محمد عبدالمطلب الهوني: ندعم الجيش الليبي لاستعادة الدولة

السياسي محمد عبداللطيف الهوني يرى أن مشكلة العرب تكمن في أنهم يؤمنون دائما بنظرية المؤامرة فيعتقدون أن من أفشل الوحدة العربية هو الاستعمار.
الخميس 2019/06/20
مستقبل ليبيا يهدده الإسلاميون

يؤيد الكاتب والسياسي الليبي محمد عبدالمطلب الهوني العملية التي يقودها الجيش الليبي لاستعادة طرابلس من أيدي الميليشيات باعتبارها خطوة رئيسية نحو بناء الدولة التي تطلع إليها الليبيون حتى من قبل ثورة 17 فبراير وسقوط نظام معمر القذافي، واستعادة تلك الثورة من أيدي الإسلاميين الذين ركبوا موجتها واستفادوا منها دون أن يتحملوا لظى نيرانها عندما انطلقت في البداية.

تونس- محمد عبدالمطلب الهوني، مفكر وكاتب وسياسي ليبي، حياة هذا الرجل أشبه بالمغامرة. من ممارسة القضاء في السبعينات اتجه إلى إيطاليا. أنهى الدكتوراه واشتغل في التجارة. لكن، لم تثنه التجارة عن الخوض في السياسة. وحاول المشاركة في إصلاحات وصفها بالكبرى عندما شغل منصب مستشار لسيف الإسلام القذافي في بلاده قبل ثورة 2011، التي جاءت ونسفت تلك الطموحات الإصلاحية.

إلى جانب عالمي المال والسياسة، خط الهوني لنفسه طريقا نحو عالم البحوث والأدب والثقافة والإعلام. وكتب العديد من المقالات حول السياسة والإسلام السياسي وجيوبوليتيك المنطقة العربية. ومن أحدث مؤلّفاته رواية “مقبرة المياه”، قصة التغريبة الجماعية في زمن الربيع العربي الذي حول الآمال بمستقبل مزهر في ليبيا إلى واقع بلون الدم والإرهاب وحاضر عنوانه الانقسام والفرقة والحرب المدمرة.

يحمل محمد عبدالمطلب الهوني أنصار الإسلام السياسي مسؤولية هذا الواقع وفشل الثورة في تحقيق ما صبا إليه الليبيون عندما خرجوا يوم 17 فبراير 2011. ويقول إن انتفاضة الجماهير والنزول إلى الشارع لا يعنيان شيئا، فالجماهير تصرخ وتعود إلى بيوتها فقط، بالمقابل هناك دائما فئة منظمة تستولي على المكتسبات. ويضيف قائلا إنه لا يجب وضع كل شيء في سلة واحدة، بمعنى أن تجربة تونس تختلف عن تجربة مصر وتجربة مصر تختلف عن تجربة ليبيا ولكن الرغبة في تغيير الأنظمة كانت مشتركة. النظام في ليبيا كان الدولة وبسقوط النظام سقطت الدولة، أما في تونس فقد كانت هناك دولة فيها نظام وعندما سقط النظام بقيت الدولة قائمة وهذا الفرق جوهري وأساسي.

ويصف ما حدث للثورة في ليبيا بـ”السطو” و”مؤامرة كبرى”. ويضيف أن الذين قاموا بالثورة في البداية كانوا أصحاب برامج ورؤى وأشخاصا وطنيين لكنهم لم يكونوا منظمين. ومن كان منظما هو من استولى على الدولة وتغلغل في مفاصلها. فالإخوان المسلمون والجماعات الإرهابية الأخرى هم من يحتلون مفاصل الدولة في ليبيا أو بالأحرى مفاصل المؤسسات المتهالكة والهدف هو السيطرة على المال، فليبيا فيها أموال كثيرة.

معركة طرابلس

محمد عبدالمطلب الهوني: اليوم نحن ندعم حفتر بقوة لأنه سينزع السلاح ممن لا يريد رميه مهما كانت الكلفة، لكن إذا لم تقم الدولة ستضيع ليبيا وستنقسم وستتأذى الدول المجاورة وحتى لا يحصل هذا يجب أن تُقام الدولة  في ليبيا مهما كان الثمن
محمد عبدالمطلب الهوني: اليوم نحن ندعم حفتر بقوة لأنه سينزع السلاح ممن لا يريد رميه مهما كانت الكلفة، لكن إذا لم تقم الدولة ستضيع ليبيا وستنقسم وستتأذى الدول المجاورة وحتى لا يحصل هذا يجب أن تُقام الدولة  في ليبيا مهما كان الثمن

في مواجهة هذه الجماعات المسلحة وقوى تيار الإسلام السياسي التي تتغذى على استمرارية الانقسام والتفرقة، شن الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، عملية عسكرية لاستعادة طرابلس من سيطرة هؤلاء، كخطوة رئيسية نحو إنهاء الانقسام والمرور إلى بر الاستقرار. وفي هذه العملية يدعم الهوني الجيش الليبي خليفة حفتر.

