محمد صالح البحر: الوضع الثقافي المصري صار بائسا إلى أقصى حد

الثلاثاء 2014/07/15
الكتابة هي البديل الوحيد عن الحياة التي لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع

القاهرة- محمد صالح البحر روائي مصري، من أعماله “أزمنة الآخرين” و”ثلاث خطوات باتجاه السماء” و”موت وردة” و”حقيبة الرسول”. حصل البحر على عدد من الجوائز العربية والمحلية من أهمها جائزة الشارقة للإبداع العربي وجائزة “فلسطين الدولية”.

صدرت له رواية جديدة بعنوان “نصف مسافة” عن “الدار المصرية اللبنانية”، بالقاهرة. عن روايته الجديدة وأعماله الأدبية الحالية والوضع الثقافي المصري الراهن وغيرها من القضايا، كان لنا مع محمد صالح البحر الحوار التالي.

يتحدث محمد صالح البحر عن روايته الجديدة “نصف مسافة” قائلا: «الأحداث المتأججة لثورة الخامس والعشرين من يناير، وقد بلغت ذروتها في اليوم الثامن عشر، تبدو كخلفية سياسية تغلف أحداث الرواية، وتلقي بتأثيراتها على سلوك الشخصيات، بحيث تضعنا أمام مجموعة متعددة من الأنماط الاجتماعية التي تمثلها شخصيات الرواية».

ويستطرد البحر قائلا: «والد سعاد (شيخ القبيلة الصعيدية) في الرواية يجمع كل أفراد قبيلته لردع المتظاهرين في الميدان، وهو يرى نفسه الأحق بالسيادة الأبدية على المكان، والرجل القعيد يقف حجر عثرة في طريق اكتمال حالة العشق بين الجندي والسيدة أمل، وهو يستدر عطفها بعجزه لتظل حبيسته إلى النهاية التي لا يُدرك حتمية وقوعها، وممدوح الشخصية المتوهمة كمعادل موضوعي لرغبة التمرد، وبينما تبدو سعاد بعشق قديم ينضوي تحت لواء المألوف ويخضع له، تلوح السيدة أمل بعشقها طواعية في نداء لا يكف عن محاولة التحقق، ويتوافق مع الرغبات الداخلية للجندي».

ويؤكد البحر أن أحداث الرواية تجري في أجواء تُغلفها أسطورة شتاء جاثم تليد، وأسطورة طائر رسمها الجندي على الأرض، ثم سرعان ما نبت له جناحان عظيمان، حيث يبدأ الجندي رحلة عودته إلى المدينة الخارجة التي يهفو إليها، رحلة يسيطر عليها التشويق.


طقوس الكتابة


الأحداث المتأججة لثورة الخامس والعشرين من يناير تبدو كخلفية سياسية تغلف أحداث (نصف مسافة)

عن تحوله من كتابة القصة القصيرة إلى الرواية يؤكد البحر أنه لم يتحول أبدا، لكن للرواية سحر خاص لا يمكن مقاومته، ومن الطبيعي أن يبدأ السارد بكتابة القصة القصيرة، ثم يغامر بكتابة الرواية عندما يشعر بامتلاكه لأدواتها كاملة، ثم يخضع الأمر من بعد ذلك إلى ذائقة الكاتب، وطبيعته النفسية، ومنهجية تفكيره، ورؤيته لذاته وللعالم من حوله، ويضيف: «الرؤية الشاملة رؤية روائية، لها سحرها الخاص الذي لا يمكن الفكاك من غرفه التي يُفضي بعضها إلى بعض بلا نهاية أو حدود، لكنني كل حين أحن إلى كتابة القصة القصيرة، وأفعلها».

وعمّا تمثله الكتابة بالنسبة إليه يقول البحر: «الكتابة هي البديل الوحيد عن الحياة التي لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، وأسباب الكتابة تتعدد عند كل مبدع، وتتشابك بداخلها لدرجة لا يستطيع معها أن يضع يده على سبب واحد، وحين يُعييه البحث يتناسى أسباب الكتابة لتصبح هي البطل الوحيد والمطلق بداخله، والمحرك الأساس لكل شعور يُصيبه، أو رصد يتأمله، وبالنسبة إليّ أكتب لأن الكتابة هي الخلاص الوحيد من قبح هذا العالم، وربما أكتب لكي أتحقق، أو أحقق فرحة ذاتي كما كان يقول يحيى الطاهر عبدالله، وربما لأنني لا أجيد فعل شيء آخر غير أن أحمل رسالات كل الأنبياء والمفكرين والحالمين فوق كاهلي، متحملا عبء تأكيدها بداخلي، وتبليغها للناس والعالم من حولي».

أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير تبدو كخلفية سياسية تغلف أحداث الرواية

وعن طقوسه في الكتابة يقول «طقسي الوحيد في الكتابة هو انتظارها حتى تأتي، تظل الفكرة تعبث بداخلي أمدا فأتحاشاها حتى تنضج، عندها تقوم هي بفرض نفسها عليّ، وتجبرني على إمساك القلم والورقة، وعندها لا بد للعالم من حولي أن يصمت تماما حتى أنتهي».


