محمد صالح التامك: الإسلاميون في المغرب يسيّسون أحكام القضاء

المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج يتمتع بقوّة مكتسبة في التعامل مع المواقف الصعبة وبشخصيته التي تمزج بين الخبرة السياسية والأكاديمية العميقة.
الخميس 2021/07/22
رجل لا يقبل المساومة

ليس سهلا أن تتحمل مسؤولية تأمين منشآت تمسّ المجتمع والدولة وقوانينها وتدبيرها وإدارتها دون أن تتعرض للمضايقات والإغراءات بكل تنويعاتها، فضلاً عن الأحكام المسبقة، كما أنه سيكون من الصعب تجاوز الميول السياسية عند اتخاذ الإجراءات والقرارات الإدارية الصعبة التي تتطلّبها مسؤوليات المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، في إحداث تغيير حقيقي سواء على مستوى طرق التدبير أو استباق الأحداث ومخاطبة الآخر بخصوص وضعية السجون والسجناء.

من يتصدى لتلك المهمة الشاقة في المغرب منذ العام 2013 هو محمد صالح التامك المطّلع على كواليس السياسة والاقتصاد ببلده، ومن موقعه، يدين بشدة ما يسميها بالهواية السياسية التي تشبه التعامل مع السياسة كترفيه، داعياً إلى تسليح المواطنين ذوي النوايا الحسنة بكل المعطيات والمعلومات حتى يكونوا بمنأى عن شبكة العنكبوت التي تتصيد الحالمين لخدمة مصالح أجندات ليست بالضرورة تصبّ في مصلحة مستقبل الوطن وأمنه واستقراره، وما أكثرها.

رسائل غير مشفرة

◘ التامك يصرّ على الخوض في كل الملفات، حتى وإن كانت شائكة، فهو ابن البيئة الصحراوية التي خبر كل ما يحيط بها من مخاطر وتحديات، ومسؤولياته الكثيرة صقلت مواهبه في الخطاب والممارسة الميدانية

شخصية التامك المولود في العام 1953 بأسا الزاك جنوب المغرب، معجونة بالخبرة السياسية والأكاديمية العميقة، فهو حائز على درجة الدكتوراه في تحليل الخطاب، إلى جانب قوّة مكتسبة في قراءة النفوس والتعامل مع الشخصيات المختلفة والمواقف الصعبة، وقد فاجأ الجميع وألهم الكثيرين عندما انغمس في الرد على من يرى أنه لا يتحلى بمقومات الوطنية من الأشخاص أو المؤسسات.

هناك من قال إن على التامك الالتزام بواجب التحفظ، وعدم الاشتباك مع قضايا تهم الحقوق والسياسة بحكم موقعه، لكن نظرته إلى الأمور مغايرة عندما يربط حديثه بصفته مواطناً غيوراً على سمعة بلده يرى تربص الأعداء به. لكن التامك يصرّ على الخوض في كل الملفات حتى وإن كانت شائكة، فهو ابن البيئة الصحراوية التي خبر كل ما يحيط بها من مخاطر وتحديات، ومسؤولياته الكثيرة صقلت مواهبه في الخطاب والممارسة الميدانية، فقد شغل منصب محافظ على إقليم شيشاوة نهاية التسعينات، قبل أن يعين سفيرا للمغرب بالنرويج سنة 2003، ليعود سنتين بعد ذلك واليا على جهة وادي الذهب لكويرة وعامل إقليم وادي الذهب سنة 2005 بالأقاليم الجنوبية.