ويقول عن ذلك “نحن نقف مع حفتر اليوم لأنه يريد أن ينزع سلاح الميليشيات ويقيم الدولة”، مضيفا في رده على سؤال: ألا تخشى أن تعيش ليبيا مرة أخرى ما عاشته حوالي 40 سنة؟ “لا بأس، فعندما نقارن بالفوضى الموجودة اليوم نجد أن الشعب الليبي لا يبحث سوى عن العيش بأمان”.

ويعتبر أن الشعوب العربية عموما لو عرفت معنى الحرية لحاربتها. ويفسر رأيه هذا قائلا إن الديمقراطية ليست إجراء انتخابيا، الديمقراطية لها جوهر، وجوهرها الحرية، والحرية هي امتلاك الإنسان الفرد لعقله وضميره وجسده وكسبه، في حين أن المجتمعات العربية مازالت تختصم على ملكية فتاة، أغلبها يحكمها الطابع القبلي والطائفي. والمجتمع الأهلي القائم على الطوائف والقبائل لا يمكن أن يصبح مجتمعا مدنيا ما لم تتطور تلك العناصر إلى مؤسسات ومنه لا يمكنه مواجهة الديمقراطية.

ولفت الهوني في رده على فكرة أن يكون دعم حفتر دعما مشروطا أي مع الالتزام ببناء أسس الدولة الحديثة والمدنية التي تحترم اختيارات الناس، إلى أن حفتر يقول إنه يريد أن ينزع سلاح الميليشيات وأن يقيم الدولة ولم يقل إنه يريد أن يحكم هذه الدولة.

ويضيف أن الأولوية هي إقامة الدولة وبعد ذلك لكل حادث حديث. تونس تعاني من ليبيا ومصر كذلك تعاني من ليبيا التي أصبحت مصدرا للإرهاب والسلاح غير الشرعي وأصبحت تشكل خطرا عل دول الجوار في المنطقة، لذلك يجب أن يكون البند الأول والنقطة الأولى في كل الاجتماعات أمرا واحدا وهو قيام الدولة.

ويحيل الحديث عن معركة استعادة طرابلس إلى ملف السلاح المنتشر بين الليبيين، والتساؤل حول مدى إمكانية أن يقبل الشعب الليبي الذي تسلح جزء كبير منه على إلقاء سلاحه وتسليمه لكيان الدولة الجديد الذي سيبنى في ليبيا المستقبل، وهي مشكلة يصفها الهوني بالكبيرة والمتشعبة.

لكنه يوضح أن الشباب الحاملين للسلاح كانوا قبل 2011 عاطلين عن العمل وأغلبهم حملوا السلاح نتيجة إغراء العصابات بالمال. ويعتقد أنه إذا وفرت الدولة لهم سبل العيش الكريم سيقدم هؤلاء المسلحون الشباب أسلحتهم ومن يعاند يتم نزع السلاح منه قسرا.

ويقول “اليوم نحن ندعم حفتر بقوة لأنه سينزع السلاح ممن لا يريد رميه مهما كانت الكلفة، ففي سبيل إقامة الدولة يجب أن يحدث ما يجب له الوقوع، لكن إذا لم تقم الدولة ستضيع ليبيا وستنقسم وستتأذى الدول المجاورة وحتى لا يحصل هذا يجب أن تُقام الدولة في ليبيا مهما كان الثمن”.

قبل ثورة 17 فبراير شغل الهوني منصب مستشار لسيف الإسلام القذافي، وكان داعما لمشروع الإصلاحات الذي تبناه، الأمر الذي يجعل البعض يتحدث عن استمرار دعم محمد عبدالمطلب الهوني لسيف الإسلام القذافي الذي تقول تقارير إعلامية إنه يملك حضورا جماهيريا لابأس به داخل ليبيا.

وفي تعليقه على ذلك يقول الهوني إن سيف الإسلام مواطن ليبي له الحق في تقلد أي منصب في البلاد لو وجد في يوم من الأيام الأصوات التي تخول له تولي منصب معين، وهذا من حقه طبعا، مشيرا إلى أنه  يساند أي شخص حامل لبرنامج تنموي. فالمشكلة في ليبيا هي نفس مشكلة أغلب الدول العربية الثائرة. الشعب الليبي قام بثورة وأطاح بنظام الزعيم معمر القذافي بسبب غياب التنمية عن البلد.