ميكانيكا العمل


يشير البحر إلى أن الذين يحرصون على كثرة الإنتاج يغفلون أن الإبداع لا يخضع إلى ميكانيكا العمل، فالإبداع ليس آلة كلما اشتغل عليها المبدع أنتج أكثر من غيره، الإبداع قيمة فكرية في الأساس، إذا لم يتكئ عليها المبدع فقد قيمته وإبداعه، كثرة الإنتاج كفيلة بإنضاب معين أي مبدع، لذلك لا يمكن أن تكون معيارا للإبداع، ولا دليلا على قيمته ومكانته، بل إنها في تجارب كثيرة دليل استنزاف وجفاف، وحرص على التواجد الإعلامي بأية صورة، حتى لو كانت مشوهة، أو تتكئ على تاريخ قديم لا يؤيده الواقع الآني، على المبدع أن يعي تماما بأن الإبداع صيد، وأن السمكة التي لا تُشبع لا يمكن اعتبارها غنيمة بأيّ حال من الأحوال.

ويشدّد البحر على أن الإبداع في العالم العربي يسبقنا الآن بخطوات لا بأس بها، ففي ظل انشغال الواقع الثقافي المصري بمصالحه الشخصية الضيقة، وفي ظل الفقر الاقتصادي، خطف العالم العربي الريادة الثقافية، وسبقنا على مستوى العمل الثقافي وعلى مستوى الإبداع أيضا، فالدول العربية تعج الآن بالكثير من الدوريات الثقافية المتميزة، والجوائز الكبرى التي تمتلك مصداقية كبيرة، والمؤتمرات الفاعلة بحق، إن الثقافة في الدول العربية تنعم باهتمام الأنظمة والمؤسسات العلمية والاقتصادية بعكسنا تماما، وقد أهلها ذلك إلى امتلاك كوادر إبداعية ذات قامات كبيرة أيضا على مستوى النقد والإبداع، خصوصا الشعر والقصة القصيرة.

ويوضح البحر أن هناك ثلاثة أركان لأي وضع ثقافي في أي مجتمع، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة المجتمع الاقتصادية، هي المؤسسة الرسمية (وزارة الثقافة وهيئاتها) والمؤسسة النقابية (اتحاد الكتاب) والعمل الأهلي، فوزارة الثقافة تعاني من ترهل لا يبدو أن محاولات إصلاحه سوف تنجح في القريب العاجل.

تظل الفكرة تعبث بداخلي أمدا فأتحاشاها حتى تنضج، عندها تقوم هي بفرض نفسها عليّ

يقول البحر: «على المستوى الإداري تعج الوزارة وهيئاتها بحشد هائل من الموظفين غير المؤهلين للعمل الثقافي، وكثير منهم لا يؤمنون بالعمل الذي يقومون به من الأساس، ومثلهم أيضا هناك كم كبير جدا من القيادات غير المؤهلة، وغير المؤمنة، وعلى المستوى الفني تعاني من الشللية وغلبة المصالح الشخصية على المصلحة العامة، كما تعاني من التكلس الإداري ولا تدع مساحة للإبداع، وزارة الثقافة وزارة فنية لا يجب أن تخضع لمفهوم الأقدمية الوظيفية، أما اتحاد الكتاب فلا يختلف أمره كثيرا، وتبعيته المالية للوزارة تحدّ كثيرا من دوره المنوط به».

يرى البحر أنه وفي ظل غياب المعايير الواضحة لمفهوم المثقف والمبدع، امتلأ الاتحاد بأعضاء يشبهون كثيرا موظفي وزارة الثقافة، وفي الناحية الأخرى يبدو العمل الثقافي الأهلي باهتا إلى أقصى مدى بسبب قصر ذات اليد، واعتماده أيضا على مفهوم الشللية بحجة التوافق الفكري، لذا يمكننا القول إن الوضع الثقافي المصري بائس إلى أقصى مدى، وطالما ظل هناك مبدعون جيدون في الظل، بينما يجلس تحت الأضواء الغوغائيون وأنصاف المبدعين، فسيظل الوضع على بؤسه وشقائه التليد، دون أن يعلم الجميع أن الخاسر الوحيد هو الوطن، الذي سيظل تحت هذا الوضع مفتقدا للكلمة الصادقة، والرؤية الشاملة، والضمير الحي.

يشير البحر إلى أن دور المثقف المصري هو إنارة الطريق، فالشوارع أصبحت مظلمة إلى حدّ لا يطاق، والناس بحاجة ماسة إلى من ينيرها لهم، ولا أحد يستطيع أن يفعل ذلك بضمير واع إلا المثقف، لذا لا بدّ أن يكون للمثقف دوره الإيجابي في الشارع، بل إن ذلك يُعدّ من قبيل الواجب والفرض الذي يصبح التخلي عنه، أو الانحراف به، جريمة أخلاقية يجب أن يحاسب عليها المثقف، مهما اتصف الشارع بالضبابية، وحتى إذا بلغ عدم الوعي حدّ التخلف، لأنهما -الضبابية والتخلف- يشكلان الضرورة التي تُوجب على المثقف النزول إلى الشارع لمحاولة تفتيتهما ودحضهما.

15