محمد صلاح من نجم كرة قدم إلى ظاهرة اجتماعية

اللاعب المصري محمد صلاح يقدم صورة تختلف تماما عن الصورة النمطية للعربي المسلم الذي يعيش في أزمة مع المجتمع الأوروبي الذي هاجر إليه.
الأحد 2018/04/29
محمد صلاح يقدم رائعة المهاجر العربي

اهتزت أركان المقهى الشعبي القريب من وسط القاهرة بصيحات رواده وهم يتابعون بحماس منقطع النظير لمسات نجمهم المحبوب، محمد صلاح، في إحدى مباريات فريق ليفربول في الدوري الممتاز لكرة القدم في إنكلترا.

سرعان ما تحوّلت الصيحات إلى موجة عارمة من الفرح والانفعال، بعد أن تمكن صلاح من إحراز هدف آخر لفريقه، بشكل يصعب معه تصديق أن هذه الجماهير تتابع فريقا في بلد آخر، ولا تتابع مباراة للفرق المصرية الكبيرة أو للمنتخب الوطني المصري. وبدا المشهد وكأن نادي ليفربول الإنكليزي يلعب باسم الجماهير المصرية في دوري إنكلترا!

ربما يتشابه المشهد الذي رأيته في هذا المقهى الشعبي مع مشاهد حماس الجماهير الإنكليزية في مقاهي وحانات لندن، وهي تتابع نجومها وهم يتألقون ويهزون شباك الخصم.

لكن الفارق الكبير هو أن جماهير الكرة الإنكليزية تتابع بشغف بطولات كرة القدم في بلدها، والبطولات الأوروبية التي تشارك فيها الأندية الإنكليزية، وتنقسم هذه الجماهير في تشجيع مجموعة من الأندية، وفي المقارنة بين أداء كل منها، وفي تقييم مجموعة من نجوم اللعبة الذين يصولون ويجولون في ملاعب إنكلترا.

أما جماهير كرة القدم المصرية فهي تتابع ناديا واحدا وهو نادي ليفربول، وتترقب نجما واحدا وهو محمد صلاح، ولا يعنيها كثيرا ما تقوم به بقية الأندية واللاعبين في الدوري الإنكليزي إلا عند مقارنتها مع أداء ليفربول وأهداف صلاح.

يرى ستيفن جيرارد، نجم نادي ليفربول السابق، أن صلاح هو أفضل لاعب في العالم حاليا. وبالإضافة إلى جيرارد، حظي محمد صلاح بتقدير وإعجاب مجموعة كبيرة من محللي كرة القدم في إنكلترا، علاوة على الشعبية الجارفة التي يتمتع بها بين جماهير ليفربول، والتقدير والاحترام من قبل مدرب الفريق الألماني يورغن كلوب.

وتمكن صلاح من الفوز بلقب أفضل لاعب في الدوري الممتاز لكرة القدم في إنكلترا هذا الموسم. وهو أول لاعب مصري يفوز بهذه الجائزة، وثاني لاعب عربي يفوز بها بعد الجزائري رياض محرز نجم نادي ليستر.

وكل هذا يستحقه صلاح بلا شك بعد أن أثبت قدراته العالية في مباريات صعبة ورفيعة المستوى، مثل مباراة فريقه مع نادي روما في الدور قبل النهائي لدوري أبطال أوروبا التي صال فيها وجال، وأحرز هدفين، وصنع هدفين آخرين.

لكن الأمر في عدة مجتمعات عربية، تجاوز الإعجاب بصلاح لأنه لاعب كرة قدم موهوب. تحول صلاح إلى ظاهرة اجتماعية تخبرنا الكثير عن واقع المجتمعات العربية في الوقت الحالي.

اللافت للنظر في تجربة صلاح أنه حقق قفزة هائلة من نادي متوسط في مصر، هو نادي المقاولون العرب، إلى أندية كبيرة في أوروبا، وهو في هذا يختلف عن اللاعبين العرب الذين يحملون جنسيات أوروبية، واستفادوا من التدريب منذ الصغر مع أندية أوروبية للانطلاق في عالم الاحتراف.

