محمد صبحي: رفضت منصب وزير الثقافة لأقول رأيي بحرية

انتقد الفنان المصري محمد صبحي إهمال الدولة للمناطق العشوائية وغياب الوعي بخطورة هذه الظاهرة على المجتمع. وقال صبحي في حوار مع “العرب”، جمع بين السياسي والفني، إن النقطة البيضاء التي يمكن للمجتمع المصري أن ينطلق منها لتحقيق أحلامه هي العدالة الاجتماعية؛ فيما اعتبر أن دور الفنان هو أن يبحث عن النقطة البيضاء وسط كل هذا الظلام حتى تدفع المجتمع إلى الأمام.
الأحد 2016/02/14
إذا كانت الثورة تعني التغيير فلا بد بعد ثورتين كبيرتين شهدتهما مصر أن يغير كل مواطن من نفسه

القاهرة – قال الفنان محمد صبحي إنه رفض منصب وزير الثقافة في مصر 4 مرات، آخرها في حكومة المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق، مبررا رفضه المستمر للمنصب بأنه يفضل أن يستمر فنانا حرا يمدح من يشاء وينتقد من يشاء، عن أن يكون وزيرا مقيدا بسياسة حكومية وسقف حرية محدود.

وأشار محمد صبحي إلى أن إصراره على رفض “التوزير” نابع من موقف سياسي أو قناعة بأن الفنان يجب أن يكون دائما في مواجهة السلطة وليس معها. وأضاف “أرفض التصنيفات التي تسعى لوضع إطار عام لكل فنان بحيث تجعله مواليا أو معارضا للسلطة، فأنا مثل أي إنسان لديّ الحق في تأييد بعض مواقف الرئيس أو الحكومة ورفض بعضها الآخر، وكوني فنانا لا يفرض عليّ بالضرورة اتخاذ مواقف مطلقة سواء بالتأييد أو الرفض”.

ولكن صبحي لا يتردد في تشخيص عيوب تعتري التعامل في الشأن العام في مصر ويقول “للأسف المجتمع المصري بات يعاني في السنوات الأخيرة من مرض اسمه التعميم، ولا أقصد فقط الشعب وإنما في أحوال كثيرة النظام نفسه بأجهزته التي تظهر عليها أعراض المرض. والمظلوم هو الفنان الذي ينتظر منه الناس أن ينتقد النظام ليكسب تعاطفهم، لكنه إذا فعل ذلك يتهمه النظام بالخيانة، أما إذا أيّد وهلل فسوف يرضى عنه النظام لكن الناس سوف يرونه منافقا، كما أن الناس لا تستسيغ أن ينتقد الفنان سلوكياتهم حتى لو كان ذلك يصبّ في خانة المصلحة العامة، وقد عانيت من ذلك عندما تحدثت عن عيوب مجتمعية مثل سيادة قيم الكسل وعدم احترام العمل”.

الغريب أن صبحي الذي يعتبره كثيرون من دعاة الحرية والديمقراطية، ومن المعارضين لحكم الفرد بحسب ما قدمه في أعماله من سخرية على الحكام الدكتاتوريين، ليس لديه مانع من أن يوصف بالدكتاتور حيث قال في معرض رده على سؤال “العرب” حول تدخله في كل كبيرة وصغيرة في أعماله وأن يسير كل شيء كما يرضاه مثلما يفعل الحاكم الدكتاتور “إذا كانت الدكتاتورية هي الانضباط في العمل فأنا لا أبالي، لكن الدكتاتورية في أعمالي هي التفرد الذي يقود إلى النجاح، ومن يبحث عن أعمال محمد صبحي على اليوتيوب سيعرف أني ساهمت في تخريج 277 ممثلا حتى الآن، أصبحوا نجوما”.

وشخّص صبحي مشكلة المجتمع المصري في الفترة الأخيرة في “أن البعض يشغل نفسه بغيره، أكثر مما ينشغل بنفسه، وهو أمر يحتاج إلى وقفة لأنه إذا كانت الثورة تعني التغيير، فلا بد بعد ثورتين كبيرتين شهدتهما مصر أن يغير كل مواطن من نفسه ويوقف السلبيات التي يستمر في ارتكابها”.

واستنكر الفنان عدم متابعة وسائل الإعلام لمجهودات جمعيته الخيرية “معا” التي يهدف من خلالها للقضاء على المناطق العشوائية، قائلا بلهجة ساخرة “لم يتحدث إعلامي واحد عن أننا انتهينا من بناء 1200 وحدة سكنية في المرحلة الأولى، وجاري العمل لبناء 2000 وحدة أخرى في المرحلة الثانية في مدينة ‘معا’ التي تقع بالقرب من طريق القاهرة/الإسماعيلية الصحراوي”.