ينظر الهوني بأمل إلى العمل الفكري والتنويري خاصة إذا توفرت التنمية المستدامة بكل ما تعنيه من توظيف للأموال والإمكانيات، وتوزيعها بشكل صحيح، من أجل التنمية البشرية والمادية

ويتحدث عن مشروع الإصلاحات الذي تبنّاه لكن أجهضته ثورة 17 فبراير، مشيرا إلى أنه كان مشروعا طموحا اقتصاديا وتنمويا، لكن معارضة هذه الإصلاحات كانت قوية جدا، ومما زاد في ضعفه وقتها بعض الأخطاء التي ارتكبها الفريق الداعم للمشروع.

لكن، تم اكتشاف الأخطاء بعد فوات الأوان حيث جاءت الانتفاضة التي أصبحت في ما بعد ثورة 17 فبراير. ويقول الهوني “قلبت الأمور وتقلبنا مع الثورة وكنت أنا من مناصريها لكنني انسحبت في ما بعد من هذا المسار وصرت أنتقد وبشدة هذه الثورة لأنه تبين لي أن هذه الثورة أشعلها أشخاص أعرفهم، وأنا كنت معهم، لكن جاء الإسلاميون بعد ذلك وسيطروا على مفاصل الثورة وأفشلوها ولا نزال نعاني إلى اليوم من هذا الإخفاق”.

جمهوريات وراثية

ما يحصل في المنطقة العربية، بعد الربيع العربي، يحتاج، وفق محمد عبدالمطلب الهوني، إلى دراسات في كل المجالات. حدث كل هذا لأن الأنظمة الدكتاتورية لم تحقق طموحات الناس البسيطة من خلال التنمية. فالشعوب العربية بُليت بدكتاتوريات اكتسبت تقنية البقاء في الحكم.

تكمن المفارقة الكبرى في أن هذه الأزمات لم تنزل إلا بالدول الجمهورية لأن الإنسان العربي يعيش في مجتمع أبوي، والملكيات التي أصبحت جمهوريات صارت تطمح إلى أن تصبح جمهوريات وراثية وهذه الجمهوريات فشلت وأخفقت في تحقيق التنمية، ولذلك وقع التمرد. لكن، هذه الرؤية لا تعني الدفاع عن الملكية، حيث يوضح الهوني أن عودة الملكية من شبه المستحيل، لكن هناك درس فُهم على الأقل من الدول الملكية التي بقيت على حالها ويجب تطبيقه أيضا في الجمهوريات.

ويرى الهوني أن مشكلة العرب تكمن في أنهم يؤمنون دائما بنظرية المؤامرة فيعتقدون أن من أفشل الوحدة العربية هو الاستعمار. ويضيف في حديثه عن المغرب العربي كمثال أن “مأساتنا الكبرى هي أن كل فرد من حكام المنطقة أراد أن يتزعم هذا المغرب العربي فكان المصير هو الفشل. الزعيم معمر القذافي لما خلق مشكلة الصحراء الكبرى تراجع بعد فترة لكن جنرالات الجزائر، المعروفين بارتباطاتهم المشبوهة وهم فاسدون، عمدوا إلى ترك عملية الصحراء المغربية مشكلة قائمة حتى يتمكنوا من شراء السلاح دائما”. وبالتالي يعتبر أن بناء تقارب مغاربي حقيقي مرتبط بقضية الصحراء.

الفكر والأعمال

ليبيا أصبحت مصدرا للإرهاب والسلاح غير الشرعي
ليبيا أصبحت مصدرا للإرهاب والسلاح غير الشرعي

يعتبر عبدالمطلب الهوني أن الشخصيات الاقتصادية دعمت العديد من الأعمال الفكرية، وارتباطه بالمجالين يجعله على اطلاع ببعض أسباب القطيعة بين رجل الأعمال العربي والمسيرة الفكرية في المجتمعات العربية. ومن بين هذه الأسباب اعتبار رجال الاقتصاد العرب للثقافة ترفا.