وبالطبع لا يقلل هذا من موهبتهم وإنجازاتهم، ولكن يعني ببساطة أن طريق صلاح كان أشد قسوة وأكثر صعوبة. لكنه بإصراره وصبره وتفانيه في التدريب وموهبته الواضحة استطاع أن يحفر لنفسه مكانا بين كبار نجوم كرة القدم في أوروبا. ولعل هذا ما يفسر هذا الإعجاب الجارف والحماس الهائل لصلاح بين الشباب العربي.

Thumbnail

صلاح بعث الأمل في قلوب الكثير من الشباب العربي بإمكانية النجاح والتميز في أوروبا، والوصول إلى أرفع المستويات، على الرغم من كل المعوقات.

توحد الكثير من الشباب العربي مع تجربة صلاح، ورأوا أنها مخرجا من مشاعر القهر والإحباط التي يعيش تحت وطأتها الكثير منهم.

نجح صلاح في اختراق الأوضاع الصعبة التي كانت تواجهه كما تواجه الكثير من الشباب العربي، ونجح أيضا في التغلب على مشاعر اليأس التي كانت تلاحقه، كما تلاحق الملايين من الشباب العربي، وحقق نقلة هائلة في عالم كرة القدم.

وهذا هو الحلم الذي يداعب كل هؤلاء الشباب بأن يحققوا اختراقا مثل الذي حققه صلاح، وأن يقفزوا قفزة هائلة مثل التي قفزها في مجالات مختلفة.

بالإضافة إلى كل هذا يبدو صلاح، اللاعب العربي المسلم الذي يتعامل مع الآخرين بتواضع واحترام، نموذجا محببا للملايين من المسلمين في أوروبا، إذ يقدم صورة تختلف تماما عن الصورة النمطية للعربي المسلم الذي يعيش في أزمة مع المجتمع الأوروبي الذي هاجر إليه.

نجح صلاح في التوافق مع جماهير ليفربول، وأصبح نجمها المحبوب، كما نجح من قبل في اكتساب احترام جماهير نادي روما.

ولعل موقفه الأخير في المباراة التي جرت في الدور قبل النهائي من دوري أبطال أوروبا بين ناديه الحالي ليفربول وناديه السابق روما، كان محل احترام الكثيرين.

إذ رفض صلاح الاحتفال بعد إحراز هدفين في مرمى روما، واكتفى برفع يديه احتراما لمشاعر جماهير روما التي تعاملت معه بحب وتقدير. وفوق كل هذا لم ينس صلاح قريته نجريج التي نشأ وتعلم فيها، ويتبرّع بانتظام لمشروعات خيرية في قريته، ودفع تكاليف إنشاء مجمع رياضي وملعب حديث حتى تتاح الفرصة لأبناء قريته الذين يمارسون كرة القدم في إظهار مهاراتهم. كما تبرع بنحو 30 ألف يورو لجمعية قدامى اللاعبين في مصر.

تجربة محمد صلاح توضح لنا حجم معاناة الشباب في المجتمعات العربية، ومشاعر اليأس والإحباط التي تطارد الكثيرين منهم، وصعوبة حصول الموهوبين على فرصة لإثبات قدراتهم ومواهبهم، وسوء الإدارة والفساد في الكثير من المؤسسات بشكل يحرم ملايين الشباب من فرص عادلة. وظاهرة الإعجاب الجارف بين الشباب العربي بصلاح، والتوحد مع ما يحققه من إنجازات توضح شوق هؤلاء الشباب للنجاح والتميز، ورفضهم للصورة النمطية التي كثيرا ما تسوق عن المهاجرين المسلمين.

قدّم صلاح صورة رائعة للمهاجر العربي المسلم، والمهم أن تتكرر هذه الصورة، ونرى الكثير من أمثال صلاح في كل المجالات، ولا يبقى صلاح وحده يحمل على كتفيه أحلام وتطلعات الملايين من الشباب العربي.

إقرأ أيضاً: تطلع الفرعون المصري للكرة الذهبية يعد حلما مشروعا

22