محمد عابد الجابري عشرية على رحيل صاحب مشروع "نقد العقل العربي"

المفكر محمد عابد الجابري تصدى للتراث لا بوصفه ثابتا غير متغير بل هو منطلق لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر.
الخميس 2020/05/07
ماذا بقي من الجابري؟

إن جاز لنا استعمال ما قيل عن المتنبي من أنه “ملأ الدنيا وشغل الناس” بحق هذا المفكر العربي فإننا لا نجانب الصواب، وهو الذي شد أنظار الناس وعقولهم وتفكيرهم بكتاباته في مجال الحضارة والفكر المقارن والفلسفة وعلم الاجتماع وغيرها من المباحث الفكرية والفلسفية.

تمرّ هذه الأيام الذكرى العاشرة لرحيل محمد عابد الجابري، صاحب “العصبية والدولة“، ومشروع “نقد العقل العربي“، و”التراث والتجديد“، و”نحن والتراث“، و”مدخل إلى القرآن الكريم” وغيرها من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية وأسّست لمناهج جديدة في دراسة التراث وفي مقاربة واقعنا المعاصر.

بعد مرور عقد من الزمان على وفاته يمكننا التساؤل: ماذا بقي من الجابري؟ وما مدى تغلغل أطروحاته في بنية الذهنية العربية الإسلامية من خلال تفاعلها مع ما طرحته مؤلفاته من أفكار ودعوات لدراسة تراثنا ومحاولة تمثله حاضرا.

العقل العربي والتحولات

غالبية القراءات النقدية لعقل الجابري تنبع من خلفية أيديولوجية تخلط توجهاتها الفكرية بالتنميطات المستمدة من حقل السياسة فتصنفه على أنه علماني مرة، وتقليدي طورا، وليبرالي أحيانًا
غالبية القراءات النقدية لعقل الجابري تنبع من خلفية أيديولوجية تخلط توجهاتها الفكرية بالتنميطات المستمدة من حقل السياسة فتصنفه على أنه علماني مرة، وتقليدي طورا، وليبرالي أحيانًا

مشروع الجابري له ما يسنده من مشاريع أخرى وهي على سبيل الذكر لا الحصر “التراث والثورة” للطيب تيزيني و”نقد العقل الإسلامي” لمحمد أركون و”من العقيدة إلى الثورة” لحسن حنفي.

تصدى للتراث لا بوصفه ثابتا غير متغير بل هو منطلق لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر. التراث لا بد له من التجديد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرا ومنهجا وممارسة.

واجه مشروعه القبول والرفض، قبول حدّ التسليم ورفض حدّ الاتهام، إضافة إلى مقاربات علمية حاولت تتبع خط السير الفكري الذي يحكمه. وكان جورج طرابيشي وطه عبدالرحمن من بين الذين تصدوا لكتابات الجابري بالنقد والتمحيص.

ولنعد إلى السؤال: ماذا بقي من الجابري؟ هل أسس الجابري لمشروعاته الفكرية ما يضمن لها التواصل زمنيا؟ أم إن طروحاته لا تزال موضع شك من البعض وأنه عالة على الفكر الغربي بكل اتجاهاته الأيديولوجية واللغوية واللسانية؟

اعتمد الجابري منهجًا معرفيّا خاصّا في قراءاته للتراث الذي أورد نظرته له ومفهومه عنده في كتابه “نحن و التراث – قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي” بالقول “إن تجديد العقل العربي يعني في المنظور الذي نتحدث عنه إحداث قطيعة إبيستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط و امتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر“. ذلك المنهج جعل العديد من مجايليه من المفكرين يضعونه تحت عين النقد والتمحيص ومن بينهم جورج طرابيشي في ”نقد نقد العقل العربي“ وتيزيني في كتابه ”من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي“ وعلي حرب في كتابه ”مداخلات“ وطه عبدالرحمن في كتابه ”تجديد المنهج في تقويم التراث“ وغيرهم كثر.

مشرق ومغرب

التصدي لأعمال الجابري بالنقد العلمي تارة والاستنقاص لما قام به تارة أخرى يعيدنا إلى مقولة “لا نبيّ في قومه”،  فكتابات الجابري وجدت صدى كبيرا بين قرائه وناقديه ومجايليه من المهتمين بالتراث وجدوى إعادة تأسيسه من جديد بطرق علمية منفلتة من عقال النظرة التقليدية التقديسية.

حاول القطع مع التراث، لا بتركه، ولكن بالتأسيس له بوجهة مغايرة تفسيرا وتمحيصا، وهذا ما أنبت في أرض الفكر العربي الكثير من الاختلاف الذي وصل حد الخلاف.

