد في ذلك الوقت، ولم ترهبنا السلطة”.

بين الأدب والسياسة

تنفتح مذكرات سلماوي “يوما أو بعض يوم”، الصادرة حديثا، على اتجاهات عدة، فهو مسرحيّ، وكاتب صحافيّ، وناشط وثيق الصلة بشؤون السياسة، وقد وصف حلمي النمنم وزير الثقافة المصري المذكرات بأنها بمثابة “إنباء تاريخي، اجتماعي وإنساني، عن وجه مصر الذي ربما لا يجيد البعض قراءته”.

عن تلك المذكرات، ومزجها بين الأدبي والسياسي والتاريخي يقول سلماوي لـ”العرب”، “الأدب كان نقطة البداية لهذه المذكرات، التي تضمنت لاحقا الذاتي والسياسي والمجتمعي بناء على رغبة الناشر، إذ كنتُ في أول الأمر أنتوي رواية سيرة حياتية وتفاصيل تتعلق بأحداث أدبية ومبدعين كبار جمعتني بهم علاقات وثيقة، من أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم”.

على الرغم من تضمّن مقالات سلماوي الأدبية في هذا الإطار العديد من الأسرار والمفاجآت، من قبيل كشفه في أثناء زيارته لمقر لجنة نوبل أن اسم طه حسين كان مدرجا للفوز بالجائزة في أعقاب حرب 1948، وتم استبعاده من أجل منع الوجود العربي على الصعيد الدولي، وغيرها من الأسرار الأدبية، فإن الناشر أشار على سلماوي بضرورة أن تتضمن مذكراته شهادته الكاملة على العصر، بكل ما فيه من أحداث كبرى كالحروب والثورات والانتفاضات.

وعما إذا كان قد كتب مذكراته بروح المبدع المجنح بخيالاته أم بعقل المؤرخ الدقيق، يشير سلماوي إلى أنه أراد كتابة شهادة على العصر، وهذه الشهادة يجب أن تكون أمينة، وموثقة بالمستندات والصور، ومسبوقة ببحث مُضنٍ ومراجع تخصصية، ومن ثم “يخطئ من يراها مجرد ذكريات أو خيالات أو حكايا من دون استدلالات وإثباتات”.

وحول ما إذا كان احتفاء حركة النشر في مصر والعالم العربي بكتب المذكرات والاعترافات، مثل مذكرات السياسي عمرو موسى وغيرها، يعكس توجها ماضويّا مبعثه تعلق القراء بالزمن القديم وفراغ المشهد الراهن من قامات شامخة وأحداث كبرى تهمّ الجمهور، يقول سلماوي “النوستالجيا، أو الحنين إلى الماضي، شعور طبيعي، ولا يعني ذلك أن الماضي أفضل من الحاضر، أو أن رجاله وأحداثه أكثر أهمية أو أعلى قيمة، واهتمامي بالتاريخ واستدعاء الأحداث القديمة في أحد كتبي لا يعني أنني كاتب ماضويّ منصرف عن قضايا الواقع، فانشغالاتي دائما وأبدا بالمجتمع”.

أما بالنسبة إلى رواج كتب المذكرات، على النحو التجاري والتسويقي، فيرى سلماوي أن ذلك أمر إيجابي، ويمكن رده إلى شغف القرّاء بما لا يعرفونه من تفاصيل.

ويوضح “أوراق التاريخ دائما بضاعة مثيرة، ورائجة، ولا بأس أن تتم كتابتها بتشويق، وبساطة، وأنّ حرص الكاتب على تقديم مؤلفات واسعة الانتشار ليس عيبا”.

كاتب من مصر

11