ويتحدث عن تجربته قائلا “عندما أسسنا المنظمة العربية للتحديث الفكري في بيروت كنا ننتظر في ذلك الوقت قدوم رجال الأعمال لمساندتنا فلم يأت أيّ منهم رغم احتواء هذه المنظمة على صفوة المفكرين العرب كمحمد عبدالمجيد الشرفي، نصر حامد أبوزيد، ليلى، محمد أركون… وكل هؤلاء التقوا في سبيل مشروع فكري. وكنت أمول هذا المشروع لكن القيام بالأمر بمفردي كان صعبا فأسسنا رابطة العقلانيين العرب واختصرنا المجموعة وأصبحنا نصدر الكتب وأنشأنا صحيفة الأوان الإلكترونية، لكن هذه الصحيفة اتجهت نحو الإفلاس فقام تركي الدخيل بتمويلها وهو الوحيد الذي قام بذلك”.

ورغم هذا الواقع، ينظر الهوني بأمل إلى العمل الفكري والتنويري خاصة إذا توفرت التنمية المستدامة بكل ما تعنيه من توظيف للأموال والإمكانيات، وتوزيعها بشكل صحيح، من أجل التنمية البشرية والمادية. ويطرح كمثال تونس لتوضيح قصده بالتوزيع الصحيح.

تعتبر تونس من أكثر المجتمعات العربية تقدما، لكن لا يمكنها الخروج من مشكلتها بل بالعكس هي مهددة، بلد يذهب فيه الجميع إلى الجامعة يُعتبر بلدا مهددا، فالمفروض أن يتجه 20 بالمئة فقط من حملة الباكالوريا إلى الجامعة والبقية نحو المعاهد العليا الصناعية والتكنولوجيّة. حتى التعليم الثانوي يجب أن لا يتسع للجميع بل يجب أن يبقى دائما من يتجه نحو الأعمال والاختصاصات المهنية الأخرى. عند قدوم مستثمر أوروبي أو عربي يجب أن يجد شبابا ذوي مؤهلات مهنية.

تكمن المفارقة الكبرى في أن هذه الأزمات لم تنزل إلا بالدول الجمهورية لأن الإنسان العربي يعيش في مجتمع أبوي، والملكيات التي أصبحت جمهوريات صارت تطمح إلى أن تصبح جمهوريات وراثية

تونس اليوم مهددة لأننا نجد أنها تصرف وتستدين وتطلب مساعدات من أجل إنشاء المعاهد المتوسطة والعليا الخاصة بالتكوين وهذا التكوين أصبح غير كاف، ولذلك لا يمكن أن تكون هناك تنمية حقيقية، إضافة إلى مشكلة إصرار التونسيين على بقاء مؤسسات تجارية وخدماتية في يد الدولة لتأخذ هذه المؤسسات المال من خزينة الدولة لتغطية عجزها وخسائرها والأولى هنا بيع هاته المؤسسات.

ويوضح الهوني من خلال هذه النقطة أنه مع تأييد خوصصة المؤسسات، مشيرا إلى أن الدولة ليست تاجرا، الدولة إن دخلت في قطاع الصناعة والتجارة ستخسر وسيدفع المواطن الفقير ثمن هذه الخسائر… كيف يمكن أن نرفع من مستوى الإنسان الفقير في الصحة والسكن والتعليم وغيرها ونحن ندفع أموالنا لخسائر شركات بدعوى الوطنية. هذه حقا مأساة كبرى. ويرد على  قول المعارضين إنه لو يتم التفويت في بعض القطاعات كالكهرباء والغاز وتوزيع المياه لفائدة القطاع الخاص سيضطر المواطن الفقير إلى دفع فاتورة أكثر، بأن هذا المواطن سيدفع فاتورة أكثر لكنه سيربح أكثر في أعماله.

بين المثقف والسياسي

لا يرى محمد عبدالمطلب الهوني تعارضا بين عمل المثقف والسياسي. ويعتبر أن السياسة موجودة في المجال الفكري والفني أيضا ومن الممكن جدا شرط توفر الخبرة. والسياسة لا تعني أن يكون السياسي حاكما فالنقابات تتعاطى السياسة أيضا ولا يُعتبر أعضاؤها من السياسيين.

ويختم حديثه بالتطرق إلى وضعية المفكرين في المجتمعات العربية وعادة تذكرهم بعد موتهم، في حين نسيانهم عندما يكونون على قيد الحياة. وعن ذلك يقول “مجتمعاتنا تلهث كل يوم وراء الاحتياجات ولقمة العيش. وفي البلاد العربية إذا صدر كتاب جديد فإنه يُطبع منه 500 نسخة لا أكثر لأننا شعوب لا تقرأ، والشعوب التي لا تقرأ لا تعرف ماضيها ولا تستطيع أن تستشرف مستقبلها. ولهذا السبب نحن في حاجة إلى التنمية المستدامة فهي التي توفر للإنسان حياة كريمة، والذي يعيش حياة كريمة سيقرأ ويفكر.

6