ولكن هل ستكون كتابات الجابري في عصر التحول التكنولوجي والتغيرات التي يقف عالمنا على أبوابها ذات قيمة أرفع ومتابعة أدق مما كانت عليه في فترة كتابتها الأولى في لحظة الصدمة الكتابية البدئية؟ وهل سنجد لكتاباته درجات أخرى من القراءة تتجاوز إن جاز لنا التعبير الدرجة الصفر للقراءة مقتبسين قول رولان بارت في حديثه عن الدرجة الصفر للكتابة؟

عمل الجابري مليء بالبحث عن نقط التقاء تجعل في الإمكان وقوف الجميع في "كتلة تاريخية" واحدة لمواجهة المصير المشترك، كما يقول هو، مصير الأمة العربية ومصير الأمة الإسلامية ومصير الأمم المستضعفة "أيًّا كان دينها وقوميتها"

قراءات المفكرين لعقل الجابري كانت نابعة من خلفية أيديولوجية تخلط توجهاتها الفكرية بتصنيفات مستمدة من حقل السياسة فهو علماني مرة من خلال ثلاثية القبيلة العقيدة والغنيمة التي أسست لقراءته للعقل السياسي العربي، وتقليدي طورا من حيث طرحه لمسلمات التراث دون محاولة تجاوزها في نظر البعض وذلك من خلال خلطه حسب زعمهم بين القومية والإسلام، وليبرالي من ناحية أخرى بدليل تأكيداته المتواصلة على مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية. ولكن هذا التصنيف يطرح من جديد فأين يمكن أن نضع الجابري أفي خانة من هذه الخانات أم تراها تنطبق عليه جميعها؟

قولته الشهيرة “لقد تمشرق المغرب وتمغرب المشرق” يبين فيه الجابري أن وشائج القربي كبيرة ومتينة بين جناحي العالم العربي الإسلامي، كما قال المفكر المصري حسن حنفي في تأبينه على صفحات صحيفة “الاتحاد” الإماراتية، وقد جمعت الرجلين صفحات اليوم السابع في تسعينات القرن العشرين في حوارات نشرت بين دفتي كتاب “حوار المشرق والمغرب” وحينها عاب الجابري على حنفي النظرة المشرقية تجاه المغاربة التي ظلت حبيسة نظرة الصاحب بن عباد متأتية من خلال اطلاعه على كتاب ”العقد الفريد“ لابن عبدربه، مقارنا إياه بكتاب ”الأغاني“ لأبي فرج الأصفهاني حيث قال “هذه بضاعتنا ردّت إلينا”، ولكن رغم ذلك جمع الجابري بين الضفتين في قولته سالفة الذكر.

كان الجابري يبحث عن “نقط الالتقاء التي تجعل في الإمكان وقوف الجميع في (كتلة تاريخية) واحدة لمواجهة المصير المشترك: مصير الأمة العربية ومصير الأمة الإسلامية ومصير الأمم المستضعفة أيًّا كان دينها وقوميتها”. لذلك يمكن اعتباره باحثا عن الألفة لا الفرقة، عن ”كلنا في الهم مشرق ومغرب“ كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي وإن تصرفنا في قوله قليلا، وفي هذا يردّ عليه حنفي بالقول “المغاربة يعتبرون مصر جزءًا من المغرب العربي ليس على أساس الانتماء القاري وحسب وإنما على أساس حضاري أنثروبولوجي”، فمفهوم القطيعة الابيستمولوجية أثار جدلا واسعا اعتبر من خلاله  الجابري يفاضل بين المغرب والمشرق بالتعصب للأول على حساب الثاني، أو هو بعبارة أخرى تفضيل المغرب العقلاني الرشدي على المشرق اللاعقلاني السينوي، ما حدا بالجابري إلى القول “وكما هو معلوم فقد أثار استعمالي لمفهوم القطيعة نقاشا واسعا في المغرب وجدلا أوسع في المشرق، حيث لم يكن النقاد هناك على إطلاع على المضمون الابيستمولوجي لهذا المفهوم. فتوهموا أن الأمر يتعلق بادعاء قطيعة بين المغرب والمشرق، الشيء الذي أدى ببعضهم إلى حد اتهامي بالتعصب لبلدي، وأنني صدرت في ذلك عن نزعة شوفينية“.

