محمد عبدالعزيز: السينما كالهواء والمخرج صانع أفخاخ

الأحد 2014/03/09
فيلم \"دمشق مع حبي\" يتناول مشكلة الأقليات اليهودية في سوريا

دمشق- بسيطاً، عفوياً، مميزاً بقبعته التي قد تردّ الشمس أو بعضا من الموت الذي تعبق به دمشق، محمد عبدالعزيز مخرج سوري شاب ذو رؤية متفردة شعّ اسمه في السنوات الأخيرة، في رصيده خمسة أفلام، “نصف ملغ نيكوتين” الحائز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان إيطاليا للفيلم المتوسطي، و”دمشق مع حبي” الحائز على الجائزة الثانية في مهرجان أنابوليس الدولي في تونس وكذلك “المهاجران” و”الرابعة بتوقيت الفردوس″ الذي انتهى من تصويره مؤخرا، بالإضافة إلى فيلم غنائي طويل –Musical- بعنوان “ليلى”.

يصف المخرج محمد عبدالعزيز السينما السورية البعيدة عن الجمهور وانحصارها في المهرجانات والعروض الخاصة في سوريا بأنها كسولة، ويرى أن الخوض مرارا وتكررا في مسألة الفيلم والجمهور بات أمرا ثقيلا كحجر على الكتف والقلب، ويضيف قوله بأنْ لا شيء بعيد عن الجمهور، فـ”هناك الكسل الذي نتحاصصه كطرفين: صناع الفيلم من جهة والجمهور من جهة أخرى، أسباب هذا الكسل معروفة للجميع، – متهكماً- الكسل أمر مفيد وهو جيد ويناسبنا حالياً”. أما عن مسألة انتشار أفلامه فيقول: “أعتقد أنه الشكل الذي اختاره عادة لنصب الفخ أمام المتلقي إذا صح التعبير”.


السينما الجديدة


حول الظواهر السينمائية أو شبه السينمائية التي ظهرت في سوريا حاليا، وعن انتشار المخرجين في كل مكان يعلق عبدالعزيز بالقول: “السينما كالهواء من حق الجميع تنفسه بالطريقة التي يراها مناسبة. لكني كمشاهد أرى أن معظم ما أنتج ورأيته، هو مجرد ثرثرة بصرية لا تتعدى الريبورتاج التلفزيوني بشكله الممجوج والمباشر، الجانب الإبداعي فيه يكاد لا يتخطى شكل النميمة البصرية التي يتمحور جوهرها حول إلحاق أكبر قدر من العطب بالخصم، هذه ليست سينما، بل أقرب إلى ملاسنة بين امرأتين في حي شعبي، ربما في المستقبل تتدحرج ماسة ما من وسط كومة اللغط، جوهرة مزيفة الجميع يرغب في اقتنائها من باب الزينة لا أكثر ولا أقل، في النهاية النفيس سيضيء من تلقاء ذاته”.

السينما كالهواء من حق الجميع تنفسه بالطريقة التي يراها مناسبة. لكني كمشاهد أرى أن معظم ما أنتج ورأيته، هو مجرد ثرثرة بصرية لا تتعدى الريبورتاج التلفزيوني بشكله الممجوج والمباشر

ويضيف عبدالعزيز واصفاً ظاهرة جديدة شدت انتباهه في عالم السينما العربية عموما والسورية خصوصاً وهي ” بروز البوليس السينمائي الثوري الذي لم ينفك يلوّح بهراوته في وجه كل من لا يشبهه ويميل إلى رؤاه ومــواقفه الســياسية.

هؤلاء تكاد صورتهم تمثّل الوجه الأبرز للحالة السورية والربيع العربي عموما، لا شيء سينمائيا لافتا برز ليعيد الجميع إلى مراجعة مفهومهم المعرفي والروحي والكوني عن ماهية الصورة والسينما والثقافة بمعناها الوجودي العميق.

الكثير من الشتائم على شكل أفلام، جيش كامل من الشرطة الثورية السينمائية يجوبون الأرجاء تتملكهم تلك الرغبة العميقة بتهشيم الرؤوس ومناخ هزيل وهشّ واصطفافات ضحلة في وحل المستنقع المخبول الذي نخوضه الآن نحو اللاشيء، في نهاية المطاف عندما تكون موجة الدم عالية وصاخبة إلى هذا الحد يصبح الخوض في مثل هذه الشؤون محاولةً طائشة لشرح مدى التنوع اللوني في خيط قوس قزح لشخص كفيف غارق في بئره العميقة”.

حين سألناه عن رعب حمل الكاميرا في شوارع دمشق وتأثيره عليه كإنسان وكسينمائي يجيبنا عبدالعزيز قائلا: “في البداية كنت مأخوذا بهذه الحالة كما كنت مأخوذا باللحظة الشعبية بنقائها واكتشاف صوتها النبيل لحصد ما حرمنا منه مطولا، الآن لم يعد الأمر يثيرني، الجوهري والعميق والمثير بالنسبة إليّ هو عندما أجلب الخبز والحليب والمرتديلا من سوبر ماركت الحي وأعود إلى ابني وبيتي سالما”.


الرقابة و الجبنة

محمد عبدالعزيز حصد جوائز عربية وعالمية ويدعو إلى سينما جديدة


عن علاقته مع الرقابة يجيبنا عبدالعزيز بأسلوب فيه نوع من التلاعب اللفظي المشابه للحالة مع الرقيب في سوريا فيقول: “علاقتي مع الرقيب هي مثل علاقتي مع جبنة -لافاش كيري- “La vache qui rit” عندما أسحب الخيط الأحمر بحركة دائرية واحدة يصبح المحتوى في متناول يدي، ثلاثتنا نخرج من هذه العلاقة مسرورين، الرقيب لأنه يشعر بأنه الأذكى وأنا لأني أحصل على الجبنة بمجرد سحب الخيط الأحمر والبقرة التي تضحك علينا دائما”.


