محمد صبحي اﻷول دوﻣﺎ ﻋﻠﻰ دﻓﻌﺘﻪ ﻓﻲ اﻟﻔﻦ واﻟﺤﻴﺎة

السبت 2014/05/03
صبحي المشخصاتي المواطن والسياسي

القاهرة ـ حين تخرّج محمد صبحي أولاً على دفعته في معهد التمثيل، لم يستغرب أحد، ولم يشعر زملاؤه بالغيرة منه، لأنهم يعرفون أن صبحي هو الأكثر جدارة والأكثر قدرة على تقمص الشخصيات.

محمد صبحي، ليس مجرد فنان شامل، جمع في تفرد نادر بين التمثيل والإخراج المسرحي والتليفزيوني، وقدم عدداً من أهم المسرحيات الكوميدية والمسلسلات التليفزيونية العربية على مدار ما يزيد عن 30 عاماً، لكنه مؤسسة فنية قائمة بذاتها، ومدرسة حقيقية تخرج من خلالها مئات الفنانين، سواء ممن شاركوا معه في بطولة أعماله الفنية وفرقته المسرحية، أو من درسوا بالفعل في الأكاديمية الفنية التي انشأها في قلب صحراء مدينة 6 أكتوبر فى غرب القاهرة، ضمن حلمه الذي قدمه في مسلسل “سنبل ورحلة المليون”، وتحول إلى حقيقة من خلال مدينة سنبل للفنون.

عن مدينة سنبل للفنون والزهور.. قال صبحي لـ”العرب”: عندما قدمت المسلسل التليفزيوني الشهير “سنبل بعد الميلون” عام 1987 ، كنت أنادي وأدعو فيه الناس للخروج من المدن الكبيرة ومن العاصمة، واقتحام الصحراء، لأن حل مشكلة مصر السكانية والزراعية والاقتصادية هي التوسع نحو الصحراء، وهو أيضا هدف للأمن القومي المصري، فنحن لا نشغل إلا 4 بالمئة من مساحة مصر.

وتابع: لقد ناقش المسلسل العقبات والعوائق التي يواجهها المواطن ليمتلك أرضا في الصحراء، فكان من نتائج هذا المسلسل بعد مشاهدته، أن أمر الرئيس الأسبق حسني مبارك بإلغاء 17 موافقة وقانونا كانت تعيق وتمنع أي مصري أن يمتلك الصحراء، بذلك أصبح سنبل رمزا لاقتحام الصحراء.

وأضاف الفنان الحالم: عندما فكرت في بناء مسرح وصرح فني وثقافي، فجأة فكرت كيف أكون قدوة قولاً وفعلاً لشباب كثير آمن بي وبأعمالي الفنية، فاتخذت قراراً – وأنا أذهب لأبني وسط القاهرة – أن يكون تحقيق حلمي هذا في الصحراء وفعلاً اقتحمت الصحراء، واشتريت 60 فدانا من جمعية ثم تعاقدت مع وزارة الزراعة بالشراء بعقد نهائي مسجلً، وكان ذلك في عام 1994 وتمت الموافقة على إنشاء “مدينه سنبل للفنون والزهور”.

يذكر أن المدينة التي أنشاها صبحي لكي تكون مدينة فاضلة على طريقة الفيلسوف أفلاطون، أقيمت على مساحة 35 فدانا، وتم تصميمها معمارياً بطريقة فريدة، وهي مشروع فني زراعي ثقافي، يظهر الترابط بين الفنون والزهور الموجود في الحياة، وتحاط المدينة بأسوار ترتفع خمسة أمتار، وتضم مسرحاً على أعلى مستوى، وكذلك بلاتوهات للتصوير، ومنتجعا سياحيا، ومتحفا يوثق للفن في مصر من عام 1840 حتى اليوم، ومدرسة لتعليم أطفال الشوارع والأيتام الموهوبين منهم.. كل أنواع الفنون .. التمثيل ، والبالية ، والكونسفيتوار، والفنون التشكيلية بالإضافة إلى التعليم الأساسي.


العودة إلى المسرح


الظروف السياسية التي مرت بها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، أدت إلى توقف شبه كامل للنشاط المسرحي، خاصة في القطاع الخاص، الذي كان مسرح صبحي أهم رموزه.. ويعود الفنان الكبير للوقوف على خشبة المسرح من جديد الفترة المقبلة من خلال 3 عروض يقدمها في وقت متزامن.