قال أيضا في معرض نفي تهمة المفاضلة “بصدد المغرب والمشرق أريد أن أرفع التباسا لست أدري من أين جاء مصدره لدى بعض النقاد، وهو ما قيل من أنني شوفيني مغربي متعصب للمغرب، أعتقد أن هذا لا أساس له إطلاقا، على الأقل في فكري ووجداني. لا أعتقد أن هناك في المغرب الراهن أو الماضي من يمارس هذا النوع من الشوفينية، فنحن مدينون للمشرق من الناحية الثقافية من أول الأمر إلى آخره، والشرق والغرب يكوّنان كلا واحدا في هذا المجال وهو الثقافة العربية.. فأنا لا أتعصب للمغرب على المشرق باعتبار أن ابن رشد مغربي وابن سينا مشرقي”.

لذلك نزع الجابري غطاء التهم التي وجهت إليه وربط بين ضفتي العالم العربي الإسلامي وكانت قولته الشهيرة مسطرة في تاريخ الفكر العربي، فالمغرب مشرق والمشرق مغرب كل واحد لا يتجزأ، ما جعل البعض ينعته بالقول “الجابري درس في دمشق وأزهر في الرباط”.

كتابات الجابري حول القرآن كانت من آخر كتاباته حيث لاقت الكثير من الردود من قبل الفقهاء والمتدينين ومن بينها “مدخل إلى القرآن” و”فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول”.

فقهاء الظلام

الجابري يتصدى للتراث لا بوصفه ثابتا غير متغير، بل لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر. ذلك التراث الذي لا بد له من التجدّد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرا ومنهجا وممارسة
الجابري يتصدى للتراث لا بوصفه ثابتا غير متغير، بل لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر. ذلك التراث الذي لا بد له من التجدّد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرا ومنهجا وممارسة

لقد هوجم الجابري في طروحاته واتهم بالتحريف في حين أنه حاول استقصاء آراء الفقهاء القدامى في قضية جمع القرآن والنظر في التفاسير القديمة التي اعتبرها غامضة من حيث خلطها بين المكي والمدني في السور إضافة إلى أنها لم تتبين بدقة تاريخ النزول مما يساعد على بيان المعاني ودقة التفسير لآي القرآن.

هذه المؤلفات فتحت على الجابري باب الانتقاد الحاد من المؤسسات الفقهية التقليدية، ولكنه قال في هذا الصدد “أنا راض تماما عن نفسي وعن نتاجي وعن نتائجه على الناس .. وأعرف أن هناك من يختلف معي كما أعلم أني لا أغرد منفردا وحتى إن فعلت ذلك فأنا أجد دائما من يغردون معي”.

تفكير الجابري حول القرآن أرجع سجال تجديد الخطاب الديني من خلال أنه لا يجوز النظر في النصوص بمناهج معاصرة ولا بد أن يتصدى للأمر أهل العلم من الفقهاء وكأنهم هم وحدهم مخولون للنظر في النصوص المقدسة، كما أن منتقديه في كتاباته حول القرآن انطلقوا من قراءاتهم التي يمكن أن يقال عنها سطحية لمشروعه في نقد العقل العربي ومحاولة إخراجه من شرنقة التقليد التي هيمنت عليه وأجبرته على الوقوف في زمن مضى وكبلته عن صنع الحاضر والمستقبل.

نعت مشروعه بنفسه بأنه يتلخص في تجديد العقل العربي من الداخل أي من خلال تراثه ولكن بالاعتماد على آليات عقلانية مستوحاة من الثقافة الإنسانية في مجملها إضافة إلى محاولة تبيئتها في بيئتنا التي تخصنا. يعتبر البعض ممن قرأ الجابري ومؤلفاته بعين الناقد الممحص القادر على ربط السبب بالنتيجة وعلى تتبع منهج الكاتب، أنه قد انتقل من محاولة تجديد العقل إلى محاولة فهم القرآن من حيث مراجعة التراث وتنقيته ممّا علق به في بيئة تقليدية تقديسية للنصوص لا تمكن العقل من الفعل لتغيير نمط التفكير بحثا عن أفق جديد يمكن من استشراف مستقبل يتجاوز النظرة البيانية التي انحشر فيها العقل وانحصر.

سنوات مرّت على رحيل الجابري ولا يزال فكره يُسيل حبر التساؤل ومؤلفاته محط درس وبحث واستكشاف. فهل تكون القراءات الجديدة التي ستهتم بتفكير الجابري وطروحاته قادرة على تحريك سواكنها وتوضيح ما التبس على البعض ممن جادلوا صاحب القطيعة الابيستمولوجية بمفهومها البشلاري حتى يقطعوا مع قراءاتهم للتراث من منظور تقديسي بحت من أجل رؤية جديدة للنصوص تفتح مجال رؤيا وحلم لانعتاق العقل من وهم الجمود؟

12