محمد شكري: عشر سنوات على الرحيل ومازال مقيما بيننا

الخميس 2014/02/20
محمد شكري لم يستطع تجاوز "الخبز الحافي"

الدار البيضاء – خلّد الوسط الثقافي المغربي، في الدورة العشرين لمعرض الكتاب بالدار البيضاء، ذكرى مرور عقد من الزمن على رحيل أشهر كاتب مغربي، وأكثرهم إثارة للجدل. إنه محمد شكري، صاحب السيرة الذاتية الروائية “الخبز الحافي”، وذلك من خلال ندوة موسومة بـ”محمد شكري: عشر سنوات على الرحيل”.

محمد شكري يسجّل حضوره في معرض الدار البيضاء، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله، حيث جلس خياله إلى ثلّة من أرقى وأبهى أصدقائه، وهم محمد برادة وإبراهيم الخطيب، إضافة إلى المترجمة رجاء بومدين، التي تريد بدورها، استعادة محمد شكري في الساحة الأدبية الناطقة بالإسبانية، من خلال إعادة ترجمة أعماله إلى لغة سيرفانتيس، كما ترجمت إليها، من قبل، وإلى نحو 30 لغة، منها الروسية والتركية والعبرية.


كاتب كوني

أكد الكاتب المغربي المخضرم محمد برادة، في لقاء “محمد شكري: عشر سنوات على الرحيل”، ضمن فعاليات الدورة الجارية من معرض الكتاب بمدينة الدار البيضاء المغربية، أن صديقه الراحل محمد شكري إنما قدّم للعالم، من خلال “الخبز الحافي”، شهادة إنسانية مؤثرة، وسيرة روائية مغايرة، تمزج ما بين الواقعي والتخييلي، على ضيق الأول ورحابة الثاني. ما بين الوهمي والتسجيلي، أيضا.

وهو في ذلك، يضيف برادة، قد قدّم تنويعا سرديا جديدا غير مسبوق، مخالفا ومغايرا، وجريئا أيضا، منح محمد شكري صفة الكاتب الكوني العالمي، كما كان يبتهج لهذه الصفة المخاتلة. وإذا كانت رواية “الخبز الحافي” هي التي حققت لشكري هذا المجد الأدبي الكوني، فهي التي اعترضت سبيله الأدبي، وحالت حاجزا وثابتا لم يستطع شكري تجاوزه والتخلي عنه نحو أفق آخر.

إذ هل يمكن لأحد أن يتخلى عن مجد غير زائل؟ يتساءل الكاتب، معتبرا أن شهرة محمد شكري بعد صدور “الخبز الحافي”، جعلت من الشهرة لمعانا أثقل كاهل محمد شكري، وحال دون بحثه عن أفق جديد في الكتابة، كما ظل ينصحه بذلك صديقه برادة. والخلاصة عند محمد برادة هي أن شكري لم يستطع الخروج من جلباب “الخبز الحافي”، فظل كاتبا عالميا، ولكنه كاتب عالمي مشدود إلى العمل الوحيد الذي صنعه، دون أن يسمح له بصناعة أعمال أخرى، بحجم وقيمة “الخبر الحافي”.

من هنا، يمكن فهم لماذا ظل النقاد، بل شكري، نفسه، يعتبر “السوق الداخلي”، والشطار” ما هي إلا أجزاء متفرعة عن “الخبز الحافي”، وأن “غواية الشحرور الأبيض” ما هي إلا سيرة تحكي المجد الأدبي الذي حققته الخبز الحافي لمحمد شكري.

