محمد سيد رصاص مفكر سوري معارض يرى المشهد في ميزان التاريخ

السبت 2016/07/16
رصاص: يجب أن يدرك الأكراد السوريون أن القامشلي ليست أربيل ولا مهاباد

دمشق - هل هناك جديد في الملف السوري؟ السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم، حول ما يدور في المشهد السوري المشتت، ما بين حرب طاحنة وهدنة وحراك سياسي دولي، ومتغيرات إقليمية، لا سيما بعد ما تسرّب مؤخراً من أن المبعوث الدولي إلى سوريا أستيفان دي ميستورا سيحدد جولة جديدة للمفاوضات في الفترة القادمة، بعد استقالة كبير المفاوضين المعارضين السوريين محمد علوش ورئيس الوفد أسعد الزغبي، فهل هناك مؤشرات جدية على جدوى الجولات الجديدة أم أنها ستراوح في مكانها كما سابقتها؟

المعارض والمفكر السوري محمد سيد رصاص، والذي كان أحد المعتقلين السوريين لأكثر من خمسة عشر عاماً، يرى أن الجولة القادمة من مفاوضات جنيف 3 ستشهد دخولاً في العمق. فالوثائق المقدمة من فريق عمل دي ميستورا تناولت مسودة الدستور التي نتجت عن معهد كارتر بالتعاون مع مراكز أبحاث أخرى. وقد جرى هذا بضوء أميركي روسي.

يعتقد رصاص في حواره مع “العرب”، أن هناك اتجاهاً دولياً لإيجاد تسوية في هذا الصدد. وتسعى الإدارة الأميركية لإغلاق كل الملفات قبل خروج

أوباما من البيت الأبيض في ديسمبر القادم، ما سينعكس على القضية اليمنية وكذلك المسألة السورية. وبالتأكيد الموضوع الأوكراني سيكون مرتبطاً بشكل أو بآخر، وهذا بحكم وجود ذات الفرقاء الدوليين والإقليميين تقريباً في الأزمة السورية والأزمة اليمنية باستثناء تركيا.

رؤية عالمية للشرق الأوسط

هنالك رؤية عالمية لدى الإدارة الأميركية، وفقاً لرصاص، ترى بالفعل أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، وأنه يجب تلزيمه إلى قوى أخرى، لكن برضى أميركي. وهذا له علاقة بنظرية واشنطن حول استقطاب روسيا بعيداً عن الصين وتفكيك مجموعة البريكس عبر تباعد روسي صيني. ولذلك يقول رصاص “نستطيع أن نقدّر أنه ربما خلال خمس سنوات وزيادة، سيكون هنالك اتجاه جديّ لحل الأزمة السورية إلا إذا حصلت تطورات غير متوقعة”.

واضح من خلال هذا التحليل أن القوى الإقليمية وأداور كل من السعودية وقطر وتركيا غير مأخوذة بعين الاعتبار. وكأن القوى الدولية قادرة على فرض الأجندة الخاصة بها، الأمر الذي يعكس انعداماً لتقاطع المصالح حالياً بين قوى الإقليم، مع القوى الدولية السائرة بهذا الاتجاه.

دستور سوري دولي

لكن هذا التحليل يحتاج إلى استكمال ليقف على رجليه في المنطقة، وهناك قوى معارضة داخلية ونظام وحلفاء إقليميين. يقول رصاص إن هناك تباعداً إقليمياً دولياً، وتفاهماً أميركياً روسياً بالمقابل. بعض قوى الإقليم منسجمة مع هذا التفاهم، ومنها السعودية وغالبية دول الخليج على سبيل المثال. أما القوى الإقليمية غير المنسجمة مع هذا التفاهم فهي إيران وتركيا وقطر أيضاً. إذا أردنا اعتبار الأخيرة دولة إقليمية ذات أهمية، لكن الأرجح إيران وتركيا هما المعتبرتان. الاتجاه الدولي هو الحاكم للأزمة السورية الحقيقية منذ العام 2012. وهو المتحكم بالمفاتيح والمقرر للمجريات. وكما يقول رصاص فقد “شاهدنا ذلك في أزمة الكيميائي في العام 2013، وبالتفاهم الروسي الأميركي الذي أنتج التدخل العسكري الروسي في سبتمبر من العام الماضي. وهو أيضاً ما أنتج تفاهماً سياسياً في بياني فيينا، ثم القرار 2254 ثم جولات جنيف 3. ولنكن صريحين منذ الحرب العالمية الثانية، دائماً الدولي يتغلب على الإقليمي وهو المقرر وليس العكس”.