وأضاف “كذلك لم أتلق طلبا من أحد ليتجول في المدينة الجديدة التي بنيت بمساهمات أهل الخير، ليرى الوحدات التي أنشئت، ولا كيف أننا أصررنا على بناء مسرح و3 دور للسينما و3 مدارس، من أموال التبرعات”.

من أهم الأولويات تحقيق العدالة الاجتماعية لمن يعيشون تحت خط الفقر بكثير وأول مظاهر العدالة الاهتمام بتوفير مساكن ملائمة لهم بدلا من السكن في العشوائيات

ويرى صبحي أن الدولة فيما يبدو غير واعية بمشكلة العشوائيات وأبعادها على المجتمع نفسه، “وهنا مكمن الخطورة”، مؤكدا أن من أهم الأولويات تحقيق العدالة الاجتماعية لمن يعيشون تحت خط الفقر بكثير، وأول مظاهر العدالة الاهتمام بتوفير مساكن ملائمة لهم بدلا من السكن في العشوائيات.

وأوضح أن البعض يرى حوله الكثير من العيوب والمعوقات والفساد والظلم، “لكن دور الفنان هو أن يبحث عن نقطة بيضاء وسط كل هذا الظلام حتى تدفع المجتمع إلى الأمام”، معربا عن قناعته بأن النقطة البيضاء التي يمكن للمجتمع المصري أن ينطلق منها لتحقيق أحلامه هي العدالة الاجتماعية.

يدخل في إطار العدالة من وجهة نظر صاحب “يوميات ونيس” أن يوضع في الاعتبار وجود كثيرين، خاصة من الشباب ظلموا بدخولهم السجون، دون أن يكونوا مجرمين، “لذلك لا يمكن الحديث عن قضايا الشباب دون أن نستبق ذلك ببحث أزمة المتواجدين منهم في السجون والنظر في الظلم الواقع عليهم، حتى لا نساويهم بمن خانوا الوطن ودمّروه أو سرقوا ونهبوا وهتكوا الأعراض”.

تطرق صبحي للسياسة شجع على جذبه لبعض قضاياها الأخرى فسألناه عن رؤيته لدور البرلمان الجديد في تحقيق العدالة الاجتماعية فرد “لا أستطيع تقييمه بشكل دقيق حتى الآن، لكنّني أتمنى أن يكون أعضاؤه على موعده مع القدر، لكي يحقق تعديلات في قوانين وتشريعات كثيرة تسببت في إيقاع الظلم على الكثير من الشباب”.

سنة أولى تقديم

يقيّم صبحي تجربته الأولى في تقديم برامج “التوك شو” بعد انتهاء الموسم الأول من برنامجه “أعزائي المشاهدين مفيش مشكلة خالص” الذي قدمه على قناة (CBC) وحقق نجاحا جماهيريا “كما يعرف عنّي المقربون فقد كنت رافضا لفكرة اقتحام عالم تقديم البرامج مثل كثير من الفنانين خاضوا التجربة، وكان المانع الرئيسي أنني لا أرى نفسي مذيعا، لهذا تأخرت جدا في قبول تقديم برامج عرضت عليّ سابقا، حتى لاحت فكرة البرنامج وقبلتها على الفور لأنها تقدمني كممثل في عرض واقعي ولست مذيعا بالمعنى التقليدي”.

وقال إن اسم برنامج “مفيش مشكلة خالص” كان مقصودا، ومن تابع الحلقات يعرف ماهية كل مشكلة تعرض لها بشكل أكثر تفصيلا، ويكتشف الحلول التي لو تم تطبيقها لن تكون هناك مشكلة على الإطلاق.

ولكن ما هي المصادر التي يستلهم منها أفكار الحلقات؟ قال صبحي عن ذلك “لديّ أكثر من 5 ملايين متابع لصفحتي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أتواصل معهم بشكل دائم، وأهتم باقتراحاتهم لمناقشة أفكار بعينها”، نافيا تلقيه أيّ ردود فعل “رسمية” على الحلقات سواء بالإعجاب أو الاستياء، وأن من يتفاعل معه هو الجمهور فقط.