الناقد المغربي إبراهيم الخطيب، حفر في مرحلة ما قبل شكري الكاتب، وما قبل ظهور “الخبز الحافي” وغيرها، ذلك أن الأصل في عالمية شكري هو تعرفه على الكاتب الأميركي الكبير بول بولز، الذي عاش في طنجة، واكتشف شكري، وحرضه على الكتابة، إن صح التعبير، وكان هو من ترجم “الخبز الحافي” إلى الأنكليزية. ويرى الخطيب أن الكتاب الذي ألفه شكري بعنوان “بول بولز وعزلة طنجة” إنما جاء بمثابة شهادة اعتراف، وهو كتاب متميز عن السير الغيرية التي كتبها شكري، ومن ضمنها سيرة “جان جونيه”، و”تينيسي وليامز″. فقد كان شكري -يقول الخطيب- صديقا مقربا من بول بولز، فلم يضطرّ إلى مجاملته، ولم يتورّع في مساءلته ومداهمته بالكثير من الأسئلة حول الأدب ممارسة وتأملا وتفكيرا.

المترجمة المغربية رجاء بومدين عادت إلى ما سجله محمد برادة بخصوص سطوة “الخبز الحافي” حول تجربة الكتابة عند شكري، حين أكدت أن شكري إنما كان ضحية شهرة الخبز الحافي في الآفاق ورواجها في الأسواق، ووعدت ضيوف المعرض، في النهاية، بأنها قريبة من إصدار ترجمة أعمال محمد شكري، من جديد، إلى الإسبانية، بعد صدور الكثير من الطبعات، لمختلف أعماله، في عدد من النسخ، وفي غياب الورثة، أمام صمت ناشر شكري المعروف روبيرتو دي هولندا.

بقايا شكري

كانت “العرب” قد وقفت على تراث الراحل محمد شكري، بعدما نقل شقيقه عبدالعزيز التمسماني كل ممتلكات أخيه محمد شكري، التي كانت في إقامة شكري بمدينة طنجة، إلى محل في مدينة مرتيل، المطلة على البحر الأبيض المتوسط (66 كلم شرق مدينة طنجة) في منطقة الشمال المغربي.

أولى الوثائق التي عثرنا عليها، ضمن ممتلكات وتراث محمد شكري هي جواز سفره، وعليه اسمه الحقيقي “محمد التمسماني”، من مواليد 1935، في قبيلة بني شيكر.

عندما انتقل الطفل محمد، رفقة الأب والأم، من منطقة الريف، خلال سنوات المجاعة، صوب مدينة تطوان، كما يحكي ذلك في سيرته “الخبز الحافي”، خلال أربعينات القرن الماضي، ظل يناديه أبناء تطوان، كما كانوا ينادون أباه “السي الشكري”، نسبة إلى قبيلة “بني شيكر”، يقول أصدقاء شكري، ممن التقت بهم “العرب” في مدينة تطوان. كما أن سنوات المجاعة العجاف هي المرجع الحقيقي والعميق السحيق لـ”الخبز الحافي”، الذي كان أعز ما يطلب في تلك المرحلة.

وحينما شاءت الظروف أن يتعلم شكري الكتابة، في وقت متأخر، وكتابة الرواية في ظرف مغاير، سوف يوقع عمله الأول باسم محمد شكري. وإذا كنا نعرف أن الرواية إنما صدرت بالفرنسية أولا، قبل أن تصدر بالعربية، فإن سهولة نطق الكلمة باللاتينية جعلها تكتب هكذا choukri، على أغلفة أعماله بالفرنسية والأنكليزية، ثم صدرت على أغلفة الترجمات الإسبانية على شكل chukri، التزاما بصيغة النطق فقط. على أن ما تبقى من ممتلكات شكري، كما وقفنا عليه إنما هو طبعات متعدّدة لأعماله السردية، وصور لا حصر لها، مع مختلف الكتاب والسياسيين والمشاهير الذين التقى بهم، وصور من مرحلة شبابه، في تطوان ثم العرائش وأصيلا وصولا إلى طنجة، وصور إلى جانب جان جينيه وبول بولز وألبيرتو مورافيا، وإلى جانب الوزير الأول المغربي عبدالرحمن اليوسفي، إلى جانب الكثير من الرسائل التي اطلعنا عليها، وأشرطة فيديو تضمّ الحوارات والمقابلات التلفزية التي أجريت معه، وفي مقدمتها الحوار الشهير في البرنامج الشهير الذي كان يقدمه برنار بيفو، وتعود الحلقة إلى سنة 1980. إضافة إلى ذلك، هناك ملفات تتضمن مجموع المقالات التي كتبت عنه في الصحافة العربية والدولية، بمختلف اللغات، بما فيها العبرية. كما يضمّ أرشيف محمد شكري عددا من الأعمال الأدبية، أغلبها موقعة من قبل أصحابها، مثلما يضمّ الأرشيف مخطوطات بخط يد شكري، من ذلك مخطوط مسرحية “السعادة”، ومخطوطات للحلقات التي كان يقدّمها شكري عبارة عن حلقات في إذاعة طنجة، بعنوان “شكري يتحدث”.
محمد برادة وإبراهيم الخطيب في ندوة تعيد شكري إلى أروقة معرض الكتاب بالدار البيضاء