وعن هذه العودة.. أوضح محمد صبحي لـ”العرب” أنه سيبدأ مع فرقته المسرحية تحضيرات بروفات عروضه المسرحية الجديدة منتصف أبريل المقبل، ومن المقرر عرضها على مسرح مدينة الإنتاج الإعلامي.

لست حزينا على عدم تكريمي في عيد الفن لأنهم لا يكرمون سوى الموتى

العروض المسرحية تتكون من 3 روايات وهي “خيبتنا” التي يلقى من خلالها الضوء على الأحداث السياسية التي تمر بها مصر، و”ملك سيام” مأخوذة عن فيلم أميركي قديم بعنوان “THE KONG AND I” من بطولة يول براينر، وتم إنتاجه عام 1956، و”غزل البنات” وهي محاكاة لفيلم الفنان الراحل نجيب الريحاني الذي يحمل نفس الاسم.

الروايات الثلاث تدور في الإطار السياسي والنقد الاجتماعي الذي برع فيه محمد صبحي، منذ سنوات طويلة، من خلال مسرحيات حققت نجاحات غير مسبوقة، أهمها “تخاريف” ،”الجوكر”، “وجهة نظر”، “ماما أمريكا”، التي قدم فيها مشهداً كاملاً يقلد فيه الرئيس السابق مبارك.

وقال “صبحي”، إنه رفض مؤخراً تقديم نفس المشهد الذي قلد فيه مبارك في خارج مصر حتى “لا يقول الخبثاء إنه استغل تواجده خارج مصر لتقليد رئيس الجمهورية السابق”، مشيرا إلى أنه ليس لديه نية في تقليد “مبارك” مرة أخرى بعد خلعه.

وشدد على أنه أقدم على تقليد مبارك، عندما كان حاكمًا لمصر، وأنه ليس من الشجاعة أن يقلده وهو بعيد عن كرسي الحكم، كاشفاً عن أنه “في أول ثلاثة أسابيع لعرض المسرحية استدعته مباحث أمن الدولة، وحاورته كثيرا بخصوص المشهد”، مضيفا: اكتشفت بعد ذلك أن الرئاسة والحكومة لم تقدما أية شكوى ضدي بخصوص المشهد، وأن من قدم الشكوى زميل لي بدعوى أن المشهد يمس شخص رئيس الجمهورية.

كانت صفحة “أنا آسف يا ريس”، المؤيدة للرئيس السابق، حسنى مبارك، قد نشرت على موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك، فيديو للفنان محمد صبحي، وهو يمدح فيه مبارك عام 1999، وأوضحت أن الفيديو يأتي ردا على ما قاله الفنان في أحد الحوارات التليفزيونية من أنه يكره مبارك وأسرته منذ عام 1997، مؤكدا خلال حواره أنه دمر مصر.


تطوير العشوائيات


لم تكن تلك هي المعركة الإعلامية الوحيدة التي خاضها صبحي مؤخراً، فقد واجه بعض الانتقادات من المشككين في مصير الأموال التي جمعها من أجل مبادرته لتطوير المناطق العشوائية في مصر.. ووصف الأصوات التي تتساءل عن الأموال التي جمعتها مؤسسة “معا لتطوير العشوائيات” بأنها “أصوات حقيرة”، مشيرا إلى أن المؤسسة لا تنزل إلى الشارع لجمع الأموال، وإنما حساباتها تذهب مباشرة للبنك المركزي.

في سياق متصل، انتقد الفنان محمد صبحي تحديد مبلغ 20 مليون جنيه كحد أقصى للدعاية الانتخابية لمرشحي الرئاسة المصرية، معلقا: “يعني لو 10 مرشحين تقدموا للانتخابات سيتم صرف 250 مليون جنيه”.

صبحي: رفضت تقليد مبارك في "ماما أمريكا" بعد خلعه من الرئاسة

وأكد على أن هذا المبلغ يمكن أن يحل مشاكل الكثيرين من أبناء الشعب المصري، موضحا أنه عندما يقوم أحد المرشحين بصرف هذا المبلغ لتطوير العشوائيات، سيقوم الشعب بتأييده والوقوف إلى جواره، مناشدا مرشحي الرئاسة بصرف أموال الدعاية الانتخابية على تطوير العشوائيات.

وطالب “صبحي” نواب البرلمان القادم بعدم صرف أموال على الدعاية، مشيرا إلى أن ما يتم صرفه على الدعاية كفيل بأن يطور المنطقة التي ينوب عنها بالكامل، مقترحاً أن يكون البرلمان تطوعياً ودون حصانة، معلقا “بجد نفسي نجرب الموضوع ده، عشان نعرف مين اللي عايز يخدم البلد بجد”.