غياب السينما


قال عبدالعزيز مرة – لا توجد سينما سورية بل عدة أفلام تعد على أصابع اليدين- وهو ما حفزنا لتبيّن قوله هذا، ورأيه في الأفلام التي وصلت إلى مهرجانات عالمية كـ”كان”، أجابنا عبدالعزيز: “ما زلت عند قولي هذا، وصول فيلم لـ”كان” أو لخارج المجموعة الشمسية لا يعني شيئا، مجرد هزل لا يتعدى باب الدعاية وإثارة الغبار، الأغنية الشعبية أيضا وصلت لمهرجان نوبل للسلام – يقصد المغني السوري عمر سليمان- ومحمد فارس خاض تجربة سبر الفضاء ماذا يعني ذلك؟ حتى القرود والصراصير والفئران زارت الفضاء، هل هذا يعني أن الفئران ستخرج نوعها وفصائلها من مجارير وخزائن مطابخنا إلى الفضاء الخارجي الرحب، بكل الأحوال أنا أعيش في كهفي، لم تعد لديّ رغبة في النظر عبر الكوة الضوئية عما يحدث في الخارج، في السابق كان لديّ هذا الفضول والغوص في كل هذه المسائل النظرية في السينما والأدب والثقافة. في الوقت الحالي فقدت إيماني بكل شيء، مسائل مثل كيفية التخلص من العلكة الملتصقة بالثياب وكيفية تجفيف النعناع وطرد النمل من المنزل بأقل قدر ممكن من العنف هي ما تشغلني”.

في فيلمه “دمشق مع حبي” يتناول المخرج مشكلة الأقليات اليهودية في سوريا، وبسؤالنا له عن إمكانية توظيف الأزمة الطائفية التي تعيشها سوريا حالياً بصيغة سينمائية يجيب موارباً: “لا أعلم، لا أدري، ممكن، لا أميل إلى ذلك، ربما، أحياناً، لا بد.. قطعاً لا”. وعند سؤاله عما إذا كان فيلمه الحالي أو وجود مشروع مستقبلي آخر لتصوير فيلم يتناول ما تمر به سوريا يجيب بشكل مختزل :”أي”.


تمجيد العبيد


سألنا عبدالعزيز

فيلم يتناول مشكلة الأقليات اليهودية في سوريا

عن سبب عدم عرض فيلم “المهاجران” حتى الآن فأجاب: ” فقدت إحساسي ودافعي في الوقت الحالي لشحن المتلقي بتلك الجرعة المركزة من مشاركة الآخر بما يدور في خلدك، ليس لديّ مزاج في الخوض مع الجمهور بما يحمله هذا الفيلم من دفقات ممكن أن تفتح الباب مجددا حول مسائل كالعبودية بكمالها وبهائها ورياضياتها الكونية وبكونها كنزنا الثمين الذي لن نلقي به على ما يبدو لتبحر السفينة نحو ما هو غامض ومضيء ورؤوف ومتناقض وإشكالي بحيث يفضي هذا التلاطم والتصادم والمماحكة إلى التناغم المنشود للرسو”.


دمشق مفاتيح للغيب


لم يغادر محمد عبدالعزيز دمشق، بل بقي فيها وعمل فيها عكس الكثير من المبدعين والمشتغلين بالشأن الثقافي، وحين سؤاله عن عدم اختياره الرحيل يعقّب بالقول: “أجد نفسي أحيانا منجذبا للتحولات التي تمر بها دمشق في الوقت الحالي، المخيف والمثير في نفس الوقت، هذا الموت المحدق بالجميع، نحن داخل حدقة العين الحمراء، لست شجاعا بالمعنى المتداول لأقول إني أريد النظر إلى ما داخل تجاويف تلك الحدقة المميتة، لا شيء يربطني بالمكان أيضا بالمفهوم التقليدي المتداول لأبقى لمجابهة هذه التحديات التي تضعنا يوميا على حافة الهاوية فنبقى متأرجحين بين الهاوية وحافتها،.. التأرجح مغر جدا، نحن في الحقبة الجوراسية ومن المثير أن تكون قريبا إلى هذا الحد من فعل الانقراض ومشاهدة الزواحف العملاقة وهي تقاتل بقية الكائنات المفترسة للبقاء حية في خضم هذه المشاعر والرؤى المتناقضة في دمشق اليوم، هناك أيضا تلك اللحظة النورانية وسط هذا الحطام والخراب التي تأخذك إلى نوع من التجارب الروحية التي تشبه ربما حالة من حالات المتصوفة في الدوران والانجذاب نحو ما يجعلهم مندمجين أكثر فأكثر بما هو محيط وشمولي يتعدى حدود الفهم والإدراك، وهي حالة مستقاة من النبذ والتماهي.

كل هذا الخطر المحدق يجعل منك كائنا متحفزا، إنه تكثيف الرهبة والطيش والحذر فيتسع مجال الرؤيا وترى ما لا يراه الآخرون إلا على الشاشات. أنا بطبيعتي أنحدر من هذه الذهنية وكفرد – ليس كمخرج – أخذت حصتي من الخوف والبرد والجوع والحب مثلي مثل الجميع من سكان دمشق، التي يبدو محزنا تركها في مثل هذا الوقت. حتى اللحظة لا شيء يدفعني لمغادرتها وبدأت أتآلف مع مناخاتها الجديدة والطارئة، هناك تآلف عضوي لن أجده أو أستطيع إعادة صياغته وبنائه بعد هذا العمر في مكان آخر بعيدا عن دمشق الحياة”.

12