محمد صالح البحر: المبدعون أسماك ضالة والقارئ صيّاد

الثلاثاء 2014/12/09
محمد صالح البحر: حركة الأدب والإبداع تتأثر وجوبا بزلزال السياسة الهادر

تونس - “موت وردة” و”أزمنة الآخرين” و”ثلاث خطوات باتجاه السماء” و”حقيبة الرسول”، روايات تجسم أحلام المواطن المصري، وتحاول الخروج من الكوابيس التي أرّقت مضجعه، سرد استطاع من خلاله محمد صالح البحر أن يرمز إلى الأشياء برقة أحيانا وبعنف أحيانا أخرى. “العرب” حاورت البحر حول روايته الجديدة “نصف مسافة”، ودور المثقف اليوم في خضم هذه التحولات التي نعيشها في عالمنا العربي، فكان الحوار التالي.

محمد صالح البحر روائي مصري نقل نبض الشارع وآمال المحرومين والمقهورين عبر أعمال إبداعية سلطت الضوء، في مجملها، على تفاصيل دقيقة، ربما تناساه البعض.

في مفتتح حديثه يقول البحر عن روايته الجديدة “نصف مسافة”: «لو أردت أن تعرف الفكرة التي كانت تشغلني أثناء كتابة الرواية، فإنني أستطيع القول بأن فكرة التحقق هي التي كانت مسيطرة، ومدى احتياج الإنسان لها، ومدى قدرته على الوصول إليها، إنها تشكل بالنسبة إليّ مفتاح الوجود في هذا العالم، وسرّه الذي يجب على الإنسان سبر أغواره الموغلة في العمق والتخفي، وهنا، عند هذه النقطة بالذات، سيكتشف الإنسان حجم التناقضات التي تغرقه، وأنه واقع دوما في تلك المساحة الشاغرة بين تناقضاته الداخلية وتناقضات الواقع من حوله، مما يجعل كل خطواته في هذا الوجود أنصاف مسافات غير قابلة للاكتمال».


المثقف الحقيقي


عن الوضع الأمني في مصر هذه الأيام، وعدم استقراره وتأثيره على الميدان الأدبي والإبداعي، يشير البحر إلى أنه ومنذ قيام ثورة 25 يناير، انشغل الشعب المصري بكل مكوناته وفئاته ونُخبه بالهمّ السياسي، منصرفا عن كل الأشياء الأخرى، بما فيها الثقافة والإبداع، ثمة مطبات سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة أوجعت المجتمع، ورجرجت تلك المساحة الفارغة من وعيه، التي كان يشغلها بمتابعة الثقافة والفن والكرة، إنه لم يعد يمتلك ذلك الاستقرار النفسي الذي يؤهله لممارستها.

علينا أن نؤمن بأن زمن الخطابة قد ولى وأننا نعيش في زمن يستخدم فيه الناس عقولهم لتصحيح مساراتهم الحياتية

يقول موضّحا: «لذا كان من الطبيعي أن تتأثر حركة الأدب والإبداع بذلك الزلزال الهادر، لكنني لست قلقا من ذلك على الإطلاق، فالزلزال السياسي الدائر، الذي تتكشف فيه التناقضات وتسقط فيه الأقنعة، كفيل بأن يصنع تراكماته من الوعي اللازم للانطلاق من جديد، فالوعي السياسي أهمّ مرتكزات الثقافة المنتجة للإبداع».

وعن دور المثقف في محاربة الإرهاب، يبيّن: «لا يصح للمثقف أن ينظر إلى ظاهر الأشياء دون مسبباتها، نظرة المثقف نظرة عميقة، تحاول اكتشاف قاع البحر ولا تكتفي بمتابعة أمواجه المتلاطمة؛ فالإرهاب وليد الجهل في الأساس، ثم تأتي عوامل الفقر والظلم والخوف وافتقاد الأمل في غد مناسب، وغيرها من الأوجاع والأحزان التي يعاني منها عالمنا الثالث، لتزيد من عمق المشكلة، وتشكل رسوخها في منطقة كانت ذات تاريخ ما منارة للعالم كله».

ويضيف قائلا: «لذا فالمثقف الحقيقي ينظر إلى مشكلة الجهل بأنها مصدر الإرهاب، فيدعو إلى الحرية وإصلاح منظومة التعليم والاهتمام بالثقافة، عن نفسي أؤمن بأهمية أن يكون للمثقف دور إيجابي في الشارع الآن، بل إن ذلك يُعدّ من قبيل الواجب والفرض الذي يصبح التخلي عنه، أو التقصير فيه، أو الانحراف به، جريمة أخلاقية يجب أن يحاسب عليها المثقف، مهما اتصف الشارع بالضبابية، وحتى إذا بلغ عدم الوعي حدّ التخلف، لأنهما -الضبابية والتخلف- يشكلان الضرورة التي تُوجب على المثقف النزول إلى الشارع كي يحاول دحضهما، لإنارة الطريق أمام الناس».