مطلوب عدالة اجتماعية

وردا على اتهامه باقتباس فكرة “برومو” البرنامج من أحد البرامج الأجنبية قال صبحي “هناك العديد من البرامج التي يتم الاستعانة فيها بالخطوط العريضة من الخارج، لكنني بصراحة لم أكن أعرف أن الإعلان الترويجي للبرنامج مقتبس، وهي سقطة لا بد من الاعتراف بها وعندما اكتشفناها قمنا بإلغائه على الفور”.

ويعتبر أن الفنان مثل المعلّم أو رجل الدين قضيته الأولى دائما هي إحداث التغيير في المجتمع، لهذا كان سعيدا جدا حينما كتبت له فتاة مصرية تعيش في كندا منذ سنوات على الفيسبوك بعد مشاهدة حلقة الأسرة التي قدمها في برنامجه، لتقول له إنها تأثرت كثيرا لدرجة البكاء بعد مشاهدة الحلقة وقررت السفر فورا إلى مصر فقط لكي تقبّل يد أبيها وأمها.

هذا الموقف أدخل السرور على صبحي وأشعره بإيجابية ما يقدمه، وهذا غاية ما كان يتمناه، أما من ينتقدون البرنامج لأنه لا يهاجم الحكومة كما يزعمون فهؤلاء “أشخاص لا يريدون لنا أن نضبط الأخطاء ونتلافى السلبيات، ولا يرون إلا ما يريدون رؤيته لأن البرنامج عرض فقرات عديدة تتناول الأداء الحكومي بالانتقاد”.

تناول صبحي على مدى حلقات الموسم الأول من برنامجه “مفيش مشكلة خالص” العديد من القضايا التي تنوعت بين أزمات المرور ومشاكل الأسرة والحب والتمييز، لكن الأخيرة هي الأقرب إلى قلبه، لأنها قضية هامة استشرت في كثير من المجتمعات العربية بعد الثورات، وأصبح العرب مصنفين في جدول التمييز، وفقا لأشياء ليس لها أصول فكرية.

هل وقع صبحي في فخ الخطاب المباشر الأقرب إلى التعليم منه إلى الدراما في تكراره لنفس الاتهام الذي واجهته سلسلة “يوميات ونيس”، أجاب صبحي عن ذلك قائلا “تعلمت ذلك من المسرح لأنه يطرح أسئلة ويبحث عن إجاباتها داخل العمل نفسه، كما أن المباشرة ليست سيئة ونحتاج لها في توجيه رسالتنا”.

أنا والشباب

محمد صبحي صاحب مبادرة محمودة في الوسط الفني بتقديم الفرصة لعدد كبير من الفنانين الشباب عبر مشروعيه المسرحيين قبل عقود وهما “أستوديو الممثل” و”أستوديو 80”، حيث قدم للوسط الفني وجوها جديدة أصبحوا نجوما فيما بعد مثل منى زكي وهاني رمزي وهدى هاني وغيرهم.

في تجربته الجديدة كمذيع لبرنامج “توك شو” حاول صبحي إعادة التجربة لكنه قوبل بهجوم نقدي شديد. ركز على عدم إدراك الفنان للفارق بين ما يصلح للمسرح وما يناسب التلفزيون، وهو الاتهام الذي وُوجه به تحديدا بعد ظهور شابة تدعى ريم (قدمت دور الابنة الصغرى لصبحي في مسلسل يوميات ونيس) في إحدى حلقات برنامجه وهي تؤدي رقصة الزومبا.

صبحي يعترف أن الشباب مظلومون في الوقت الحالي لأنهم تربوا على قيم مغلوطة، على عكس المعاني الإيجابية التي تربّى عليها

لا يبدو أن صبحي مهتم بما يتردد من الاتهامات لأنها “اتهامات عادية اعتدت أن أواجه بها من فترة إلى أخرى، لأن هناك دائما من لا يرى سوى النصف الفارغ من أيّ كأس ويتعامى عن النصف المليان منه، وهؤلاء لا أستطيع ولا جدوى من محاورتهم لأنها لن تغير من الأمر شيئا”.

لكن اكتشاف المواهب الجديدة عمل يريح به صبحي ضميره الإنساني والفني، ورسالة يؤديها عن طيب خاطر. “قلت في إحدى حلقات برنامجي إن أم كلثوم عندما جاءت للقاهرة في بداية حياتها وجدت فطاحل تلقفوها وصقلوا موهبتها، ونحتاج نحن أن نلتف حول المواهب الجديدة، حتى لا نستيقظ ذات يوم فنجد المواهب قد نضبت”.