أما الرسائل، فهي لا تحصى، أغلبها الرسائل التي وصلته من محمد برادة، والتي جمعها هذا الأخير في كتاب بعنوان “ورد ورماد”، ثم رسائله الكثيرة مع صديقه الروائي محمد زفزاف، وجلها تتضمن انتقادا لاذعا وقاسيا للنظام السياسي والثقافي يومها، ورسائل مع القاص والكاتب إدريس الخوري، ومع الروائي المغربي محمد عزالدين التازي، والمصري صبري حافظ، والتونسي حسونة المصباحي، والشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي، والروائية المغربية خناثة بنونة، في رسالة مثيرة، والكاتب الإسباني المقيم في مراكش، حاليا، خوان غويتسولو، والناقد إبراهيم الخطيب، الذي يهنئه فيها بدخول حرم “غاليمار”، وهي دار النشر الفرنسية، أو “قلعة النشر المنيعة، التي لا يدخلها إلا الكبار”، و”سحقا لأعدائك”، يخاطب الخطيب شكري، في رسالة تعود إلى بداية الثمانينات، ثم الرسائل المتبادلة مع محمد الأشعري، وزير الثقافة السابق، والروائي المغربي الذي بعث إليه برسالة غاضبة ساخطة من سجن لعلو، في 16 أبريل 1982، يوم كان معتقلا، يكشف فيها عن الوضع المأساوي للمعتقلين السياسيين ضحايا سنوات الرصاص.

تراث مغربي

ضمن رسائل شكري، وقفت “العرب” على رسالة تعود إلى شهر يناير من سنة 1981، قادمة من فرنسا، بخط وتوقيع الروائي المغربي الطاهر بن جلون، يقترح فيها على شكري تغيير عنوان النسخة العربية لروايته السيرية “الخبز الحافي”، بعدما اقترح شكري على الطاهر بن جلون ترجمة العنوان الفرنسي Le pain nu بعبارة “من أجل الخبز وحده”، فكان الطاهر بن جلون هو صاحب عنوان “الخبز الحافي”، كما يؤكد بن جلون ذلك، في لقاء مع “العرب” دائما.

واليوم، بعدما تمّ الإعلان عن تأسيس مؤسسة محمد شكري، في صيف السنة الماضية بمدينة طنجة، دون أن تظهر إلى الوجود، حيث لا تزال تضمّ أعضاء دون أن تضمّ تراث شكري، وحلمه في وجود مؤسسة تحمل اسمه وتحوي إرثه وفنه وعلمه، وبعد احتفاء المغاربة بمرور عشر سنوات على رحيل صاحب “الخبز الحافي”، ورائد الرواية الشطارية في العالم العربي، والكاتب الأكثر جرأة وإثارة للجدل والمداد والبلاد والعباد…، رغم ذلك، فإن كل تراث شكري المشار إليه، إلى جانب لوحة نادرة للتشكيلي المغربي الراحل محمد الدريسي، ولوحة زيتية لقائد ثورة الريف محمد بن عبدالكريم الخطابي، كل ذلك لا يزال بحوزة ورثة شكري، حيث لم يقنعهم أيّ مسؤول عن أدب وثقافة المغرب المعاصر بأن يصبح الإرث الماديّ لمحمد شكري تراثا مشتركا لجميع المغاربة.

14