جرت حسب رصاص استقطابات كبيرة للمعارضة والنظام خلال السنوات الماضية، ومن الممكن كما يقول “أن تنزاح تلك الاستقطابات بالفعل، ويمكن للمعارضة أن تتقارب مع أقسام كبيرة مع النظام. خاصة في موضوع خطر الفيدرالية والتقسيم، حيث نجد قوى في الائتلاف متقاطعة مع النظام تجاه هذه المواضيع ومواضيع الإسلام، النظام ليس متصلباً في موضوع دور الإسلام أو الفقه الإسلامي في الدستور، وهي قضايا سيفاجأ كثيرون بأن استقطابات المعارضة السورية والنظام التي كانت خلال الخمس سنوات الماضية ربما تزول في المرحلة الانتقالية أو تتعدّل”.

الاتجاه الدولي هو الحاكم للأزمة السورية، وهو المتحكم بالمفاتيح والمقرر للمجريات، حسب رصاص الذي يقول إن العالم {شاهد ذلك التفاهم الروسي الأميركي في أزمة الكيميائي وفي التدخل العسكري الروسي، وفي بياني فيينا، ثم القرار 2254 ثم جولات جنيف 3. ولنكن صريحين، فمنذ الحرب العالمية الثانية، دائما كان الدولي يتغلب على الإقليمي

ولكن هل ستشهد المرحلة الانتقالية إعلاناً دستورياً أم دستوراً حقيقياً؟ يقول رصاص “نحن في هيئة التنسيق نفضل إعلاناً دستورياً مع تعليق العمل بالدستور الحالي. وللحقيقة هذا الموضوع خلافي. فالنظام يقترح تعديل دستور العام 2012، لكي يلائم المرحلة الانتقالية، بينما بعض قوى المعارضة تقترح دستور العام 1950. والأفضل هو إعلان دستوري مع تعليق العمل بالدستور الحالي، ويجب تعليق العمل بالمؤسسات التي نتجت عن هذا الدستور، ومنها مجلس الشعب أو غيره أو كل هذه المؤسسات”.

منذ نهاية العام الفائت شاركت هيئة التنسيق الوطنية، والتي تعتبر ممثلةً لمعارضة الداخل السوري، في الهيئة العليا للمفاوضات التي تشكلت في الرياض، والتي ينظر إليها البعض على أنها معارضة الخارج، مع أن غالبية أعضائها مسؤولون سابقون في النظام أو مقاتلون وقادة فصائل، ويتساءل كثيرون عن طبيعة العلاقة التي تربط ما بين هيئة التنسيق والهيئة العليا للمفاوضات، وهل تتطابق رؤيتا كل منهما تجاه جميع القضايا الخلافية في الملف السوري أم لا؟ رصاص عضو هيئة التنسيق يرى أنهم ذهبوا إلى الرياض لأن مجموعة فيينا هي التي قررت ذلك. فاتفاق الرياض كما يقول “هو حصيلة فيينا، ومحطة مهمة في الوصول إلى القرار 2254 ثم إلى جنيف3، ونحن اتجهنا إلى الرياض بحكم قرار دولي، وبحكم تقديرنا أن هذا هو الطريق الذي سيقود إلى جنيف، وهدفنا عدم تكرار الموقف الذي تعرضت له هيئة التنسيق في جنيف 2 بسب التفاهم الروسي الأميركي. هنالك اتفاق روسي أميركي وكذلك ضمن مجموعة الـ17 على أن هيئة التنسيق والائتلاف هما الكيانان الوحيدان اللذان يدعوان إلى مؤتمر الرياض. وطبعاً هذا جاء لمصلحتنا لأن فيه كسرا لاحتكار الائتلاف بالتمثيل، وكسرا بالاعتراف الأحادي الذي جرى عبر مؤتمر أصدقاء سوريا.