سبب آخر لإصرار صبحي على تبنّي المواهب هو أن هناك أطرافا كثيرة تتنازع على الشباب، أوّلهم تنظيمات الإرهاب وثانيهم منتديات “البلطجية” وأخطرهم الفن الهابط، وأخيرا الدولة وهي الطرف الآمن لجذب الشباب وتوجيهه ليكون طاقة إيجابية لكنها غير قادرة على ذلك حتى الآن.

اعترف صبحي أن الشباب مظلومون في الوقت الحالي لأنهم تربوا على قيم مغلوطة، على عكس المعاني الإيجابية التي تربّى عليها، فأصبح الآباء والأمهات يفرحون كثيرا عندما يلجأ أولادهم للغش لكي ينجحوا ويحققوا أعلى الدرجات، لهذا لا يصح أن نقسوا على شباب نشأوا في ظل هذه المعايير المغلوطة.

عن آليات اكتشاف المواهب الجديدة، قال صبحي “في السابق كنت أجري اختبارا للوجوه الجديدة كل عام، يتقدم لها ألفا شاب وفتاة، كنت أنتقي منهم 5 أو 6 ليشاركوا معي في أعمالي الفنية، لكنني في العام الماضي اضطررت لاختيار 70 موهبة بعدما فزعت من فكرة التفريط في مواهب عظيمة في الغناء والعزف”.

نصف الكأس الفارغ

الطاقة الإيجابية والنظرة البنّاءة التي ترى النصف المليان من أيّ كأس، مثلما يصر صبحي على ضرورة أن يتمتع بهما الفنان حتى يستطيع التغيير، تنتهي آثارها سريعا عندما يتطرّق الحوار معه إلى حال المسرح والسينما.

إذا كانت الدكتاتورية هي الانضباط في العمل فأنا لا أبالي، لكن الدكتاتورية في أعمالي هي التفرد الذي يقود إلى النجاح

ورغم ثنائه على تجربة مسرح مصر للفنان أشرف عبدالباقي باعتباره سهرة مسرحية أسبوعية قدمت العديد من الوجوه الجديدة، إلا أنها ليست مؤشرا إيجابيا على نهضة المسرح، فالحقيقة أنه “لا يوجد مسرح في مصر، وليس هناك قواعد مسرحية محترمة يمكن العمل عليها، لذلك انتهت مسارح الدولة تقريبا وتحوّلت المسارح الخاصة إلى أستوديوهات لتقديم برامج تليفزيونية”.

أوضاع السينما ليست أفضل حالا كما قال صبحي “طالما أنه ليس هناك مناخ سينمائي مُوات فلا يمكن الحديث عن رواج، وما يوجد مجرد اجتهادات فنية، قد يصيب بعضها أو يخطئ لكن في الحالين لا يمكن التعامل مع ما يحدث باعتباره ظاهرة أو مقدمة لشيء أكبر”.

وأضاف “عندما كنّا موجودين في الساحة الفنية، كان يقدم في الموسم الواحد 25 مسرحية، و20 أو 30 مسلسلا، لكن لم تكن هناك سوى قناتين تعرضان ما ينتج، أما الآن فقد تغير الزمن كثيرا، ولا يوجد حراك منظم وإنما كل منا يعمل وفقا لما يروق له”.

وأكد أن هناك مشكلات خاصة بإصرار وكالات إعلان على عدم العمل سوى في الأفلام الهابطة التي تجلب الكثير من الإعلانات، ما يعظم عائداتها المالية، بينما الأعمال الهادفة لا يذهب إليها المعلنون.

لكن صبحي يفخر بأنه تمكّن من كسر تلك القاعدة “الجهنمية” عبر برنامجه التلفزيوني بحسب ما تقول الأرقام، مضيفا أن “توثيق عدد المشاهدات في قناة السي بي سي، أثبت أن (مفيش مشكلة خالص) حقق التفافا جماهيريا كبيرا”.

عن أعماله الجديدة قال صبحي إنه يعكف على تحضير مهرجان بعنوان “المسرح للجميع” يقدم من خلاله المواهب الجديدة مثلما كان يقدم “لعبة الست” و”كارمن” ويحضر لمسرحية “خيبتنا”، التي كان يفترض بدء عرضها في مارس 2011. ولفت صبحي إلى عودة التعاون مع الكاتب والمؤلف لينين الرملي شريك نجاحه المسرحي في الفترة المقبلة لتقديم مسرحية جديدة، بعدما افترقا فنيا منذ أكثر من 15 عاما.

4