محمد عبدالله علوان: كل ما يحدث الآن في العالم بلا منطق

الشعر على خلاف ما يعتقده البعض ليس ذاك الذي يجمّل العالم بأشيائه ويجعل منه ومن كل عناصره حلما دافئا يلبّي رغبات جمالية حالمة ومتعالية عن الواقع، بل الشعر بات اليوم يشتغل على جماليات مختلفة تلتقط العالم أحيانا كما هو، فيغوص في قبحه ليستخرج منه ضروبا متبانية من جماليات مختلفة ومتعددة. “العرب” التقت الشاعر السعودي محمد عبدالله علوان فكان لنا معه هذا الحوار حول واقع الشعر ومشروعه الشعري.
الخميس 2016/02/11
لست مؤمنا بالأجيال

شاعر ولاعب كرة قدم فاشل، ورسام لم يكمل لوحة واحدة، إضافة إلى أن خطه في الكتابة لا يقرأ. هكذا يعرّف الشاعر السعودي محمد عبدالله علوان نفسه. يكتب علوان الشعر بصورة قريبة من البديهية مستشعرا أن خلفه جيشا من الشعراء الذين يصرخون به حانقين على ما يفعله، الأمر الذي يضخم ما بداخله من العناد، ويجعله يحس بالوحدة ويلوذ بالشعر. صحيفة “العرب” التقت بالشاعر في حوار حول تجربته الشعرية وحول قضايا ثقافية أخرى.

دون نظارات

يقول علوان: أدرك أكثر من أي لحظة أخرى أن الشعر قد يتواجد مع بقايا الخبز البائت على طاولات المطاعم الرخيصة أو بجانب علبة الكرون فلكس على الرف، الذي لا يلاحظ من المرة الأولى في المطبخ، أو في الأشياء النهائية أو الشبيهة بذلك، الشعر كما أفهمه أو كما أحسه لا يختزل في نمط أو صورة، إنه ذلك الشيء الذي يجعل كل ما فيك يصاب بنوع من الفوبيا والذعر والهستيريا، إنه ذلك الشيء الذي يمسك ولا تتضح ملامحه، هو ذاته الشيء الذي يلمع فجأة عندما تمرّ مسرعا من شارع مزدحم، هو التشويش في هيئة الأشياء التي كانت من الممكن أن تكون كاملة، وهو شبيه جدّا بالنقص الملاحظ في الصور القريبة من الكمال؛ إنه الطريقة الفاشلة لقول الكلام ذاته مرتين.

أصدر علوان عام 2014 مجموعته الشعرية الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر حاملة عنوان “جورب عالق في مصحة”، ويعمل حاليا على مجموعة شعرية جديدة، يأمل أن تظهر نهاية العام القادم، غير أنه لا يراهن على الوقت، فالمراهنة على الزمن -كما يقول علوان- دائما ما يكون فيها شيء من المجازفة.

مجموعة “جورب عالق في مصحة” مسكونة بحالات من التوحش والدمار وصور من السوداوية، الحرب، المقابر، الجثث، وقاموس طويل من هذه المفردات. مما يجعلنا أمام شاعر يألف التوحش ولا يفضّل ارتداء النظارات في حضرة الشمس.

يقول علوان عن الشعر: يجب على الشعر ألا يكون أداة تجميلية عائمة على سطح من الاتساخ، بقدر ما يكون حالة حساسة تجاه الأنماط الحياتية الأقل جاذبية التي تعنى بشكل أدق بما هو يومي ومتعب. لذلك فمن المهم بالنسبة إليّ أن يكون الشعر عينا ملاحِظة لهذه الحالات، بكل ما فيها من حدّة ونفور وانفلات وتقزز، وليس على الشعر أن يجمّل هذه الصور بقدر ما يجعلها مستساغة كحالة فنية.
التصنيف الجيلي يعطي انطباعا بأن لكل جيل عمرا افتراضيا ويجب عليه أن يعتلي منصة الجيل الذي قبله

أشياء غير مريحة

علوان من مواليد أبها (جنوب السعودية) عام 1985، هذا الجيل لم يولد مأزوما بطوق الأيديولوجيا، ولم تمزّقه التحزبات القومية والعربية، بل ظلّ حرّا خارج نطاق الأدلجة المحتملة له. ويرى علوان بأن جيله ولد وعاش وهو يرى العالم بكل اتساعه دون أن يراه من منظور مؤدلج أو من خلال تحيزات جمعية صارمة، لهذا فحسب كانت وجهة نظره أن هذا الخلاص من الأيديولوجيا لأبناء جيله كان أكثر ما يمكن له أن يخلص القصيدة مما ليس منها، الأمر الذي جعل القصيدة هي الحاملة لهمّها الذاتي كقصيدة، بعيدا عن الاتكاء على قضية أو حدث أو مرحلة.