بلغ التدخل الدولي في ساحة الصراع السورية مبلغاً غاية في التعقيد، لدرجة أنه يصعب التمييز أحياناً، بين قوات حلفاء النظام وجيشه، وبين الدواعش، والآن يتطور التدخل من خلال قوات سوريا الديمقراطية وقوات التدخل الأميركية، فإلى أين يذهب الصراع العسكري الدولي والمحلي على الأرض السورية حسب المصالح وموازين القوى؟ يقول رصاص لـ”العرب” إن العملية التفاوضية هي انعكاس للعملية العسكرية والسياسية، لأنها مبنية على أساس توازن معين. وهو ليس محلياً فقط، وإنما توازن دولي وإقليمي، وتوازن عسكري وسياسي. لأن العسكرة قد حدثت منذ العام 2012 ولم تنتج سوى التعادل. الآن التسوية مبنية على مبدأ لا غالب ولا مغلوب. ومبدأ التعادل يعني أن كل شيء تحت السقف وغير مسموح بكسر التوازن، لأن ذلك سوف يودي بجنيف 3 إلى الهاوية.

فيدرالية الأكراد

يصف رصاص وضع نظام الأسد العسكري في العام 2016 بأنه “أفضل من سابقه في العام 2015، وهذا التوازن الجديد على الصعيد العسكري مرافق لمفاوضات جنيف 3، ولنتحدث بصراحة التوازن على الأرض أو التوازنات المحلية ليست هي المقررة لعملية التسوية ولا التوازنات الإقليمية. المقرر هو التوازن الدولي”.

منذ إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي فيدرالية “روجأفا”، وعلاقة هيئة التنسيق به تزداد سوءاً، مع أن هذا الحزب كان أحد مؤسسي الهيئة، كيف تبدو الفيدرالية خطـرة على الوضـع السوري الحالي والمستقبلي؟ وهـل لها مستقبلٌ أصلاً؟

يقول رصاص “نحن نعتبر أن خطوة حزب الاتحاد الديمقراطي، بإعلانه الفيدرالية في الشمال السوري هي خطوة انفرادية وبنفس الوقت هي خطوة خاطئة، لأن الاتحاد الديمقراطي كحزب هو مبني على قاعدة اجتماعية كردية والأكراد أقلية في سوريا لا يتجاوزون 10 بالمئة من سكان سوريا. أحزاب الأقليات لا يمكن أن تكون فاعلة إلا عبر غطاء وطني. هيئة التنسيق كانت هي اللحاف لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الذي ترك هذا اللحاف نتيجة قراءة خاطئة لما جرى في الرياض. ونحن نعتبر بشكل أو بآخر، أنه وبنتيجة عزلة حزب الاتحاد الديمقراطي، قام بتلك الخطوة التي هي أقرب إلى الاصطدام بحائط، يعني لم تكن مربحة في الحصيلة بل كانت الخسائر أكثر من الأرباح”.

يضيف رصاص “يجب أن يدرك الإخوة الأكراد أن القامشلي ليست أربيل وليست مهاباد، وليست ديار بكر. لأن الديموغرافيا في سوريا تقول غير ذلك. الأكراد ليسوا موجودين في منطقة واحدة بل مشتتون جغرافياً وديموغرافياً، وهم أقلية صغيرة لا أقلية كبرى، كما في العراق أو إيران أو تركيا. وهم ليسوا أغلبية بأيّ محافظة سورية بما فيها محافظة الحسكة”.

الإدارة الأميركية، وفقا لرصاص، ترى بالفعل أن الوضع في سوريا والشرق الأوسط لم يعد مهماً، وأنه يجب تلزيمه إلى قوى أخرى، لكن برضى أميركي. وهذا له علاقة بنظرية واشنطن حول استقطاب روسيا بعيدا عن الصين وتفكيك مجموعة البريكس عبر تباعد روسي صيني.

سوريا والعراق ولبنان

هذا وضع سيترجم، بقناعة رصاص، في السياسة. ومن لا يدركه يقوم بخطوات ناقصة مثل خطوة الفيدرالية، ولا يمكن لأحد من السوريين الآن أن يفرض سوريا المستقبلية من خلال خطوات أحادية. بل يجب أن يكون هذا موضع اتفاق كل السوريين في المرحلة الانتقالية، هذه ملاحظات هيئة التنسيق، التي يقول عنها رصاص “نحن الآن لا يمكن أن نقبل بعودة الاتحاد الديمقراطي إلا بتخليه عن إعلان الفيدرالية وهذا قرا المكتب التنفيذي، ونحن في هيئة التنسيق لم نعش ضعفاً نتيجة خروج حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أو غيره، بل الآن نحن وضعنا في الـ2016 أفضل من السنوات السابقة، دولياً ومحلياً، إضافة إلى أننا نعتبر أن جنيف 3 هو انتصار لخطنا السياسي”.