الفنان الكبير ورئيس مجلس أمناء مؤسسة “معًا لتطوير العشوائيات”، أكد أن تطوير العشوائيات في مصر يحتاج إلى 300 مليار جنيه، لافتاً إلى أن المؤسسة نجحت في جمع 100 مليون جنيه خلال شهر ونصف، وتم إيداعها في البنك المركزي المصري، مضيفًا أنه كان من المفترض أن نبدأ من يونيو الماضي، لكن ظروف الترخيص الذي لم تمنحه الدولة لنا تسبب في تأخر بدء المشروع، وأشار صبحي، إلى أن أخطر ما يواجه سكان العشوائيات هو التوعية الدينية الخاطئة والفتاوى المرعبة من قبل تجار الدين الذين تلاعبوا بهؤلاء البسطاء، وأوضح أنهم يهدفون في الأساس إلى مساعدة سكان العشوائيات وإيوائهم في مناطق أفضل لهم من خلال الاستعانة بتبرعات المواطنين المصريين.


لا للوزارة


تعليقاً على ما تردد حول تجاهل المسؤولين عن وزارة الثقافة له وعدم اختياره من بين المكرمين في عيد الفن، الذي أقيم مؤخراً وحضره الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، والمشير عبدالفتاح السيسي أقوى المرشحين للفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة.. انتقد الفنان محمد صبحي استمرار الدولة في سياسة تكريم الفنانين بعد رحيلهم، متسائلا: لماذا يكرم الفنان بعد موته رغم أنه كان من المفترض تكريمه في حياته؟

وقال إنه لم يشعر بالحزن أو الغضب لعدم تكريمه لأنه ليس له الحق أن يطالب بهذا التكريم، ويرى أنه خطأ وعيب إذا طلب هذا، منوها بأنه تم تكريمه في العديد من الدول العربية والأجنبية، لكن التكريم الحقيقي الذي يفتخر به هو حب الناس ويعتبر أفضل كرم من عند الله، مشيرا إلى أن أكثر ما يحزنه هو عدم تكريم الشباب في عيد الفن، واقتصار التكريم على الفنانين الكبار فقط.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان استبعاده له علاقة برفضه لتولي حقيبة الثقافة في حكومة المهندس ابراهيم محلب الجديدة.. قال “صبحي” لـ”العرب”: إنه رفض المنصب ثلاث مرات ويرى أنه يعطي لمصر أكثر عندما يكون خارج المنصب، مضيفا أنه مستعد لمساعدة الوزراء الذين يقومون بالنزول إلى الشارع للاستماع إلى آراء المواطنين والاهتمام بهم وحل مشاكلهم، معترفاً بأنه لا يعرف حقيقة ما إذا كان رفضه للوزارة هو السبب في استبعاده من قائمة المكرمين أم لا، ومؤكداً أن الإجابة لا تعنيه.

وكان “صبحي” قد اعتذر عن منصب وزير الثقافة، الذي رشحه له المهندس ابراهيم محلب رئيس الوزراء المكلف، عقب استقالة حكومة الدكتور حازم الببلاوي، مشدداً على أنه متحمس لحكومة “محلب”، ويثق في قدراته، لكن يرى أن وزير الثقافة يدير الثقافة، ولكن الفنان يصنع الفن والثقافة، ولهذا فقد قرر أن يكون صانعا للفن وأن يظل فناناً ومبدعاً فقط”.

واستطرد “صبحي”، قائلاً:” تحدثت مع رئيس الوزراء الجديد، وأكدت له أن ترشيحه شرف لي”، وقال أنه رفض منصب وزير الثقافة ثلاث مرات في أنظمة حكم مختلفة، وآخرها في فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، وهذا لا يعني أنني أرفض العمل السياسي بشكل عام أو الانضمام للعمل الحكومي في الدولة، ولكنني قررت الاكتفاء حاليا بدوري كفنان”.

وحول ما كان يمكن أن يقوم به للفن والفنانين، في حال قبوله للجلوس على مقعد وزير الثقافة.. أكد الفنان المهموم بقضايا بلده ومهنته لـ”العرب” أن الفن في مصر بحاجة إلى ثورة تغيير، كما أن الفن أصبح يهدم الشباب ويحاول مسح هوية الوطن، مشيراً إلى تحول بعض الأعمال الفنية إلى تجارة من أجل هدم عقول الشباب وتشويه وجدانهم وسلوكهم، واستنكر وجود أعمال فنية هدامة تقدم إرشادات للإرهابيين والانحلال والبلطجة.

