محمد صلاح: دليل المسلم المتميز

تجربة محمد صلاح هي أولا عنوان لقدرة الإنسان العربي والمسلم على التميز بمجهوداته الفردية، ودرس في أن النجاح يمكن أن يكون فرديا ثم في إطار المجموعة الإنسانية.
الجمعة 2018/04/27
لاعب متكامل

عندما نريد نستطيع. ربما تلك أفضل خلاصة لتجربة محمد صلاح، اللاعب الذي آمن بقدراته وصمد في وجه المصاعب وقرّر أن يحقق ذاته وأن ينتصر لموهبته، فوصل إلى ما وصل إليه من تفوق ونجومية وقدرة حقيقية على التأثير في الرأي العام العربي والعالمي.

اليوم أضحى محمد صلاح نموذجا حضاريا متميّزا للشباب العربي المسلم، وتحول إلى صانع الفرح في قلوب الملايين، وإلى الخطاف الذي يصنع الربيع ويقدّم البديل عن الوجه المظلم في مجتمعاتنا، وجه الإرهاب والتطرف والتكفير باسم الإسلام.

محمد صلاح كان مثل عشرات أو مئات الملايين من العرب البسطاء الذين يولدون ويترعرعون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، ويواجهون الفقر والعوز، فمنهم من يقرّر التجاوز والخروج من ذلك الواقع بالأمل والعمل والصبر والمثابرة، ومنهم من يخنع ويخضع للعراقيل، وعوض أن يتجه لتحويلها إلى قوة دفع، يكتفي بأن يبررها من باب تبرئة النفس وتحميل مسؤوليتها للآخر، ما يجعل منها دافعا للحقد والكراهية، سرعان ما يتحول إلى قوة تدميرية وتفجيرية للمجتمع.

مرّ محمد صلاح بظروف صعبة في بدايات مشواره الرياضي، وتعرض لانتقادات عديدة، وأحيانا إلى التحقير من موهبته، ولكنه تمسك بالأمل وتحصّن بالثقة في النفس، ليصل إلى ما وصل إليه.

كان منذ بداياته شابا متدّينا، ولكنه التدين الذي يبني العقل فيكون محرّكا للطاقة الإيجابية ولروح التميز، كما هي قيمة الاعتقاد في كل الحضارات وكل الأزمنة، مجال للصفاء النفسي الذي يساعد العقل على التفكير السليم والبرمجة الإيجابية، ويغذي الوجدان بمعاني النبل والفضيلة والمحبة والإيثار، ما يجعل من صلاح الفرد ونجاحه صلاحا للمجتمع وفلاحا للأمة.

اليوم يتحول محمد صلاح إلى أيقونة مصرية وعربية وعالمية، وباسمه ولقبه وهويته استطاع أن يقدم نموذجا راقيا للشاب المسلم القادر على التميز والوقوف فوق منصة التتويج بالمرتبة الأولى عالميا، وأن يعطي بممارساته الراقية فوق أرضية الميدان وخارجها قدوة لملايين الشبان العرب والمسلمين التائهين بين الأرض والسماء، والباحثين عن تفسيرات لفشلهم، سرعان ما يجدونها وقد تلطخت بالخداع السياسي والنفاق الديني والاجتماعي في فتاوى الدعاة التكفيريين وقراءات المحللين المؤدلجين وما تفرزه أبواق الفتنة ومنابر الفوضى، وخاصة منها تلك التي تقف وراءها جماعات الإسلام السياسي الساعية للسلطة عبر التلاعب بعقول الأجيال الصاعدة، وإقناعها بأن الموت أفضل من الحياة، والعنف خير من السلام، وأن لا تغيير إلا بالتكفير والتفجير والتدمير.

بينما اتجه آلاف الشبان إلى ساحات الإرهاب بكل أشكاله الواقعية والافتراضية، وتم الزج بملايين منهم في أتون الحقد والكراهية والعداء لقيم الحضارة والمدنية، يأتي محمد صلاح ليقول إن هناك طريقا للنجاح والتفوق وأن كل موهبة حقيقية تستطيع أن تنحت طريقها في الصخر، وأن إدعاء المظلومية ليس حلا، كما أن الاستسلام للظروف مهما كانت صعبة لا ينتج عنه إلا تكريس الفشل، والمزيد من السقوط في بؤر الضياع النفسي والاجتماعي.

تجربة محمد صلاح يمكن استثمارها كأفضل ما يكون في وجه التطرف والإرهاب، فهي أولا عنوان لقدرة الإنسان العربي والمسلم على التميز بمجهوداته الفردية، ودرس في أن النجاح يمكن أن يكون فرديا، ثم في إطار المجموعة الإنسانية، وأننا نستطيع أن نكسب حب واحترام الآخر بنجاحنا وتميّزنا، لا بالرصاص والأحزمة الناسفة، وأن الآخر لا يكرهنا كما يروج أعداء الحياة والإنسانية، ولكنه ينتظر منا أن نبهره بعطائنا وعملنا ومواهبنا وطيبتنا وتواضعنا وأخلاقنا ومساهمتنا في مسيرة الحضارة الإنسانية.

درس محمد صلاح أن للإنسان طاقات لا تقف عند حد، فقط عليه أن يكتشفها وأن يستثمرها في تحقيق أهدافه، وأن يكون قادرا على تحمل مسؤولية الفشل بالعمل على تجاوزه، وعلى تحمل مسؤولية النجاح بدعمه واحترام طقوسه والالتزام بأخلاقياته.

9