وعندما خرج نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، قبل أيام معلقا على قرار أصدرته محكمة مغربية بحق الصحافي سليمان الريسوني بتهم الاغتصاب، زاعماً أن هناك انتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة، ومشيراً إلى أن المسار القضائي الذي قاد إلى الحكم يتعارض مع الوعود الأساسية في ما أسماه بمحاكمات عادلة للأفراد المتهمين بجرائم، كان خطاب التامك صارما، فانتقد جرأة الأميركي على حشر أنفه في قضية جنائية مغربية صرفة منظورة أمام القضاء تخص مواطنا مغربيا، متسائلا ”هل الأميركيون الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي ذكورا كانوا أم إناثا هم أعلى شأنا وأكثر آدمية من نظرائهم المغاربة؟”.

المملكة المغربية دولة ذات سيادة تتمتع بسلطة قضائية يكفل الدستور استقلاليتها، ولهذا تمنى التامك أن يكون تصريح المتحدث الأميركي ”نوتة نشاز“، وإلا فإن مجازفته هذه لا تبشر بالخير بالنسبة إلى مستقبل العلاقات الأميركية – المغربية، كما قال، فالنظام القضائي المغربي ناضج بما يكفي للبتّ بحرية في القضايا المعروضة عليه، دون تلقي دروس من بلدان أخرى تطالب بصخب باستقلال القضاء، وذلك مع الدفاع عن الحق في محاكمة عادلة لأيّ شخص سواء في المغرب أو في أيّ مكان آخر.

 وفي ما يخص حالات المضربين عن الطعام في السجون، يرى التامك أن كل من يأكل العسل والتمر ويستهلك المشروبات المنشطة وبعض الأدوية المقوية للجسم كمكملات الفيتامينات المعروفة باسم بيروكا وسوبرادين، لا يعدّ مضربا عن الطعام، كما في حالة الريسوني، وهذا دفاع التامك أمام كل من يدّعي عكس ذلك، كونه المراقب الأعلى لما يقع داخل سجون المملكة.

تطوير وإصلاح

◘ البعض يرى أن على التامك الالتزام بواجب التحفظ وعدم الاشتباك مع قضايا تهم الحقوق والسياسة بحكم موقعه. لكن نظرته إلى الأمور مغايرة عندما يربط حديثه بصفته مواطناً غيوراً على سمعة بلده يرى تربص الأعداء به

كان التامك، ذاته، ضمن المعتقلين الصحراويين المرتبطين، حسب الاتهام، بدعم جبهة البوليساريو، في سبعينات القرن الماضي، بسجن سيدي سعيد بمكناس الذي كان شبه عسكري، عندما لم يكن بمعية المعتقلين الآخرين يتوصل بالجرائد ولا الكتب، ولم يكن يتوفر على المذياع إلا خلسة، أما الهاتف والتلفزيون فكانا حلما بعيد المنال، في حين أن التغذية كانت سيئة، منها خبز يحمل في أغطية لم تنظف من عهد الاستعمار، وبالمقارنة فالسجين الآن وتحت ادارة التامك يحصل على تغذية متوازنة ومهيأة في ظروف صحية، ويتمتع بمشاهدة التلفاز والاستماع إلى الراديو علاوة على كل الحقوق التي يضمنها القانون.

التجربة الذاتية التي مر بها التامك، داخل السجن، جعلت منه شخصا يحمل فكرة إصلاح الفضاءات السجنية التي يديرها منذ سنوات، رغم تطورها عما كانت عليه إلا أنها في عهده اتخذت نموذجا أكثر تأهيلا يتعلق بالعنصر البشري العامل في السجون وتطوير برامج التكوين الأساسي، في موازاة مع تأهيل البنية التحتية للمؤسسات السجنية وزيادة الطاقة الإيوائية، وبالنسبة إلى السجناء فهناك توجه من عمق الدولة بضرورة ضمان حقوقهم وصون كرامتهم اللتين يضمنهما دستور المملكة باعتبارهم مواطنين كغيرهم، وبتمكينهم مما يلزم من برامج إصلاحية تهيئهم لإعادة الإدماج في المجتمع.