علاقة صبحي بالتلفزيون بدأت منذ أن قدم مسلسل "فرصة العمر" في منتصف السبعينات، ثم ابتعد عنه بعدها، ليعود بمسلسل "كيمو" الذي يتكلم عن مشاكل التعليم في مصر

وأرجع الفنان، الذي أتم الشهر الماضي عامه السادس والستين، ما نراه على أرض الواقع من إرهاب وبلطجة، إلى الأعمال الفنية الهدامة والأفلام الداعية إلى الانحطاط الأخلاقي التي تعرض في الفترة الحالية.

وقد وصف بعض المسرحيين محمد صبحي بالقائد العسكري أو الدكتاتور الذي يعمل بدقة متناهية إلى درجة يرى البعض أن فيها مبالغة، وهو يرى أن الممثل الذي يعمل معه لابد أن يكون لديه قدرة تحمل واحترام للمواعيد وتقدير للعمل.


هاملت المصري


يذكر أن الفنان الكبير محمد صبحي وُلد في القاهرة في شهر مارس عام 1948، وتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1971 مما أهله للعمل كمعيد بالمعهد، ولكنه ترك التدريس وأسس “استوديو الممثل” كممثل ومخرج، واشترك معه رفيق رحلته الفنية الكاتب المسرحي لينين الرملي، وهو متزوج من مهندسة الديكور المسرحي نيفين رامز، ولديه من الأولاد كريم “مهندس حاسب آلي”، ومريم “خريجة تجارة إنكليزي”.

عندما كان “صبحي” طفلا صغيرًا كان يعيش مع أسرته في منطقة أرض شريف بالقرب من شارع محمد علي، والذي كان يطلق عليه شارع الفن، الذي توجد به العديد من المسارح ودور السينما والملاهي الليلية، وكان منزل أسرته يقع أمام دارين للسينما هما سينما “الكرنك” وسينما “بارادي” الصيفي.

كانت هذه فرصة جيدة للطفل الصغير ليتابع جميع الأفلام التي تعرض بهما، كما كان والده يمتلك ماكينة لعرض الأفلام فكان يشاهد من خلالها العديد من أفلام الباليه الراقصة، ولم يكن يرى نفسه إلا راقص باليه، حتى أنه لم يكن يفكر في التمثيل في صباه، فقد كان عالم الموسيقى والباليه يسحره.

كان ظهور موهبة محمد صبحي الفنية لأول مرة عندما قام بأداء شخصية “هاملت” في امتحان البكالوريوس بالمعهد وهي نفس الشخصية التي قدمها مرة أخرى عندما أصبح مشهورا، واقترنت به طويلاً لدرجة أن زملاءه في معهد الفنون المسرحية كانوا يطلقون عليه لقب “هاملت المصري”.

وفي عام 1980 كون صبحي فرقة “ستوديو 80” مع صديقه لينين الرملي، ليشهد الوسط المسرحي مولد ثنائي شاب دارس للمسرح، ولديه رغبة في إثبات الذات، فقد نجح الثنائي لينين كاتبًا وصبحي ممثلاً ومخرجًا في أغلب الأوقات في تقديم مجموعة من أنجح مسرحيات تلك الفترة، مما جعل البعض يرى فيهما امتدادًا للثنائي نجيب الريحاني وبديع خيري، ومن بين العروض التي قدماها في تلك الفترة “الجوكر”، “أنت حر”، “الهمجي”، “البغبغان”، “تخاريف”.

علاقة صبحي بالتلفزيون بدأت منذ أن قدم مسلسل “فرصة العمر” في منتصف السبعينات، ثم ابتعد عنه بعدها، ليعود بمسلسل “كيمو” الذي يتكلم عن مشاكل التعليم في مصر، قبل أن يقدم أشهر مسلسلاته عام 1984 “رحلة المليون” بجزئيه الأول والثاني، الذي حقق نجاحًا فائقا وقت عرضه. وفي عام 1994 بدأ صبحي في تقديم شخصية “ونيس” من خلال مسلسل حمل اسم “يوميات ونيس” في ثمانية أجزاء، عرض من خلالها هموم الأسرة العربية وما يصادفها من عقبات أثناء تربيتها لأبنائها، ثم في منتصف الألفية الجديدة قدم عدة مسلسلات أهمها “فارس بلا جواد” و “رجل غني فقير جدا”.

15