يعقد رصاص مقارنات للحالة السورية مع التجارب التي كانت في الجوار، إذا نشبت برأيه صراعات داخلية في لبنان، وفي العراق، وفي تركيا أيضاً منذ 1984 مع ثورة حزب العمال الكردستاني، ويضيف “نستطيع القول إن هذه الدول في الجوار والتي نشبت فيها الصراعات الداخلية وصلت إلى حافة الحرب الأهلية. في الصراع السوري منذ خمس سنوات، لم نصل إلى حالة حرب أهلية، مع أن الصراع السوري أقوى بما لا يقاس من تلك الصراعات من حيث قوة انفجاره والتغذية الخارجية الدولية والإقليمية له. وحتى مدى تدخل التنظيمات العالمية والدولية والإقليمية لدى طرفي النزاع فيه؟ ورغم ذلك لم يؤدّ ذلك إلى نشوب حرب أهلية. الحرب الأهلية هي التي يشترك فيها الأهالي في الصراع بمعزل عن السلطة والمعارضة، بل يسيطران على السلطة والمعارضة، كما جرى في لبنان حين نشأت تنظيمات على حساب الدولة القائمة والمعارضة القائمة وتجاوزتهما. كما في أسبانيا وأيضا البوسنة. في سوريا لم يحصل ذلك. مازال صراع معارضة مع سلطة، ولكن لكل منهما حلفاء خارجيون إقليميون ودوليون ولهما قاعدتهما الاجتماعية”.

وبغض النظر عن رأيه بالنظام أو السلطة السورية، فمازالت الدولة، كما يقول رصاص، تقوم بوظائفها حتى تجاه المناطق أو أهالي المناطق التي لم تعد السلطة تسيطر عليها مثل الرواتب والطحين حيث يذهب للرقة التي يسيطر عليها داعش، وللمناطق التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي.

كما لم يطرح أحد من السوريين حتى الآن فكرة تقسيم سوريا أو إنشاء كيانات خاصة، بما في ذلك الأكراد ، وهو دليل على وضع صحي. في لبنان والعراق والبوسنة لم يكن الوضع كذلك، وهناك اتجاه دولي أنه لا خرائط جديدة وهذا يشمل كل المنطقة.

كيف نفهم روسيا

رصاص يعدّ السوري الوحيد الذي لديه كتاب عن تاريخ الاتحاد السوفييتي، وهو يرى بالتأكيد أن الثورة البلشفية في العام 1917، مثلت تطوراً ليس في السياق الماركسي وحسب، وإنما تطوراً في السياق الروسي بشكل أو بآخر. فمنذ العام 1825 الحركة الديسمبرية المؤلفة من مجموعة من الضباط دخلوا باريس بعد سقوط نابليون، وتأثروا بأفكار الثورة الفرنسية، فأسسوا حركة لتغريب روسيا في مواجهة حركة اسمها السلافية، هذه الحركة ترى خصوصية روسية بالقياس للغرب.

البلشفية في الحقيقة هي انتصار للتغريب في التاريخ الروسي. نجحت الثورة البلشفية في رسملة روسيا ولم تنجح في تشريكها، الماركسيون هم أفضل من قاد الثورة الرأسمالية في القرن العشرين، في بكين وهانوي. والآن بوتين يطمح إلى نهوض روسيا من جراحها وإلى أن تقف على قدميها مجدداً، ويحلم بعودة روسيا إلى المجد القومي. عنده خطتان؛ الخطة الأولى محاولة السيطرة على المدى السوفييتي الماضي (دول الاتحاد السوفييتي) وجرّب ذلك في أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان، وحاوله في جورجيا. الخطة الثانية في المدى الدولي، فبوتين يعرف أن مشروعه لعودة روسيا إلى مجدها القومي لا يمكن أن يتم ضد الإرادة الأميركية وإنما بالاتفاق معها، لكنه محكوم بالاقتصاد. روسيا هي في المرتبة العاشرة، البرازيل وايطاليا متفوقتان عليها في الترتيب الاقتصادي. ليست دولة عظمى، كما في أيام خروتشوف وستالين، بل دولة كبرى مثل فرنسا، تقوم بمهمات برضى أميركي في ليبيا والشمال الأفريقي وجنوب الصحراء.
12