وأقرت لجنة مكونة من عدد من النواب البرلمانيين أنه، وعلى الرغم من بعض السلبيات مثل الاكتظاظ وعدم النظافة في بعض السجون التي تعرفها السجون عادة، إلا أن تدبير المؤسسات السجنية عموما يُبذل بشأنه مجهود كبير، ويعرف تطورا مقدرا سواء من حيث الاعتمادات المرصودة له، أو من حيث مقاربة التعامل مع السجناء والمؤسسات السجنية وطبيعة الإشكاليات البنيوية التي يعرفها القطاع.

وبالنسبة إلى ما يهم السجناء يرى كل من شتافان تيداكس الأخصائي في علم النفس في قسم الإيداع في سجن موآبيت وميخائيل فايزا مدير قسم الخدمات السجنية العامة في سجن تيجل التابعين للمؤسسة الألمانية للتعاون القانوني الدولي، في شهادتهما أنه لم يعد التركيز مقتصراً على مسألة حرمان السجناء من الحرية من أجل حماية المجتمع، بل على مسألة الحفاظ على الإيواء اللائق والإنساني للسجناء وإعادة إدماجهم وتأهيلهم، حيث تسعى المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى تأسيس نمط عصري وصورة جديدة للمؤسسات السجنية وذلك عن طريق تكثيف الدور التعليمي والتربوي وإبرازه.

وقد يذهب التامك الى آخر مدى في النقاش، لكنه لا يقبل المساومة أو ليّ الذراع بأيّ اسلوب، ففي آخر اجتماع للجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس النواب، قال إن مؤسسته وزعت هواتف محمولة على زنازين سجن ورزازات بعد منع الزيارة، وذلك لتمكين السجناء من التواصل مع عائلاتهم، لكنّ بعض السجناء استغلوا توزيع الهواتف المحمولة عليهم، وزعموا تعرضهم للتعذيب، حيث كشف التحقيق الذي أجرته المندوبية أن السجناء ظنوا أنهم بادعاءاتهم تلك سينالون العفو الملكي، وهذا ما لم يقبله التامك بالطبع، فالحقوق غير مجزأة.

ويبدو أن علاقة غير ودية جمعت بين نواب حزب العدالة والتنمية والتامك، حيث اتهم فريق الحزب المندوب العام للسجون بأنه افتقد إلى اللياقة والاحترام الواجب للبرلمان والبرلمانيين، وأنهم ماضون في أداء مهامّهم الدستورية، ولن تثنيهم أبدا أساليب القذف والتعريض واتهام النوايا واختلاق الصراعات الوهمية، فيما قالت آمنة ماء العينين، النائبة عن نفس الحزب، أن على التامك ”مراجعة أسلوبه ومنهجيته لأننا لسنا في حلبة صراع يبحث فيها كل طرف عن توجيه الضربات للطرف الآخر” على حد قولها.

ابتزاز الإسلاميين

◘ رؤية التامك ترتكز على عدم تسييس حقوق الإنسان، خصوصا وأن هناك من يتبنون الدفاع عن تلك الحقوق دون عناء الاطلاع ومعرفة عمّ يتحدثون

قضية الخلاف تدور حول وضعية الصحافيّين المعتقَلين الريسوني، سالف الذكر، وعمر الراضي، حيث يصف التامك أعضاء فريق حزب العدالة والتنمية بأنهم يحاولون الركوب على ما يعتبرونه ملفا حقوقيا واستثماره من أجل تحقيق أهداف ضيقة، متهما إياهم باللجوء إلى إرسال الأسئلة وتسريبها في الوقت نفسه، مع الإصرار على إضافة أصواتهم إلى أصوات أخرى تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وتطالب بإطلاق سراح السجينين، في تجاهل تام لاستقلالية القضاء ولحقوق الأطراف الأخرى في القضيتين، متسائلاً ”أليس هذا تحيزا صارخا وغير مبرر لشرذمة من المتطرفين الإسلاميين واليساريين همّهم الواحد والأوحد هو خلق البلبلة والجلبة، وذلك على حساب الغالبية العظمى الصامتة من المغاربة؟”.