الكثيرون يرون أن ثورة الثلاثين من يونيو لم تحقق أهدافها إلى الآن، فما هو رأي البحر في هذا الموضوع؟، يجيب قائلا: «الثورات التي لا تُحدث التغيير المرجوّ منها لا يعوّل عليها كثيرا، وربما بتنا في أوطاننا العربية بحاجة ماسة إلى مراجعة مفاهيمنا الخاصة بالمصطلحات، خصوصا إذا كانت تتعلق بوجودنا في حركة التاريخ، علينا أن نؤمن بأن زمن الخطابة قد ولّى، وأننا نعيش في زمن يستخدم فيه الناس عقولهم لتصحيح مساراتهم الحياتية على الدوام، حيث لا شيء ثابت».

الكاتب يتناول المساحة الشاغرة بين تناقضات الانسان الداخلية وتناقضات الواقع من حوله

كثير من الأدباء المصريين ركزوا على المواضيع ذاتها في السنوات الأخيرة، ألا ترى أن هذا اجترار لذات الأحداث؟، في هذا الشأن يقول البحر: «الحركة الثقافية في مصر تعاني من مشاكل ضخمة منذ بداية القرن العشرين، وتحديدا بعد اكتمال بروز جيل التسعينات على ساحتها، والذي تجلى تميزه الأكبر في السرد، سواء الرواية أو القصة، وهو الأمر الذي شكل تهديدا مباشرا للأجيال السابقة، أو هكذا تمت رؤيتهم له، وخصوصا جيل الستينات الذي كان معظم أبنائه قد تمكنوا من القبض على مقاليد الحياة الثقافية، من مناصب وإعلام واتحاد كتاب ومسابقات أدبية وغير ذلك، وشكلوا مراكز قوى تمنع وتهب، فراحوا يعملون على تفتيت هذا الجيل من أجل استمرار بقائهم، كقيادات ومبدعين».

ويواصل تحليله للظاهرة: «ومن بين أهم الأساليب التي تمّ استخدامها منذ ذلك الوقت، أسلوب الموضات الإبداعية، يعني إطلاق تصنيف إبداعي ما كل فترة؛ مثل كتابات الجسد، الأدب النسوي، جيل الألفية الجديدة، القصة القصيرة جدا، وغيرها من التصنيفات، ويتمّ الترويج له بكافة الوسائل، فتلهث من خلفه أقلام كثيرة، وكأنه سرّ النجاح ومفتاح الوصول، وتتشابه كل الكتابات في جريها وراءه”.


الإبداع ليس اختيارا


في الوطن العربي لاحظنا تحوّل الشعراء إلى كتابة الرواية، فهل هذا ممكن، وما هي الشروط؟، في هذه المسألة يقول البحر: «أناأسميهم المستقطَبين، فالإبداع ليس اختيارا نسعى إليه بل قدر يسعى إلينا، وقلب عاشق ينصب الفخاخ الدائمة لتصيُّد مشاعرنا، المبدعون أسماك ضالة في عمق البحر تنتظر صيادها وتختاره، في أحيان كثيرة.

أشعر أن الرواية هي التي تكتبني ولست أنا مَن يكتبها، لذلك لا ألتفت إلى المستقطَبين فسوف يُفلتهم الصياد/ الإبداع/ الرواية، ولن يموتوا في الهواء الطلق على شاطئ الحياة الحقيقية لمعاناة الإبداع، لأنها حياة كاملة تستغرق عمر المبدع كله، وليست فرصة للظهور أو اكتساب المغانم السريعة الجاهزة». مصر، بتاريخها وحضارتها، هل تعيش اليوم تراجعا في الريادة التي كانت تعرف بها في بداية القرن الماضي؟، هنا يقول البحر: «نستطيع أن نقول ذلك بكل أسف، فالتبعية السياسية والاقتصادية التي ألقانا السادات في بحورها المتلاطمة، ثم ثلاثون عاما من الإفلاس العام في ظل مبارك، كفيلان بإنضاب معين أيّ إناء، وليس إثرائه، لقد تمّ تدمير المرتكزات الأساسية لبناء المجتمع؛ الحرية، التعليم، الصحة والمستوى الاقتصادي، فبات المجتمع فقيرا ومريضا وجاهلا ومقيّدا، فكان من الطبيعي أن يفقد توازنه وليس ريادته فقط».

وعن الوسائل التي بإمكانها تحقيق تقدّم دائم لأمتنا العربية، يختم البحر الحوار: «المرتكزات الأساسية السابقة، الحرية والتعليم والصحة والمستوى الاقتصادي، هي لازمة لا بديل عنها لبناء أيّ مجتمع سويّ وقادر على النمو والتطور والتقدم، إنها البذور التي تنبت الشجر، إذا لم تلقها في الأرض فكيف تنتظر الثمار، وهي أسس تنمو إلى جوار بعضها البعض، لا يصح اجتزاؤها، ولا الاقتطاع منها، أو إسقاط بعضها والاكتفاء بالبعض الآخر، بل يجب أن تسير إلى جوار بعضها بخطى متوازية ومتساوية». وعن موقفه من الثورات العربية، يؤكد البحر أن الثورات العربية حلم ما زال يراود شعوبها النائمة، إنه الآن يؤرق مضجعها، وقد أوشك أن يوقظها.

15