وفي السياق نفسه يؤكد علوان أنه ليس مؤمنا بمسألة استبدال جيل ثقافي بجيل آخر أو بتنحّي جيل لمصلحة جيل آخر، ويرى أن “هذا التقسيم في مجمله غير دقيق أو أنه ينطلق من نظرة شمولية قاسية تماثل نظرة المرء إلى الحياة بصفتها مراحل كما هي حياة الإنسان، الذي يكون المرء فيها قويا في حالة شبابه ومتقهقرا في شيخوخته، أو أن كل ما هو جديد يحمل تراكما يستوعب به ما جاء قبله، وهذا قد لا ينطبق على الإبداع بالتحديد”.

ويتابع في الشأن ذاته: هذا التصنيف يعطي انطباعا بأن لكل جيل عمرا افتراضيا، وأن كل جيل يجب عليه أن يعتلي منصة الجيل الذي قبله، وكأن العمل الإبداعي في هذا السياق منشغل بما هو خارجه. ثم إن الكتابة من أجل الكتابة هي أسمى من أي شيء آخر يأتي تباعا أو عرضا. ومن الأشياء غير المريحة أن ينشغل المبدع بالظهور أو ينتج فنا وهو ينظر إليه كوسيلة لنيل مكسب، المكسب ليس عيبا عموما لكن لا يجب أن يكون هو الغاية. وقد يبدو هذا كلاما مثاليا أو ميالا لذلك، لكن هذا ما يجب أن يكون، أو على الأقل ما أحسّ به، أو ما أسعى إليه.

وحول سؤال عن أثر سلطة الرقيب على الشاعر وعلى نصه يجيب علوان: الرقيب لا يجب أن يكون متواجدا بداخل المبدع، وأنا أعني هنا الرقيب من خارجه، لأنه سيضعفه، يعني أنه يخضع انفلاته لمقصلة، وهذا بصورة ما ينتج عملية مشوّهة أو مكررة، أو محصورة مسبقا ضمن إطار مصنوع بقوالب محددة، وهذا بصورة شخصية يشعرني بعناد ما. على مدى سنوات سابقة شارك معظم المثقفين في مؤتمرات المثقفين السعوديين، التي اتفق فيها معظمهم على ضرورة وجود مظلة تلملمهم وتحميهم، وذلك عبر تأسيس اتحاد للكتاب السعوديين. غير أن الأمر لاقى تحفظات كثيرة من جهات رسمية، ولم ير النور حتى الآن.

مجموعة شعرية مسكونة بحالات من التوحش والدمار وصور من السوداوية
عن ذلك يعلّق ضيفنا قائلا: يحتاج المثقفون إلى مؤسسة ترعى شؤونهم وتدافع عنهم وتوفر لهم نوعا من الحماية، شريطة أن تبقى داخل هذا الإطار، لا أن تتبنى مواقف أو تصدر بيانات باسم المؤسسة، لأن هذا من جهة ما قد يكون نقيضا لعمل المثقف الحر الذي لا يكون كذلك عندما يقيّد بشروط والتزامات، أو أن يكون ضمن جمع ما يتفق على صيغة أو يتبنى رأيا موحدا قد لا يمثله بالضرورة.

وهنا قد يصبح الأمر قتلا للعمل الثقافي، وهو من هذه الناحية أمر مؤذ. وأعتقد أن من يجد حماسة لهكذا فكرة فهو يكتفي بالنظر إليها بصفتها مؤسسة للرعاية لا بصفتها قيدا أو شرطا، أو أنه ينظر إليها من جانب تحزبي ضدّ سلطة أو طرف آخر يرى أنه يملك قوة ليست لديه، وهذا يشير إلى أن المثقف لا يشعر بالأمان ويحتاج إلى أن يتخندق، أو يلوذ بقوة، وقد يجد صدى لهذه الحاجة في صورة الجماعة.

وفي معرض حديث ضيفنا لـ”العرب” عن العلاقات الثقافية القديمة الجديدة بين مثقفي جنوب المملكة ومثقفي اليمن لا يفترض علوان أن تغيّرا كبيرا حصل بينهما من ناحية التواصل، لكن التأثير قد يكون أكبر لمن خاض تلك التجارب وعاصرها كهمّ يومي.

يقول: أميل من منظور شخصي إلى أن التجربتين في طريقهما إلى التنحّي عن المشابهة لأن الشاعر اليمني سيكون قد خاض تجربتين بهما صورة مكبرة من الخوف والشك والجزع، وهذا بلا شك لا بدّ أن يشكل وجـدانه، وأن يعيد صياغة الكثير مما هـو بداخله، وقد يصنع تجربة مغايرة عن تجربة قرينه في جنـوب المملكة الذي غالبا ما يكتفي بالملاحظة.

ويختم علوان متحدّثا عن مآلات الربيع العربي: إن كل ما يحصل الآن ليس خاضعا للمنطق، وما يحصل مع المثقفين أو منهم ليس إلا جزءا من حالة عامة تتصف بالغموض، يمكنني أن أقول إني لا أرى بوضوح في هذا الاتجاه، وأحتاج إلى وقت أطول لكي أضع يدي على ما يمكن الإمساك به.

15