التامك يتبع المساطر القضائية النموذجية، فبالنسبة إليه يعتبر الراضي والريسوني معتقلي حق عام بتهمة الاغتصاب وليس لأنهما صاحبا رأي، وهنا لا يتسامح مع من يقفز على ملف قضائي مفتوح من طرف قضاء مستقل، والدوس على حقوق ضحايا مفترضين للمذكورين، والإخلال بالمنطق الحقوقي السليم الذي يقتضي الاطّلاع على كافة الحيثيات والمعطيات قبل اتخاذ أيّ موقف، سواء بالإعلان عن التضامن معهما أو المطالبة بإطلاق سراحهما أو غير ذلك.

من جانبها ترى الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي، المثيرة للجدل، أن التامك وبدل انشغاله بتحسين أوضاع السجون والعمل على احترام حقوق السجناء المنصوص عليها في المواثيق الدولية للحقوق والحريات بات يمارس مهام أخرى بعيدة كل البعد عن المنصب الذي يشغله على رأس مندوبية السجون وإعادة الإدماج، فظروف الاعتقال الصعبة والاستثنائية التي تكبّد معاناتها لسنوات، جعلت منه شخصية لا تقبل كل من يتطوع لإعطائه دروسا في النضال أو في الفلسفة الإنسية أو في يقظة الضمير. بينما تسعى العديد من الجهات، ومنها بالأخص أفراد عائلات المعنيين وعشيرتهما السياسية، إلى إضفاء طابع حقوقي على قضيتهما، كمحاولة بذلك طمس الحقائق والتحايل باسم النضال الحقوقي على شخصيات ومنظمات أجنبية، وهذه حيلة انطلت على الكثيرين ومنهم واتربوري وغيره كما يصرح بذلك التامك.

التامك، حسب الفاعل الحقوقي والمحامي محمد الهيني معروف بصراحته المعهودة ومواقفه الوطنية الصادقة على بعض الأصوات النشار التي أبت إلا أن تعاكس كل ما هو جميل في هذا الوطن ولو بإشاعة الكذب وتلفيق الدلائل وقلب الحقائق بجعل المتهم ضحية والضحية متهما، واعتبار جرائم الحق العام حرية تعبير، وتبرير ما لا يبرر تحت يافطة اُنصر أخاك ظالما آو مظلوما.

أخيراً فإن رؤية التامك ترتكز على عدم تسييس حقوق الانسان، خصوصا وأن هناك من يتبنون الدفاع عن تلك الحقوق دون عناء الاطلاع ومعرفة عمّ يتحدثون، وهؤلاء يصنفهم ضمن المشوشين الذين يخدمون أجندات انفصالية عندما يلحّون على خلق آلية تكون من اختصاص بعثة الأمم المتحدة المينورسو للاستفتاء في الصحراء المغربية، رغم معرفتهم تمام المعرفة أن الجزائر وصنيعتها لا تسمحان حتى بحق إحصاء سكان مخيمات تندوف، فما بالك بمراقبة حقوق الإنسان في مكان لا تراعى فيه حتى حرمة الحيوان.

تعليق نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، قبل أيام على قرار المحكمة المغربية بحق الصحافي سليمان الريسوني بتهم الاغتصاب، رد عليه التامك بحسم، منتقداً جرأة الأميركي على حشر أنفه في قضية جنائية مغربية صرفة منظورة أمام القضاء تخص مواطنا مغربيا
تعليق نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، قبل أيام على قرار المحكمة المغربية بحق الصحافي سليمان الريسوني بتهم الاغتصاب، رد عليه التامك بحسم، منتقداً جرأة الأميركي على حشر أنفه في قضية جنائية مغربية صرفة منظورة أمام القضاء تخص مواطنا مغربيا

 

12